|
من الهروب إلي الخروج من مصر.. الجزء الرابع والأخير من مذكرات حسن العشماوى بقلم أ. عصمت الصاوي
- وبعد أن تصاعدت الأحداث في الحلقات السابقة وتفاقمت الأوضاع إلي الحد الذي لا رجعه فيه.. جلس حسن العشماوي متخفياً في منزل أحد أصدقائه انتظاراً للقاء يوسف طلعت وإعلان المقاومة العامة.
- وفي هذه الأيام اعتقلت الحكومة والده وزير المعارف السابق وصاحب المعالي ,علي الرغم من تجاوزه الستين عاماً كوسيلة لإرغامه علي تسليم نفسه , ولكن حسن العشماوي لم يعلم بهذا الاعتقال نظراً لأن أصدقائه اخفوا عنه ذلك.
- وفي يوم الخميس 4 نوفمبر خرج العشماوي ليلتقي بيوسف طلعت رئيس التنظيم السري في احدي المنازل المتفق عليها من قبل, وهناك قيد القدر بواب العمارة ليهمس في أذن العشماوي دون سابق معرفة (إذا كنت طالع شقة الإخوان في الدور الرابع فارجع أحسن لك.. مسكوها العصر والبوليس مختبئ فيها......!!).
- فعاد العشماوي مسرعاً وركب التاكسي وتوجه إلي سينما الكرنك ,لعله يجد هناك حلا لما يعانيه خلال ساعتين من الهدوء والتفكير، فوجد علي الكرسي المجاور له حسن التهامي ضابط المخابرات الحربية الذي يعرفه جيداً ويقول العشماوي عن تلك اللحظات (ولكني في الواقع لم أفزع ولم أضطرب لا عن شجاعة أدعيها لنفسي ولكن لأنه صاحبني شعور بأن الكيل قد فاض وأن الفزع لم يعد له محل واستقر في ذهني وقلبي معني قول الله (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا)).
- وبقي في مكانه هادئاً يرسم لنفسه طريقاً يسلكه، فقرر أنه ليس ملزماً بأن يجاري أحداً في تسليم نفسه, وأن عليه أن يحارب وحده في سبيل حريته الفردية، وألا يعتمد في هروبه علي تنظيمات الأخوان بل علي أصدقائه القدامى من غير الأخوان المسلمين, ثم يكمل خطته ويقول (ولكن حريتي ومساهمتي في معركة الحرية لا يمكن استكمالها علي صورة مطمئنة ومثمرة إلا خارج حدود مصر).
- ولما كان الخروج من مصر في هذا التوقيت شبه مستحيلاً قرر العشماوي أن يختبئ حتى تواتيه فرصة الخروج من مصر.
- وهكذا أستقر حسن العشماوي علي أسلوب عمله في الفترة المقبلة فخرج من السينما وعاد إلي منزل صديقه ثانية, وهناك التقي ببدر وعطية أصدقائه القدامى وتم الاتفاق علي أسلوب انتقاله من القاهرة وعلي نظام الاتصال بينهم وعلي البحث عن أي فرصة ليغادر من خلالها القطر بكاملة.
- وعن طريق أصحابه أستطاع العشماوي أن يغادر قلب القاهرة مساء السبت 6 نوفمبر 1954 إلي مكان مجهول لا يدري طريقه فيه.
- وفي أثناء رحلته أدخل بعض التعديلات علي شكله ومظهره لأن الجرائد في هذا التوقيت كانت قد نشرت صورته مع أمراً بالقبض عليه وطلباً ممن يراه بسرعة الإبلاغ عنه.
- وما أن وصلوا إلي البلدة التي قصدوها حتى وجدوا أنيس وثابت في انتظارهم , فاصطحبوه إلي بيت ثابت الذي أرسل أهله إلي القاهرة ليخلي المنزل لإقامة حسن العشماوي وجدير بالذكر أن نسجل هنا ما كتبه العشماوي عن ثابت إذ يقول:
- (أنا أعرف ثابت منذ زمن طويل وأقدره ولكن ما تصورت أن أجد منه كل هذه التضحيات التي قام بها من أجلي، لقد كان كريماً معي شهماً في كل تصرفاته، جريئا في كل خطوه خطاها، ذكى القلب حاضر البديهة في كل مأزق لقد ظل ثابت علي اتصال دائم بي طوال إقامتي في مصر وزارني في كل مكان عشت فيه تقريباً وكان هو الصلة بيني وبين بدر وأصحابه حيثما ذهبت.
- وفي هذه الأثناء كانت حملات التفتيش علي البيوت تتصاعد بشكل كبير, حتى ألقوا القبض على أخي العشماوي الأكبر وأغلقوا مكتب المحاماة الذي كانوا يعملون فيه سوياً، بل وزينوا لزوجته أن تبلغ عن مكانه من أجل مصلحته وسلامته ,فأجابت رسول الدولة بأنها لا تعرف مكانه ولو كانت تعرف لنصحته أن لا يسلم نفسه أبداً ,فهددوها بالاعتقال ولكنها أجابت في هدوء بأن يجهز في السجن مكاناً لأطفالها الأربع كذلك، واستطاعت زوجة العشماوي بعد هذه المقابلة الهرب مع طفلها الأصغر فترة ليست بالقليلة وهكذا تشتت الأسرة بالكامل).
- ومما أعان العشماوي في رحلة هروبه إيمانه العميق بحق غيره في الاختلاف، هذا الإيمان الذي حدا به أن يتخذ أصدقاء من كل اتجاه سياسي وفكري وديني مخالف لاتجاهه هو, ويعبر عن ذلك بقوله أنه كان يؤمن بحقهم في حرية الاعتقاد المخالف ويدافع عن حقهم هذا بمثل الحماس الذي يدافع به عن حقه هو، ويقول العشماوي عن هذه الثقافة الهامة (كان بدر وحده هو الذي يتفق معي في بعض رأيي وبتحفظات أما عطية وأصحابه وأنيس ومختار وثابت وغيرهم ممن تعاونوا معي لتيسير نجاتي فقد كان لكل منهم اتجاه أخر ورأي أخر كنا نختلف في كل شئ إذا تناقشنا لأن خلافنا يصل إلي أعماق ما نعتقده من أراء ولكن قسطا معينا كان يربطنا بأوثق رباط هو إيماننا جميعا بحقنا في أن تختلف في الرأي، متفقين في حقنا علي أن نعيش أحرارا ,كنا نحب كرامة الإنسان ونكره سلطان الظلام).
- ومرت الأيام بطيئة علي حسن العشماوي وأصحابه يبحثون له في كل فج عن مكان يختفي فيه، حتى زاره مختار يوماً فسأله العشماوي:
- (هل تعلم أين يختبئ المجرمون العاديين؟
- قال: نعم
- قال: اعتبرني إذا مجرماً عادياً وابحث لي عن مخبأ علي هذا الأساس وإلا فلن تجد لموقفي مخرجاً، قال.. هذا ما فعلناه ولكننا نجد حرجاً في مفاتحتك!!)
- وبين مختار للعشماوي أنهم دبروا فعلاً مكاناً عند شخصاً طالما عرف بإيوائه لعتاة المجرمي.
- وفي الفصل التالي الذي سماه العشماوي (اتبع جرة الذئب) يحكي فيه أنه وأثناء سفره إلي الشخص الذي سيؤويه سمع في المذياع تسجيلاً لمحاكمة طلعت يوسف رئيس الجهاز السري, الذي قبض عليه هو وأعوانه دونما أي مقاومة تذكر ويقرر أن هذه التسجيلات أدخل عليها المونتاج لتظهر شخصيات المتهمين ضعيفة ومهزوزة ومتخاذلة, وأن التسجيلات التي أذيعت علي أنها محاكمات إنما تمت في السجن الحربي تحت عذاب السياط والكي بالنار ونهش الكلاب، ولكنه يقرر كذلك أن يوسف طلعت وإبراهيم الطيب وعبد القادر عوده وغيرهم ظلوا شجعاناً وأقوياء حتى حين خطوا علي سلم المشنقة!!
- ويضيف الأستاذ العشماوي جزئية هامة ورائعة في أسلوب نظرته للآخرين، حيث يقرر أنه آل علي نفسه ألا يتهم واحداً ممن بدا عليه الضعف أمام المحاكم، بالتخاذل والضعف والتهاون لأنه لا يدري الظروف التي كان فيها ولا حقيقة ما قاله ولا حقيقة ما حدث له.
- وفي الطريق اتفقوا علي تبديل أسم حسن العشماوي ليصبح أسمه الجديد (ناجي) واستبدل ملابسه بجلباب وعمه علي رأسه لتنطلي علي مضيفيه القصة التي قرروا أن يقصوها علي من سيؤويه.. ووصل الجميع إلي بيت الشيخ أحمد الذي طالماً أوي عتاة المجرمين.. وكان الليل قد أسدل ستائره فساروا في طريق موحل حتى وصلوا إلي عش صغير من البوص وبعد حديث قصير أوضح الشيخ أحمد ما تلقاه من تعليمات في المركز عن ضرورة الإبلاغ عن أي غريب يقدم إلي القرية، ثم دعاهم إلي النوم، وعند الفجر قص محمود الذي يصحب حسن العشماوي القصة المخترعة علي الشيخ أحمد فذكر له أن هذا الرجل حدث خلاف بين عائلته وعائلة أخري وقتل علي إثرها رجل واتهم ناجي بقتله وعليه أن يخفيه حتى ينتهي التحقيق.
- ومر اليوم بلا مشكلات وفي المساء صعد الشيخ أحمد إلي غرفة العشماوي وردد علي مسامع الجميع أنه يقبل إيواء القاتل والسارق وقاطع الطريق وتاجر المخدرات ولكنه لا يقبل بحال إيواء واحد من الأخوان الذين هم أعداء عبد الناصر الرجل القوي الحاكم والذي يعتبره الشيخ وأهله وبلدتهم أنفسهم من أتباعه المخلصين.
- وصرف الشيخ أحمد من في الغرفة، وفاجأ العشماوي بقوله أنت يا بني لست من سكان الريف ولم تتهم بقتل وأغلب الظن أنك واحد من الأخوان؟؟
- فإن كنت كذلك فأبلغني من أول الأمر ولا تحرجني أكثر من ذلك فالدولة أقوي من أن نقف في طريقها؟؟
- فقال العشماوي: (يا عم أحمد أسمعت عن حسن العشماوي، قال: نعم.. ده مجرم خطير ذكروه لنا بالاسم في اجتماع المركز أمس).
- قال: (أنا حسن العشماوي ومطلوب القبض علي وإعدامي, وهذه هي الحقيقة فإذا قبلت إيوائي فأجرك علي الله ولن أستطيع لجميلك وفاء وإن رددتني فأنت مشكور ويكفي أنك لم تسلمني للحكومة!!).
- وخرج الشيخ أحمد دون أن يتكلم ثم عاد بعد عشرة دقائق مرت علي العشماوي وكأنها الدهر كله وعاد بعدها وهو يقول أنت ضيفنا ونزيلنا ما شئت من وقت وأقسم بالله أن لن أسلمك حتى أموت أنا وأولادي الثلاثة دونك... ويقول العشماوي عن شعوره وقتذاك (لن أستطيع أن أصور شعوري عندئذ، لم يزد لساني عن أن قال: الحمد لله ,أما عيناي فقد حجبتهما بشال عمامتي لأخفي ما أنساب منهما من دموع، أهي دموع فرح أم دموع شكر أم دموع أعجاب أم دموع فرج بعد ضيق؟؟ لا أدري، واحترم الشيخ دمعي الصامت فشاركني بدمعه واحده ندت برغمه من جفنيه الجامدين فأزالهم بظهر كفه في صمت).
- وعلم العشماوي أن الشيخ أحمد خرج ليشير زوجته وأولاده وأخبرهم بأن الرجل الذي يطلب الإيواء نار تحرق, فهل أنتم علي استعداد أن تمسكوه حتى ولو أحرقكم؟؟، وبين لهم أنه عن نفسه سيمسك الرجل وسيؤويه حتى ولو كان وحده بعيداً عنهم, فوافق الأبناء الثلاثة وقالت الزوجة كلاماً رائعاً إذ نظرت إلي زوجها وقالت (لقد جربنا الضيق وخبرناه والله ما جاء بمثل هذا الرجل إلي مثلنا إلا الضيق الشديد فلا تسد بابك في وجهه فما كان لك أن تترك رجلاً قصدك في ضيق أبداً لقد جربنا اللص والقاتل فلنجرب مره أن نأوي رجلاً شريفاً يصلي).
- وقرر الشيخ أحمد أن يرسل العشماوي إلي الصحراء حيث سيقيم هناك وفي صبيحة يوم 30 نوفمبر عام 1954 كان العشماوي في كهفه الذي سيقيم فيه مرحلته المقبلة!!
- وفي الفصل التالي (سلوك المجرمين وفلسفة الذئاب) أستوعب العشماوي السطور في ذكر سياسة المجرمين وسلوكهم وطرق عملهم وما بينهم من اتفاقات وعهود ومواثيق لا يتخطوها ولا يتجاوزوها، وكذلك فلسفة الذئاب التي تعامل بها الشيخ أحمد مع حسن العشماوي ومنطق الذئب الذي كان يفرضه عليه في كل موقف وفي كل تصرف.
- ويحكي العشماوي عن أحد المواقف التي كان فيها منطق الذئب هو السائد ويقول (كنت أبيت ليلة بمنزل الشيخ فمرضت مرضاً شديداً حتى رأيت الموت يكاد أن يختطفني من بين القوم ونقل النبأ إلي الشيخ فقال ببساطة أعطوه قطعة أفيون مذابة في قليل من الشاي وقيل لي ما أمر به الشيخ فرفضت وجاءني الشيخ بنفسه ليقول لي: أسمع يا بني إذا كنت فيما مضي تتردد علي الطبيب حين تشكو ألما فإنك اليوم لن تري الطبيب أبداً فقد قلت لك مراراً ولا أدري متى تفهم ,أنك كالذئب إذا مرض لا يذهب إلي الطبيب أنه يبرأ من مرضه بما يأكل أو يموت بعلته).
- وتطورت العلاقة بين الشيخ أحمد وحسن العشماوي إلي الحد الذي أحب فيه كل منهما الأخر حتى أنه ما أن صدرت أحكام الإعدام بالجملة علي الأخوان المسلمين وتوالت الأنباء عمن قتلوا أثناء القبض عليهم أو بالتعذيب داخل السجن، لم يخف الشيخ أحمد علي العشماوي شيئاً من ذلك بل حفزته هذه الأحداث علي التفكير الجدي في إخراج نزيلة من مصر فذهب به إلي صديق قديم له يعمل في تهريب الناس إلي السودان وعرض عليه الأمر, فقال الرجل.. إنه يهرب الشخص العادي بعشرة جنيهات وإذا كان من الأخوان فبمائة جنية أما إذا كان الشخص المراد تهريبه هو حسن العشماوي أو عبد المنعم عبد الرؤف, فسعر الواحد فيهم ألف جنية، و قال للشيخ أحمد أنه لا يعرف كلا الشخصين ولكنه واثق أن الشيخ لن يخدعه.
- ولكن الأموال التي كانت معهم لم تف بالغرض وتلاشت الفكرة، وفكر الشيخ أحمد في كل شئ حتى قرر أن يهيم هو والعشماوى في البلاد يمثلوا دور الدرويش والتابع حتى يأذن الله بفرج جديد ولكن الموت كان أقرب إلي الشيخ أحمد فمات وهو يجهز راحلتين له وللعشماوي لتنفيذ ما قرره هو!!
- وأرسلت زوجة الشيخ أحمد إلي العشماوي وطلبت منه البقاء في جوارهم لأن ذلك هو وصية الشيخ قبل موته وظل العشماوي في الصحراء عاماً أخر يأتيه الطعام والشراب كل 15 يوم.
- وفي عام 1956 مرض عليان ابن الشيخ أحمد مرضاً شديداً أضطر معه العشماوي أن ينزل به إلي المدينة ليعرضه علي الطبيب وهناك علم أن الشاب مريض بالسل. ولابد أن يبقي شهراً كاملاً تحت المراقبة والعلاج وبانتهاء الشهر تعافي عليان وعاد إلي بلدته وظل العشماوي في المدينة بعدما تعرف علي صاحب مقهى واتفقوا أن يتشاركوا في إدارة هذا المقهى, واشتغل العشماوي قهوجي في هذا المكان كتدريب له علي العمل الجديد وكنوع من تجربة كل منهما للأخر قبل المشاركة الفعلية, وظل العشماوي في هذا العمل إلي أن دخل ضابط المباحث إلي المقهى وكلاهما يعرف الأخر من أيام عمل العشماوي في النيابة ,فظل بعد هذا اليوم يترقب كل خطوه ويشك في كل همسه ويحذر من كل غريب، فقرر أن يعود إلي الريف وله عذر مقبول والاستفتاء علي الدستور واختيار رئيس الجمهورية بعد أيام ولابد أن يشارك فيه، ويقول العشماوي عن هذا الضابط..يوصل أن شاء الله لقد عرفني كما عرفته ما في ذلك شك وحال وفاؤه دون الإفشاء بسري ورفض أن يبيعني بمكافأة أو ترقية مساهما بذلك في معركة الحرية في صفوف المؤمنين بها، فبقي كما كان دائما وإن اضطرته ظروف عمله أن يخدم دولة تحارب الأحرار, كان وفيا للفكرة لا لشخصي ولا لسابق معرفته بي ومرد هذا الوفاء منه إلي ثقتي في الشعب وقضيته فواصلت سفري إلي الريف عازماً أن أرجع إلي المدينة بعد أيام وأن أواصل حياتي بها حتى أمهد السبيل لنفسي كي أترك مصر وأنضم إلي ركب الدعاة لحرية ذلك الشعب.
- وفي يونيه 1956 جري الاستفتاء علي رئاسة الجمهورية وعلي الدستور الجديد، وكان نتيجة الاستفتاء أكثر من تسعة وتسعين في المائة وسارت هذه النتيجة مسار سخرية الناس حتى قالوا فيما بينهم (أن الله لو كان محل استفتاء بدلاً من عبد الناصر ما فاز بذلك الإجماع الغريب المريب).
- وكان الشيخ ناجي في هذا التوقيت قد أصبح محل ثقة البلدة كلها حتى أن هيئة التحرير طالبته بأن يعمل سكرتيراً لها فوعدهم بالاستجابة حين يستقر في البلد وينهي أعماله في المدينة.
- وسافر إلي المدينة وركز كل جهده في المشاركة في المقهى حتى يصبح صاحب عمل فيؤهله ذلك للقيد في السجل التجاري ومن ثم استخراج جواز سفر ويسافر.
- وكان المعلم غبريال صاحب المقهى هو شريكة المنتظر ولكن وجيه افتدى الأخ الأكبر لغبريال شك في شخصية ناجي وقرر أن يتبين حقيقته من جلسة يتعاطون فيها المخدرات فيفصح ناجي عن حقيقته، ولكن وصايا الشيخ أحمد أنقذت ناجي فغاب وجيه أفندي عن الوعي وظل ناجى صامداً وعرف من وجيه أفندي أنه يشك فيه ويعتقد أنه ضابط جيش أو شرطه أرسله عبد الناصر للتجسس علي النصارى.
- ومن هنا قرر العشماوي الاعتذار لغبريال عن مشاركته ووجد مسكنا في المدينة وأستأجر كشكاً صغيراً وأصبح ناجي البقال وكان ذلك في 25 أغسطس عام 1956 وظل العشماوي يعمل في مهنة ألبقاله فترة من الزمن إلي أن تعرف عليه أحد أصدقائه القدامى وزارة في بيته وسهل له الكثير من أمور الحياة.
- وفي هذه الأثناء أستخرج ناجي البقال شهادة ساقط قيد وحصل علي تراخيص للعمل وختمت أوراقة كلها بخاتم الدولة.
- وفي الفصل الأخير الذي أسماه العشماوي نهاية الطريق... يقول في بدايته لم يكن عزيز في يوم من الأيام الخالية لي صديقاً ولا زميلاً فما جمعت بيننا دراسة ولا جمعت بيننا في الحياة عمل وإن كان كلا َمنا ذا نزعة سياسية فقد كان من شأنها في الماضي أن تفرق بيننا ولكننا أمام الخطر الداهم علي الحرية ذاتها وهو ما يستهدفه كل منا أساساً, اجتمعنا مذهباً وغاية وأسلوباً.
- وفي أحد السهرات التي قضاها العشماوي مع عزيز وضع له خطه للهرب وقام هو بكل ما فيها من أعمال وسار العشماوي علي الخطة المرسومة غير مطالب بأكثر من أن يحفظ أعصابه ويدعوا الله بالنجاة.
- وإلي هنا أدع العشماوي يختم مذكراته بنفسه ويقول:
- (وزارني بدر ومختار وثابت ورأيت عبد الله وأنيس وحدد موعد السفر وعشت بعد ذلك شهرين كاملين حياتي العادية لا يعلم أحد ممن حولي غير هؤلاء الذين ذكرت أخيراً شيئاً عن سفري وكتبت تنازلاً عما أملك لأولاد الشيخ أحمد رحمه الله، وكانت عهود ومواثيق وفي صباح يوم من الأيام الأولي من أغسطس سنه 1957 م بعد ثلاثة أعوام كاملة قضيتها بمصر كنت علي الحدود أودع الوطن وظهر فجأة أحد ضباط الجيش وكان يعرفني من قبل جاء ومعه ثلة من جنود يتأكدون من شخصية عابري الحدود من مصر إلي خارجها، ونظر إلي الرجل فعرفني فما ذاد عن أن نظر إلي وابتسم ثم أذن لنا بالمسير وظل يلوح لنا حتى غبنا عن ناظره، ولم يفهم أصحابي ولا جنوده لم حرص الضابط علي التلويح لذلك الراكب وفاتهم أنه يثبت بذلك سخط الجميع علي كل طغيان في الحكم ومحاربة لحرية الناس... وبعد.. لحديثي إيضاح وبقيه يا أحمد واعذرني فأنت لا تعلم ماذا أنوي فإن عدت أتممت لك الحديث وأوضحته فقد كان أخر ما نطق به لساني وأنا أغادر الوطن أن أحاول إنقاذ بدر وكل بدر في مصر.. فكل من في مصر من عشاق الحرية عندي بدر).
وإلي اللقاء
- الجزء الأول من مذكرات حسن العشماوي.
- الجزء الثاني من مذكرات حسن العشماوي.
- الجزء الثالث من مذكرات حسن العشماوي.
| الإسم | د.انسى على |
| عنوان التعليق | ابن ناس فعلا |
| من ارق واجمل ما قرات من السير الذاتية هذا الرجل تشعر انه اديب وشاعر وسياسى من طراز رفيع رحمة الله عليه .. لقد بحثت عن مذكراته فى المكتبات ولم اجدها واخيرا عثرت عليها فى اعداد روز اليوسف نهاية السبعينات منشورة على انها القنبلة وبعنوان الاخوان والثورة شكرا لكم على عرضكم الشيق لها واتمنى عرض السلسلة الاخرى التى اشرتم اليها وكل عام وانتم بخير |
عودة الى كتب ودراسات
|