|
نعم .. ثم لا يا فضيلة المفتي . !! بقلم الشيخ عاصم عبد الماجد
- من مميزات مفتى مصر الحالي د. علي جمعه أنه – بخلاف بعض من سبقوه – أنه على دراية واسعة بأصول الفقه وهو بذلك يمتلك القدرة على معالجة ما يستجد من وقائع في حياة الناس دون أن يكره فتاوى السلف الصالح على أن تطوع رغم أنفها لتكون جواباً لوقائع معاصرة لم يوجد لها شبيه أصلاً في زمان سلفنا الصالح.
- وقد استمعت له مؤخراً على القناة الفضائية المصرية وهو يجيب على سؤال أصولي أخطأ في الإجابة عليه كثيرون ممن صدعونا بالحديث عن تغير الأحكام بتغير الأزمان. فإن بعض من تكلم في هذا الموضوع جاء كلامه غامضاً ملتبساً بل ملبساً على الناس دينها حتى ظن الناس أن الواقعة المعينة قد يكون لها حكم محدود في زمن رسولنا صلى الله عليه وسلم أو في زمن التابعين ثم إذا تكرر منها في زماننا نحن صار لها حكم مخالف.. وكلا الحكمين صحيح وكلاهما حق مبين.
- وهذا شيء أشبه بالهذيان . فضلاً عن كونه يمثل طعناً صارخاً في الشريعة الخالدة . ولو قيل لزنديق : اجتهد في تغيير معالم الدين وتحريف أحكامه لما قال شيئاً أشد من هذا القول !! وبسط هذه المسألة له موضع آخر يليق به.
- تكلم د. علي جمعه في هذه المسألة فأحسن وأجاد ، وأوضح أنه عندما يتغير الزمان والمكان فيحدث هذا التغير تغيراً مؤثراً في الوقائع فإن الحكم الشرعي يختلف لأن الواقعة الحادثة ليست هي الواقعة السالفة ، بل قد تغيرت الواقعة ذاتها فلا بد أن يتغير الحكم أو على الأقل لابد من إعادة النظر والاجتهاد كي نعلم هل تغير الحكم أم لا.. فهنا حكم جديد لواقعة مختلفة .
- شكرت للمفتي – في نفسي – هذا البيان الرائع .. ثم وجدتني بعد وقت ليس طويلاً أتساءل – في نفسي أيضاً – هل نسي د. على جمعه ما قاله هكذا بسرعة!! .
- فلقد فوجئت – كما فوجئ كثيرون - بدار الإفتاء التى يترأسها المفتي تصدر حكماً بعدم مشروعية الحركات الإسلامية المنتشرة في طول عالمنا الإسلامي وعرضه بأنها على نهج الخوارج !! .
- والخوارج – لمن لا يعلم – فرقة مبتدعة استعلنت ببدعتها في عهد الخليفة الراشد الرابع علي بن أبي طالب رضي الله عنه . وهي فرقة تعتقد كفر عصاة المسلمين من أهل الكبائر وترى قتلهم وقتالهم وقد قال عنهم رسولنا صلى الله عليه وسلم ( يقاتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان ) .
- وقد أخطأت الدار – دار الإفتاء – عندما سحبت اسم الخوارج على الحركات الإسلامية المعاصرة فهذه الحركات – لمن لا يعلم – ليست على معتقد الخوارج بل هي تقول كما قال سلفنا الصالح : ( ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله .. ولا نقول لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله ) .
- فالمسلم العاصي وإن أصر على معصية ومات مصراً على ذنبه غير تائب منه ليس كافراً عند الغالبية العظمى من الحركات الإسلامية المعاصرة بل هو مسلم ناقص الإيمان . ولسنا نحن بردة مسلم إلا إذا صدر منه قول كفر صريح كأن يتلفظ بالتثليث أو سب الرسول – بأبي هو وأمي – أو إذا فعل فعلاً لا يأتيه إلا كافر ، كأن يلقي بمصحف في نجاسته مع علمه بأن هذا مصحف وهذه نجاسة !! قاصداً ذلك الفعل غير مخطئٍ عامداً غير مكرهٍ .
- فأين هذا المعتقد – يا دار الإفتاء – من معتقد الخوارج ؟؟!! ( فما لكم كيف تحكمون ) ؟!
- يهيأ لي أن الدار – دار الإفتاء – لا تقصد الخوارج كمعتقد بل كحركة سياسية عارضت الخليفة الرابع الراشد وخرجت عليه وقاتلته وقتلته . ومن يأتي بمثل هذه الأفعال فإنما يسمى ( باغيا ) . وإن كان بعض المصنفين من أتباع المذاهب الأربعة قد خلطوا بين المصطلحين ( البغاة – الخوارج ) كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله . فأطلقوا لفظ الخوارج وهم يريدون من خرج على الإمام الحق بغير حق .
- لكن وصف البغاة لا يصح إطلاقه هو الآخر على الحركات الإسلامية المعاصرة فما دام لا يوجد ( الإمام الحق ) أو الخليفة كما اصطلح على تسميته .. وهو غير موجود بإقرار دار الإفتاء ذاتها في فتواها سالفة الذكر وبإقرار الحكام المعاصرين أنفسهم الذين يرفضون بشدة وصف الخليفة أو وصف بلدانهم بأنها دولة الخلافة . أقول مادام لا يوجد الإمام الحق أو الخليفة – سمه ما شئت – فليس هناك بالتالي بغاة !!
- والمقصود هنا أن ما أسماه فقهاء سلفنا الصالح بغاة أو خوارج إنما هو توصيف محدد لواقع معين . وهذا الواقع ليس قائماً الآن بكل تأكيد .. فنحن أمام واقع جديد .. وقد علمنا المفتي – بما علمه الله – أن الواقع الجديد يستدعي إعادة النظر والاجتهاد ولا يصح أن نسحب عليه أحكام واقع قديم . فما دامت الواقعة غير الواقعة فلا يجوز أن نجعل لها ذات الحكم دون إعادة النظر والاجتهاد .
- الخطير في الأمر والذي لا أدري هل قصدته الدار – دار الإفتاء – أم لا هو أن إطلاق لفظ الخوارج أو البغاة على الحركات الإسلامية يستدعي أحكاماً معروفة في الفقه ، مذكورة في القرآن والسنة. فهل تريد الدار – دار الإفتاء – حقاً أن تعامل الأنظمة القائمة الحركات الإسلامية المعاصرة بما يعامل به البغاة والخوارج ؟؟؟!!! وهل نعد ذلك تحريضاً على الشباب الملتزم والمنضم لهذه الجماعات ؟؟!! .
- سؤال آخر يؤرقني بل يغيظني : إذا كانت هذه الحركات ولو لم تعتمد الخروج المسلح على أنظمة الحكم واكتفت بالمعارضة السلمية من البغاة والخوارج في عرف الدار ، فما هو رأي الدار – دار الإفتاء – في أحزاب المعارضة غير الإسلامية المنتشرة في عالمنا العربي والإسلامية شيوعية كانت أو ليبرالية وهل هؤلاء في عرف الدار – دار الإفتاء – بغاة وخوارج من باب أولى . أم أن هذه الأوصاف من نصيبنا نحن فقط ؟؟!!
- أرجو أن نسمع قريباً رأي الدار – دار الإفتاء – في هذه المسألة .
( أتواصوا به )
- عندما رجعت إلى الوراء كثيراً تذكرت أن نيابة أمن الدولة العليا قد ألصقت بنا هذه التهم وأطلقت علينا هذه الأوصاف من قبل وذلك في العام 1983 أثناء مرافعتها المطولة أمام محكمة أمن الدولة العليا طوارئ .
- كان هدف النيابة من محاولة إلصاق هذه التهم بنا تحريض القاضي على إعدام وسجن أكبر عدد منا وتسهيل هذا الأمر عليه بوصفنا بغاة وخوارج !! .. وقد تصدى وقتها فضيلة الشيخ د. عمر عبد الرحمن حفظه الله لهذه التهم مفنداً إياها وداحضاً لها .. وكان مما قال : ( إذا كنا نحن الخوارج فهل أنتم عليّ رضي الله عنه وأصحابه ) .. لست أريد هنا أن أذكر كل ما قاله فضيلة الشيخ في الرد على النيابة لأن رده كان قاسياً بما يتناسب مع قصد النيابة الخبيث .
- تصدى لهذه الدعوى أيضاً فضيلة الشيخ صلاح أبو إسماعيل – رحمه الله – الذى استدعته المحكمة للشهادة . خافت النيابة أن يقتنع القاضي بقول الشيخين الجيلين فاستكتبت بعض علماء الأزهر ليؤيدوا وجهة نظرها , وللأسف فعلوا .
- ولكن القاضي لم يقتنع بما قالته النيابة ولا بما قاله هؤلاء الأزهريون .. بل جاء في حيثيات حكمه بأنه قد استقر في يقين المحكمة أن الدولة لا تحكم بكثير من شرائع الدين!!
- إذن ليس هناك بغاة ولا خوارج !!
- هكذا أدرك القاضي ما لم تدركه الدار – دار الإفتاء –التي لازالت تكرر اتهامات نيابة أمن الدولة العليا لنا .. بل زادت الدار علي ذلك فحاولت تعميم هذه الاتهامات للحركات الإسلامية قاطبة !!
وللحديث بقية إن شاء الله
عودة الى الأحكام
|