|
كيف يصوم المسلمون في البلاد التي يزيد فيها النهار عن 18 ساعة بقلم د/ عبد الآخر حماد
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد...
فقد أعلنت أمانة الفتوى بدار الإفتاء المصرية.. أن البلاد التي يزيد عدد ساعات النهار بها عن ثماني عشرة ساعة يجوز للمسلمين المقيمين بها الصيام منذ الفجر بمقدار ما يصومه أهل مكة.. دون التزام بالعلامات الشرعية التي جعلها الله سبباً للأحكام الشرعية في الصلاة والصيام.
هذا نص خبر منشور بجريدة الجمهورية القاهرية في عددها الصادر في يوم الأربعاء الخامس عشر من رمضان 1431هـ الموافق للخامس والعشرين من أغسطس 2010م.
وقد استندت أمانة الفتوى بحسب ما نشرته الجريدة المذكورة إلى قياس تلك الحالة علي حديث الدجال الذي أمر فيه النبي صلي الله عليه وسلم بالتقدير في الأيام التي يطول نهارها وليلها.. فيصير اليوم كالأسبوع والشهر والسنة.
وقد أحببت أن أعلق تعليقاً يسيراً على تلك الفتوى.. لكونها فيما أرى لا تقوم على دليل شرعي مقنع.. خاصة وأنها تخص ملايين المسلمين المقيمين في بلاد الشمال الأوربي التي يطول النهار فيها في بعض أشهر الصيف.. حتى يصل إلى تسع عشرة ساعة أو يزيد.
فأقول وبالله التوفيق:
لقد أمرنا الله تعالى أن نصوم في رمضان من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.. حيث قال تعالى:
(وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ).[البقرة:187].
وفي الحديث الصحيح:
"أن بلالاً كان يؤذن بليل.. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم.. فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر". [أخرجه البخاري (1918 ) من حديث عائشة ]
وفيه أيضاً:
"إذا أقبل الليل من ههنا.. وأدبر النهار من ههنا.. وغربت الشمس فقد أفطر الصائم".[ أخرجه البخاري (1945) ومسلم ( 1100) من حديث عمر بن الخطاب].
ففي هذه النصوص دليل قاطع على وجوب إمساك الصائم عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.. سواء طال النهار.. أم قصر.. ما دام لا يزيد مجموع الليل والنهار عن أربع وعشرين ساعة.
ثم إني أسأل أصحاب تلك الفتوى:
من أين جاؤوا بتحديد الساعات التي يجوز بعدها عدم اعتبار العلامات الشرعية بأنها ثماني عشرة ساعة؟
لِم لا تكون تسع عشرة ساعة مثلاً.. ولِم لا تكون سبع عشرة ساعة؟
فإنْ قالوا إننا نرى أن الإنسان لا يستطيع أن يصوم أكثر من ثماني عشرة ساعة.. قلنا هذا ليس بصحيح.
فإنَّ كثيراً من الناس يمكنهم الصيام أكثر من ذلك.. وقد كان بعض الصحابة يواصلون الصيام لأيام.. وثبت نهيه صلى الله عليه وسلم لهم عن الوصال.. لكنه رخص لهم أن يواصلوا صيامهم إلى وقت السحور.
ففي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
"لا تواصلوا.. فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر.. قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله.. قال: لست كهيئتكم.. إني أبيت لي مطعم يطعمني وساق يسقين".[ أخرجه البخاري (1967)]
ومعنى ذلك أنه أجاز لهم الصيام من السحر إلى السحر.. أي لمدة أربع وعشرين ساعة تقريباً.. وأن ذلك في مقدور الإنسان.
وأما حديث الدجال الذي استندت إليه الفتوى المذكورة.. فإنه وارد في حالة أخرى غير هذه الحالة.. وهي أن يطول اليوم حتى يكون كسنة أو كشهر أو كجمعة.
ومعنى ذلك أن مقدار ما بين الفجر والفجر الذي يليه يزيد عن اليوم المعتاد وهو أربع وعشرون ساعة.
فهنا نقدر له قدره كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم حين قالوا له:
"يا رسول الله اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟.
قال: لا.. اقدروا له قدره".[ أخرجه مسلم 2937].
فالبلاد التي يكون فيها الليل ستة أشهر مثلاً.. والنهار مثل ذلك.. هي التي يقدر فيها للنهار عدد من الساعات ولليل عدد من الساعات.
وأعدل الأقوال في ذلك أن يقدر الليل والنهار في تلك البلدان بحسب مدتهما في أقرب بلد يكون فيه ليل ونهار يتعاقبان في أربع وعشرين ساعة.
أما البلاد التي يتعاقب فيها ليل ونهار في خلال أربع وعشرين ساعة.. فإنها باقية على الأصل في وجوب الصيام من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.. لا يجوز فيها تقدير وقت للنهار ووقت لليل.
لكن إن كان الصيام يشق على الإنسان في تلك البلدان مشقة غير محتملة ويخشى منها الضرر أو حدوث مرض.. فإنه يجوز له الفطر.. على أن يقضي في أيام يستطيع فيها الصيام.
ومع ذلك ينبغي التنبيه على أنه يجب أن تبقى هذه رخصة فردية يقدرها كل أحد لنفسه أو باستشارة طبيب حاذق مؤتمن.
وذلك لما أسلفناه من ترخيص النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة في أن يواصلوا الصيام إلى وقت السحر.
وقد قابلت في ألمانيا بعض الإخوة المغاربة ممن شهدوا شهر رمضان في تلك الأيام الطويلة.. فأخبرني بعضهم أنهم كانوا يصومون رمضان إذا وافق شهر يونيو.. وكان النهار يصل إلى حوالي تسع عشرة ساعة مع كونهم عمالاً يشتغلون في أعمال شاقة.
فدل ذلك على أن هناك من يستطيع الصيام رغم طول النهار ووجود تلك المشقة.. فلذا نقول إنها تبقى رخصة فردية.. لا يجوز أن نعممها لكل المسلمين المقيمين في تلك البلاد.
هذا وقد صدر عن مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي قرار بهذا الخصوص جاء فيه:
"أن على المكلفين أن يمسكوا كل يوم منه عن الطعام والشراب.. وسائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس في بلادهم.. ما دام النهار يتمايز في بلادهم عن الليل.. وكان مجموع زمانهما أربعاً وعشرين ساعة.. ويحل لهم الطعام والشراب والجماع، ونحوها في ليلهم فقط.. وإن كان قصيراً.. فإن شريعة الإسلام عامة للناس في جميع البلاد".
وقد قال الله تعالى:
(وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ) [البقرة:187].
ومن عجز عن إتمام صوم يوم لطوله أو علم بالأمارات.. أو التجربة.. أو إخبار طبيب أمين أن الصوم يفضي إلى إهلاكه، أو إحداث مرض به، أو زيادة أو بطء برئه.. فله أن يفطر، ويقضي الأيام التي أفطرها في أي شهر تمكن فيه من القضاء.
قال تعالى:
(فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) [البقرة:185].
وقال الله تعالى:
(لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا) [البقرة:286]
هذا والله تعالى أعلى وأعلم
الأربعاء الموافق
22-9-1431هـ
1-9-2010م
عودة الى الأحكام
|