|
التلقيح الصناعي للبويضة الصور والأحكام بقلم الشيخ محمد بكري
- تعد غريزة الأمومة لدى النساء أمراً فطرياً أودعه الله الكبير المتعال الذي أحسن كل شئ خلقه..فربنا سبحانه وتعالى يعلم أن نفس المرأة لا تطمئن ولا تسعد ولا يروي ظمأ أمومتها سوى أن ترى طفلها الرضيع بين يديها.. تضمه إلى صدرها.. تلقمه ثديها.. تسهر الليالي على راحته.. تستعذب لأجله وهن الحمل وآلام المخاض.
- تلك وربي حقيقة تعرفها النساء.. ولا تكفي كنوز الدنيا لتعوضها عن حرمانها من نعمة الولد.. فسبحان الذي أعطى كل شئ خلقه ثم هدى.
- ومن حادثات عصرنا تلك النازلة التي اصطلح على تسميتها بالتلقيح الصناعي أو أطفال الأنابيب.. ولقد كان من عظمة الشريعة الغراء هو ذلك الاستيعاب لمثل هذه النوازل.. فالبحث في مثل هذه المسائل هو الترجمة العملية الواقعية للفقه الإسلامي الذي يظهر إيجابية واضحة في معالجة ما يستجد من أمور الحياة.
- وسنحاول بعون الله وتوفيقه تناول قضية "التلقيح الصناعي" .. أو ما يعرف بأطفال الأنابيب التي كانت ولا تزال تشغل عقول الباحثين سواء من الناحية الطبية أو من الناحية الفقهية.
- وفي البداية نقول:-
- سنة الله الخالق البارئ المصور في خلقه جرت على أن تبدأ عملية الإنجاب من التقاء الحيوان بالبويضة ثم يتم التخصيب بإذن الله.. ويقر المخلوق الجديد في قرار مكين.. ويمضي وفق السنة الربانية نطفة ثم علقة ثم مضغة.. ثم يكون نفح الروح حتى تنتهي عملية الحمل بالولادة.
- ولكن الله الحكيم العليم الذي يهب لمن يشاء إناثاً.. ويهب لمن يشاء الذكور.. أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً ويجعل من يشاء عقيماً.. قد يبتلي من يشاء من عباده لحكمته البالغة.. وهو سبحانه الرءوف الرحيم ..فيحال بين الرجل والمرأة وبين الإنجاب لسبب أو لآخر.. وكانت الوسيلة الجديدة التي نحن بصدد تناولها اليوم.. وسنتعرض لهذه المسألة من شقين.
- الأول:- ما هي الصور التي تتخذها عملية التلقيح الصناعي؟!.
- الثاني:- الحكم الشرعي لكل صورة على حدة مع إيضاح علة الحكم.
- فأما الصور التي تتخذها عملية التلقيح الصناعي:-
1- إما أن يتم التلقيح داخل رحم المرأة وهو ما يعرف "بالتلقيح الداخلي"
2- وإما أن يتم جمع الحيوان المنوي مع البويضة في أنبوب في ظل ظروف معينة حتى يتم التخصيب ومن ثم تنقل البويضة الملقحة إلى الرحم لتواصل مراحل نموها وهذا النوع يسمى "بالتلقيح الخارجي".
- وإليك أيها القارئ الكريم جميع الاحتمالات التي يمكن أن يتم بها التلقيح سواء كان داخلياً أم خارجياً.. كما تعرضت لها مجامع الفقه الإسلامي وصفاً حكما :
- الاحتمال الأول:-
- أن تؤخذ النطفة الذكرية من رجل متزوج وتحقن في الموقع المناسب داخل مهبل زوجته أو رحمها حتى تلتقي النطفة التقاء طبيعياً بالبويضة التي يفرزها مبيض زوجته ويقع التلقيح بينهما ..ثم العلوق في جدار الرحم بإذن الله.
- هذا الاحتمال أو الأسلوب يتم اللجوء إليه عند وجود قصور عند الرجل مثل العَّنة أو عدم الانتصاب الذي يلزم لدفق المني داخل الرحم ..أو قطع عضو الرجل .. كما يحدث أحياناً في بعض الحوادث مع سلامة جهازه التناسلي.. أو أي سبب من شأن عدم وصول ماء الرجل إلى موضعه المناسب.. وطبعاً هذا الأسلوب يدخل تحت قسم التلقيح الداخلي حيث الإخصاب للبويضة داخل الرحم.
- الاحتمال الثاني:-
- أن تؤخذ النطفة من الرجل وتحقن في الموقع المناسب من زوجة رجل آخر حتى يقع التلقيح في الداخل ثم العلوق في الرحم.. ويلجأ إلى هذا الأسلوب عند إصابة الرجل بالعقم.. فيؤتى لامرأته بمني رجل آخر.. وتأمل هنا أن المني من الرجل ليست في رحم امرأته وقارنها بالحالة الرابعة لاحقاً.
- الاحتمال الثالث:-
- أن تؤخذ نطفة من الزوج والبويضة من مبيض زوجته.. ثم يوضعاً في أنبوب اختبار طبي في ظل شروط فيزيائية معينة حتى تلقح نطفة الزوج بويضة زوجته في وعاء الاختبار.. ثم بعد أن تأخذ اللقيحة بالانقسام والتكاثر تنقل في الوقت المناسب من أنبوب الاختبار إلى رحم الزوجة نفسها صاحبة البويضة لتعلق في جداره وتنمو وتتخلق ككل جنين.. ثم في نهاية الحمل تتم الولادة.
- هذا الأسلوب طبعاً يصنف تحت عنوان التلقيح الخارجي.. وغالباً يلجأ إليه عند عقم الزوجة بسبب انسداد القناة التي تصل بين المبيض والرحم وتسمى قناة فالوب.. فالمشكلة ليست في رحم المرأة وإنماً في وصول البويضة من المبيض إلى الرحم.
- الاحتمال الرابع:-
- أن يتم التلقيح في أنبوبة الاختبار بين نطفة رجل مع بويضة مأخوذة من مبيض امرأة ليست زوجته.. ثم بعد التلقيح تزرع في رحم زوجة الرجل صاحب النطفة الذكرية.
- وهذا طبعا تلقيح خارجي.. ويلجأ إلى هذا الأسلوب عندما يكون مبيض الزوجة مستأصلا أو معطلا.. لكن الرحم لا علة تمنعه من علوق اللقيحة واستمرار نموها حتى الولادة.. وتأمل جيدا في أن البويضة ليست من الزوجة.. وإن كان الحمل في رحم امرأته ..وقارن بينها وبين الحالة الثانية
- الاحتمال الخامس :-
- هو نفس الاحتمال الرابع.. نطفة رجل مع بويضة من امرأة ليست زوجته ..ولكنها تزرع في رحم امرأة أخرى ليست هي زوجة الرجل صاحب النطفة.
- وهو تلقيح خارجي.. ويلجأ إليه عند عدم صلاحية رحم زوجة الرجل صاحب البويضة للحمل.. أو ربما يصلح الرحم ويعطل المبيض ولا رغبة لزوجة الرجل صاحب النطفة للحمل.
- الاحتمال السادس:-
- نطفة رجل مع بويضة زوجته في تلقيح خارجي يتم مع الإخصاب.. لكن امرأة أخرى غير الزوجة هي التي تتطوع بالحمل.. ربما لأن الزوجة على سبيل الترف والحفاظ على رشاقة جسمها لا ترغب في الحمل
- الأسلوب السابع:-
- تلقيح خارجي بين بويضة امرأة ونطفة رجل وهو الزوج لكن الحمل لزوجة ثانية لهذا الزوج هي التي تتطوع به.. إذ كان الرجل له أكثر من زوجة.. فالمني لرجل واحد والتلقيح لبويضة الأولى والحمل في الثانية ..تلك هي الصور التي يمكن أن يتم بها التلقيح الصناعي.
- فما هو الحكم الشرعي لكل حالة على حدة؟
- وننسبه هنا إلى أن من الخطأ تعميم الحكم.. لذلك كان لكل حالة بناء على التوصيف السابق حكما شرعيا كما نرى في هذا التفصيل
- حكم الحالة الأولى:-
- لا مانع من هذا الأسلوب شرعا وفق شروط شرعية عامة إذا تأكد لدينا أنه لا سبيل لوصول مني الزوج إلى الموضع المناسب في زوجته إلا بهذا الأسلوب.. وبالطبع رغبة الزوجة في الحمل.
- ونعني هنا بالشروط الشرعية سواء في هذه الحالة أو في غيرها من عدم الخلوة المحرمة بين المرأة والمعالج.. فلا يتم ذلك إلا بحضور زوجها.. وإذا أمكن العلاج عند طبيبه لم يحل العلاج لدى طبيب رجل عند بعض الفقهاء ..فالأصل للمرأة الطبيبة المسلمة ثم الكافرة ثم الطبيب المسلم ثم الكافر متى تعذر ما سبق
- حكم الحالة الثالثة:-
- نطفة الرجل وبويضة زوجته يتم التلقيح خارجيا.. ثم تعود اللقيحة لرحم نفس المرأة وهو أسلوب مقبول شرعا.. لكن لا شك أن ألا يلجأ إليه إلا في حالات الضرورة القصوى.. لأن ورود الخطأ في العينات أمر وارد مما يجعل من اتخاذ الاحتياطات أمرا لازما ..وكل ضرورة تقدر بقدرها
- حكم الحالات الثانية.. والرابعة.. والخامسة.. والسادسة:-
- تحرم جميع الحالات وفق الوصف السابق لها آنفا.. لأن البذرتين النطفة الذكرية والبويضة ليست من الزوجين كما في الحالة الرابعة والخامسة.
- أو أن البويضة كذلك ليست لامرأة الرجل أيضا كما في الحالة الثانية والحقن يكون داخليا.
- وفي الحالة السادسة وإن كانت البذرتين من الزوجين.. لكن المتطوعة بالحمل امرأة أجنبية عن الزوجين مصدر البذرتين.
- حكم الحالة السابعة:-
- نطفة الرجل وبويضة زوجته ثم بعد التلقيح الخارجي في وعاء الاختبار.. ويتم زرع اللقيحة في رحم الزوجة الثانية لنفس الرجل إذا كان له أكثر من زوجة
- نقول في قرار المجلس لمجمع الفقه الإسلامي في الدورة السابعة سنة 1404ه أجاز المجمع هذه الحالة.. ثم عاد المجلس في الدورة الثامنة في اجتماع المجلس بمقر الرابطة بمكة المكرمة في عام 1405ه يناير 1985م فقام بإعادة بحث هذه الحالة.. وجاء في القرار الثاني ما يلي:
- إن الزوجة الأخرى التي زرعت فيها لقيحة بويضة الزوجة الأولى قد تحمل ثانية قبل انسداد رحمها على حمل اللقيحة من معاشرة الزوج لها في فترة متقاربة مع زرع اللقيحة.. ثم تلد توأمين ولا يعلم ولد اللقيحة من ولد معاشرة الزوج"
- وعرض المجلس سببا آخر وهو"كما قد تموت علقة أو مضغة أحد الحملين.. ولا تسقط إلا مع ولادة الحمل الآخر الذي لا يعلم أهو ولد اللقيحة أم حمل معاشرة ولد الزوج ؟
- ويوجب ذلك من اختلاط الأنساب لجهة الأم الحقيقية لكل من الحملين ..والتباس ما يترتب على ذلك من أحكام.. وإن ذلك كله يوجب توقف المجمع عن الحكم في الحالة المذكورة
- وبعد المناقشات واستعراض الآراء قرر المجلس سحب حكم الجواز عن حالة زرع لقيحة الزوجة وزوجته في رحم زوجته الثانية وتم صياغة القرار.. وحذفت منه هذه الحالة بوصفها من الحالات الجائزة مع إلحاقها بما هو غير جائز
- التفصيل السابق لصور التلقيح الصناعي.. وحكم كل صورة ينبغي التنبيه على ما يلي:-
1- لم يحل من الصور السابقة سوى حالتين:-
أ- أن يتم حقن مني الرجل داخليا فى رحم امرأته لوجود مانع يمنع الرجل من إيصال مائه إلى امرأته
ب- أن التلقيح خارجياُ بين نطفة الرجل وبويضة زوجته ثم زرعها فى رحم امرأته.. وكل ذلك خاضع لأحكام الضرورة الشرعية واللجوء إليه بضوابطه
2- جميع الحالات جاء فيها القول بالتحريم عدا حالة التلقيح الخارجي بين نطفة الرجل وبويضة امرأته ثم زرع اللقيحة فى رحم امرأته الأخرى.. حيث جاء القول بالجواز لهذه الحالة أولاُ فى الدورة السابعة 1404ه ..ثم سحب القول بالجواز لتلحق هذه الحالة بالحالات التي جاء فيها القول بالتحريم.
3- قرر مجلس المجمع الفقهي أن نسب المولود يثبت من الزوجين مصدر البذرتين ويتبع الميراث والحقوق الأخرى ثبوت النسب.. لذا لزم تحري ثبوت النسب بكل دقة لخطورة ما يترتب عليه من أحكام.
4- هذا الموقف المشرف لمجلس مجمع الفقه الإسلامي في عدم التردد في إعادة دراسة في الحالة السابعة حيث يتم وضع اللقيحة في رحم الزوجة الثانية للرجل صاحب النطفة.. مما يؤكد الثقة في المجالس الفقهية والعلمية التي لا تتردد في إعادة النظر في قراراتها.
- بل إن الموضوع بحث في أعوام 1402هـ ثم 1405هـ حيث كانت دراسة مجمع رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة.. ثم بدأ مجمع منظمة المؤتمر الإسلامي بحث الموضوع في عام 1405هـ في عام 1407هـ ثم سنة 1410هـ ..ولقد قدمت خلال هذه الدورات الأبحاث والدراسات .
- وينبغي أن تتعلم الحركات الإسلامية من هذا السلوك العلمي القائم على عدم التسرع في إصدار الحكم إلا بعد استيفاء الدراسة بكافة جوانبها ..ومن ثم يتقرر الحكم
- ثم ثانياً:- عدم التردد في تغيير الرأي والقرار متى بدا أن الحق في غيره.. ولا يمنعنه هيبة الناس أو الخوف على مكانته ومنزلته أن تذهب بين الناس.. فتلك ورب السماء والأرض فتنه ما بعدها فتنة..وخير للمرء أن يعود عن الخطأ بدل أن يعبد الناس ربهم على كلام هو الباطل بعينه.
- فاللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه.. وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه.
- وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
عودة الى الأحكام
|