|
فقه النهوض, لعنتان أصابتا مصر وضربتا سيناء, نهر النيل..تاريخ وحضارة إعداد/ بدر الدماطى
نبدأ جولة اليوم الداخلية بمقال(فقه النهوض)للدكتور/محمد هشام راغب0حيث يقول (يراود حلم النهضة الإسلامية عقول وقلوب المسلمين على امتداد القرنين الأخيرين. ولا يقتصر هذا على العلماء والدعاة والمصلحين، وإنما هو حلم عامة المسلمين حتى إنهم ليتعلقون بأي حدث له رائحة النهضة ولو كان عبارة عن إسلام لاعب كرة قدم أو تصريح مجامل لمسئول غربي يشهد بعظمة الإسلام أو إحصاء يسجل ميل الناس لتسمية مواليدهم بأسماء الصحابة والتابعين. إن التعلق بهذه الإشارات يعكس قوة التعلق بحلم النهضة الإسلامية، ويعكس في الوقت نفسه حالة الإحباط التي تضخم مثل هذه الإشارات وتنفخ فيها من روح الأمل)000أما المقال الثانى فهو للأستاذ/ فهمى هويدى عن(لعنتان أصابتا مصر وضربتا سيناء)000ونختم جولتنا بمقال عن(نهرالنيل00تاريخ وحضارة)للكاتب/محمد قنديل000والى التفاصيل:-
فقه النهوض (1)
د. محمد هشام راغب
يراود حلم النهضة الإسلامية عقول وقلوب المسلمين على امتداد القرنين الأخيرين. ولا يقتصر هذا على العلماء والدعاة والمصلحين، وإنما هو حلم عامة المسلمين حتى إنهم ليتعلقون بأي حدث له رائحة النهضة ولو كان عبارة عن إسلام لاعب كرة قدم أو تصريح مجامل لمسئول غربي يشهد بعظمة الإسلام أو إحصاء يسجل ميل الناس لتسمية مواليدهم بأسماء الصحابة والتابعين. إن التعلق بهذه الإشارات يعكس قوة التعلق بحلم النهضة الإسلامية، ويعكس في الوقت نفسه حالة الإحباط التي تضخم مثل هذه الإشارات وتنفخ فيها من روح الأمل.
لقد حفلت الفترة الممتدة من أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين برؤى عظيمة لمشروع النهضة الإسلامية. وظهر رواد لهذه النهضة المأمولة في الهند وإيران والشام وتركيا والجزيرة العربية ومصر والجزائر والمغرب. ولقد حاول هؤلاء الرواد الأكابر أن يقدموا مشروعا متكاملا لنهوض الأمة وحاولوا قراءة الواقع الذي يعيشونه وكان المأمول – ولا يزال – تقديم مشروع واضح للنهضة تصب فيه الجهود المختلفة وتتكامل وتتكاتف نحو هدف واحد.
لقد كان المأمول – ولا يزال – أن يوفر مشروع النهضة مظلة لكل مسلم يريد أن يساهم ولو بساعة من عمره أو بشيء يسير من ماله فيجد لمساهمته وعاء محددا وواضحا. وأن تكون المظلة أيضا لكل عالم أو داع إلى الله فلا يكون كلامه عشوائيا، أو دعوته مجرد خواطر شخصية، وإنما جزء من مشروع محدد الملامح. مشروع يتسع للحركات الإسلامية المختلفة لتتعاون من خلاله. إن احتياج الأمة لمشروع النهضة يُضرب له مثل جميل، بقرية أصابها القحط والجدب فجاءها خبير فاهم ونصحهم بأن يحفروا بئرا عمقها عشرون مترا فينبع الماء، فهب أهل القرية لنجدتها وأخذ كل منهم يحفر بئرا، فحفروا مائة بئر عمق كل منها متر واحد، فلم يحصلوا على نقطة ماء.
تصور معي خطيب جمعة يجتمع أمامه مئات من المصلين وعنده العلم وفنون الدعوة ولكنه كل أسبوع يختار موضوعا بحسب مزاجه الشخصي (وخذ مثالا على ذلك أهم مساجد المسلمين الحرمين الشريفين، هل ترى في الدعوة فيها خطة محكمة؟ أو مشروعا محددا ؟). وتصور معي داعيا متخصصا في التاريخ الإسلامي، يقص على الناس سيرة الأولين لا ليخدم بها مشروعا محددا، ولكن فقط للتغني بأمجاد السلف ودغدغة مشاعر المسلمين، وربما يكون بعض ما يختاره لهم سببا في إحباطهم ويأسهم. ثم تصور معي فقيها يجتهد في وضع القواعد الفقهية لحركة إسلامية منطلقا في ذلك من فقه التمكين دون النظر لفقه الواقع، بل ربما يكون مغيبا عن الواقع بالكلية فيخاطب الناس بالعزائم ويشدد عليهم في الرخص ويسرب إليهم شعور الارتياب تجاه أسباب المدنية والقوة. ثم تصور معي أخيرا رجلا أو جماعة تفرغت لمقاومة الهيمنة الغربية السياسية وأخذت تلاحق أشكال الاستعمار الثقافي والاقتصادي، دون أن تنتبه لإزالة قابلية الأمة الآن لهذا الاستعمار وإقبالها عليه. إن مشروعا للنهضة واضح الملامح سيجمع هذا الشتات ويوظف هذه الطاقات ويدفعها باتجاه واحد.
إن الحركات الإصلاحية المختلفة التي بدأت منذ أكثر من قرن تكاد تشترك كلها في أربعة ملامح أساسية:
1. لاعتماد على سند شرعي محكم النصوص
2. قه الواقع
3. لإصغاء إلى التاريخ لاستنباط سنن الله تبارك وتعالى من خلاله
4. ماعية الحركة
إن أي مشروع للنهضة يحتاج أن تتوازن فيه هذه الملامح، دون أن يطغي بعضها على بعض أو يعطل بعضها بعضا. ومن التجارب المفيدة في هذا الشأن ما وقع للإصلاحي الكبير الشيخ محمد رشيد رضا –رحمه الله- الذي كرس زهرة حياته العلمية والحركية لمشروع واعد للنهضة ينشغل بقضية الإصلاح والتربية والتعليم والتقدم المادي والتمدن والشأن العام للأمة الإسلامية، ولكنه تحت وطأة الواقع ومرارته والأحداث العاصفة التي أدت إلى انهيار الخلافة وإلغائها واندلاع الحرب العالمية الأولى, وسلسلة المعاهدات السرية بين الدول الكبرى من سايكس ـ بيكو إلى وعد بلفور ثم مؤتمر لوزان وانقضاض القوميين الأتراك على الإصلاحيين العرب وقيام الحركة الكمالية في تركيا, التي عطلت معاهدة سيفر, وتزامن هذا مع قمع وفشل الثورات الأهلية في مصر وليبيا والمغرب وسوريا, وإحكام أوروبا سيطرتها الاستعمارية على هذه الأقطار وغيرها من الأقطار العربية والإسلامية ثم بروز المشروع السعودي الثاني بقيادة الملك عبد العزيز. كل هذا التغير الحاد الذي عصف بالواقع الذي تعامل معه طويلا الشيخ محمد رشيد رضا وأحسن قراءته، أدى به الشعور المحبط إلى الانكماش والتراجع وإلى شبه التخلي عن مشروعه الإصلاحي الكبير وانحاز بعد ذلك للمدرسة السلفية العلمية حيث انصرفت عنايته بالكلية لدراسة السنة والنهل منها لاجتهاداته الفقهية.
إننا - في لحظتنا الراهنة - أمة قد أصابها ضعف شديد ولكنها لم تمت، والأهم من ذلك أنها أمة تريد أن تنهض من جديد ورغبتها في النهضة رغبة أكيدة ومتأصلة. إننا أشبه برجل طال به القعود ويريد أن ينهض، وجسمه ومفاصله وعضلاته لا تطاوعه بسهولة، فنهوضه يتطلب رفقا بهذه الأعضاء ومعرفة بالأسلوب الأمثل لطريقة نهوضه، وإلا ترنح وفقد توازنه وسقط وتمنى أن لو ظل قاعدا كما كان. نهوضنا يحتاج لفقه النهوض يستنبط من ينابيع شرعنا خطى الهداية، ويقرأ الواقع قراءة واعية، قراءة من يريد التعامل معه. هذا الفقه المنشود يرسم للأفراد والجماعات أولوياتها حتى لا يدب الخلاف في كل حين داخل المؤسسة الإسلامية نفسها على مفهوم واحد يجرهم إلى مشاكل معقدة، وهي مشاكل غالبا ما يكون سببها فهم الواقع وفهم ملامح النهوض وأسباب السقوط وعدم الإصغاء إلى التاريخ.
لعنتان أصابتا مصر وضربتا سيناء
بقلم: فهمي هويدي
أما آن لنا أن نعترف بأن مشكلة سيناء هى مشكلة مصر مصغرة ومكثفة، وأنه لا سبيل أمامنا إلى حل الأولى، إلا إذا وجدنا حلًا ناجعًا للثانية؟
(1) بين أيدينا لقطة طازجة تقرب الصورة إلى الأذهان، قبل أن ندخل فى صلب الموضوع، يوم السبت الماضى 24/7 نشرت صحيفة «الشروق» حوارا مع محافظ سيناء ومدير المخابرات الحربية الأسبق اللواء مراد موافى، شن فيه هجوما قاسيا على الناشطين من أبناء سيناء، إذ وصفهم بأنهم بلطجية وخارجون على القانون تحركهم قوى خارجية، وأن الإجرام متأصل فى بعضهم. كما دافع عن الاعتقالات التى أجرتها وزارة الداخلية لأعداد منهم. أضاف المحافظ قائلا: إن الإعلام هو الذى أثار الضجة حول ما يحدث فى سيناء، حين صور الذين يحركون الأحداث هناك باعتبارهم أبطالا.
ومن جانبه واعتبر أن المعالجات الصحفية، التى تحدثت عن مشاكل البدو مع الشرطة بمثابة فرقعات إعلامية، لم تعتن بمصلحة مصر أو كرامتها أو أمنها.
فى اليوم التالى مباشرة (السبت 25/7) كان العنوان الرئيسى لصفحة الأهرام الأولى كالتالى: فتحى سرور: المعارضة والحركات الاحتجاجية تعمل للهدم لا البناء.
وتحت العنوان ذكرت الصحيفة أن رئيس مجلس الشعب: أكد أن فى مصر حزبا يعمل وحركات احتجاجية ومعارضين يسعون للهدم لا البناء. وليس لدى هؤلاء أى رؤية للإصلاح، فهذه المجموعات تحمل الفئوس لهدم كل شىء. فهمنا من الكلام المنشور ان فريقا من محررى الأهرام يتقدمهم رئيس التحرير أجروا حوارا مطولا مع رئيس مجلس الشعب، الدكتور فتحى سرور، تناول أمورا عدة، لم يجد الأهرام ما يستحق الإبراز منه إلا العنوان الذى سبق ذكره على الصفحة الأولى. وعلى الصفحة الداخلية تكرر الموقف ذاته فى عنوان آخر كان كالتالى: بعض المعارضين والحركات (الجماهيرية) تعمل لصالح المجهول.
هى لغة واحدة عبر عنها محافظ شمال سيناء ورئيس مجلس الشعب، الأول وصف الناشطين فى سيناء بأنهم «بلطجية» تحركهم قوى خارجية، والثانى وصف المعارضين بأنهم هدامون وبعضهم يعمل لصالح المجهول. وهو اتفاق يثير الانتباه بالنظر إلى موقع كل من الرجلين.
فمحافظ سيناء رجل عسكرى مخضرم يمثل السلطة التنفيذية، أما الدكتور سرور فهو رجل قانون بالأساس، ويفترض أنه يمثل الشعب. ورغم المسافة الشاسعة بين موقعى الرجلين إلا أن منطقهما كان واحدا. إذ لم يترددا فى شيطنة الآخر واتهامه، ولم ير أى منهما أن الحراك الحاصل يمكن أن يحمل فى طياته شيئا يتصل بالصالح العام. الأمر الذى يعنى أن العقل الذى يدير سيناء، لم يختلف فى شىء عن العقل المهيمن فى القاهرة، حتى لدى من نصبوا أنفسهم ممثلين عن الشعب.
(2)إذا ركزنا النظر على المشهد فى سيناء، فسنلاحظ أن جريدة «الشروق» نشرت على صدر صفحتها الأولى لعدد الجمعة الماضية (23/7) عنوانا تحدث عن تصاعد المواجهات بين الداخلية (الشرطة) وبين قبائل بدوية فى جبل عتاقة بسيناء. لم يكن الخبر مفاجئا أو مثيرا. وصياغة العنوان دلت على ذلك. إذ افترضت أن ثمة مواجهة مستمرة بين الطرفين، تهدأ حينا ثم لا تلبث أن تتجدد بعد ذلك. والصياغة دقيقة فى هذه الزاوية، لأننا اعتدنا طوال السنوات الأخيرة على وقوع مثل هذه الاشتباكات، التى كادت تقنعنا بأن سيناء تحولت إلى ساحة حرب بين الأجهزة الأمنية والشرطة من ناحية، وبين القبائل من ناحية ثانية.
لقد تفاءلنا أو أريد لنا أن نتفاءل باجتماع وزير الداخلية فى 29 يونيو الماضى مع شيوخ القبائل الذين تم استقدامهم من سيناء، بعدما تصاعدت موجة الاشتباكات بين الشرطة والقبائل، حتى تحدثت الأنباء عن محاولة لتفجير خط أنابيب الغاز إلى إسرائيل، وعن إغلاق معبر العوجة البرى. وعزز ذلك التفاؤل ان قرارات صدرت بإطلاق سراح دفعات من المعتقلين (نحو 140 شخصا من بين عدد يتراوح بين 600 وألف من البدو). لكن تبين أن التفاؤل كان تعبيرا عن الإفراط فى حسن الظن، ليس فقط لأن كلام محافظ سيناء الذى سبقت الإشارة إليه سحب الكثير من رصيد التفاؤل إن لم يكن قد بدده تماما، ولكن أيضا لأنه تم اكتشاف محاولة لتسميم ثلاثة من قيادات بدو وسط سيناء على يد عميل جنده جهاز أمن الدولة. وقد تم ضبط الشخص الذى لا يزال محتجزا وسجلت اعترافاته كاملة، وأرسلت نسخ منها إلى الجهات السيادية المختصة. على الأقل فهذا ما تقوله مصادر البدو، التى لم يصدر تكذيب لمعلوماتها.
جدد ذلك الحادث هواجس الشك فى موقف الأجهزة الأمنية، بحيث ساد الاقتناع بأن شيئا لم يتغير فى سياستها، التى تعتمد على القمع واختراق صفوف الناشطين عن طريق غواية بعض العناصر وتجنيدها، ومن ثم استخدامها سواء فى عزل الناشطين أو تصفيتهم.
نكأ الحادث جراحا قديمة، وأعاد إلى الأذهان وقائع كثيرة كامنة فى الذاكرة، منذ ظهرت عناصر أمن الدولة فى سيناء بصورة لفتت الأنظار بعد انسحاب الإسرائيليين فى عام 1982، وحين حدث الزلزال الأمنى الكبير هناك عقب تفجيرات طابا فى عام 2004، ثم تفجيرات شرم الشيخ عام 2005، وما حدث فى «دهب» عام 2006. وهى التطورات التى دفعت الشرطة إلى القيام بحملة تمشيط واسعة النطاق لسيناء، أسفرت عن اعتقال وتعذيب آلاف من البشر على نحو استخدمت فيه الأساليب التى نعرفها، والتى دعت كثيرين إلى الاحتجاج بأن الإسرائيليين لم يفعلوا بهم ما فعلته أجهزة الأمن المصرية.
استعاد اهل سيناء ايضا ذكريات ما جرى عام 2007، الذى يعد نقطة تحول فى المواجهة بين الشرطة والقبائل. اذ تعددت حوادث القتل بين الاهالى التى اتهمت فيها الشرطة مما فجر مشاعر الغضب فى ارجاء سيناء، خصوصا حين قتل الصبى محمد عرفات (17 سنة) فى ميدان «ماسورة» قرب رفح. وثارت ثورة القبائل حتى هوجمت مقار الحزب الوطنى ومزقت صور كبار المسئولين، وشيعه الناس فى اكبر جنازة عرفتها سيناء خرجت من «الشيخ زويد».
فى عامى 2008 و2009 كان قد وقع العدوان على غزة، ثم حدث اشتباك بين الشرطة والاهالى بسبب ازالة المساكن فى رفح لإقامة السور الفولاذى، الذى يحكم حصار غزة.
وحين بدا أن الأمور تزداد تفاقما عاما بعد عام، وأن الأساليب البوليسية وسعت من دائرة السخط والتمرد. بل ودفعت الناشطين من أبناء سيناء إلى التلويح بتهديدات أقلقت السلطة، من قطع خط أنابيب الغاز المرسل إلى إسرائىل وإغلاق معبر العوجة، وتهديد مصنع الأسمنت المقام وسط سيناء. ذلك إضافة إلى أن قضيتهم وصلت إلى المحافل الدولية، وأصبحت معاناة الناشطين فى سيناء وما يتعرضون له من قمع وتعذيب مدرجة ضمن تقارير المنظمات الحقوقية فى الغرب. حينذاك تم ترتيب اجتماع شيوخ القبائل مع وزير الداخلية، واتخذت إجراءات تخفيف الضغوط وإطلاق سراح المعتقلين، على النحو الذى سبقت الإشارة إليه.
(3)لا مجال للدفاع عن جرائم ارتكبت على أيدى نفر البدو إذا ثبتت وقائعها أو عن محاولات التهريب التى تورط فيها البعض. لكننى أزعم ان التعميم فى ذلك يعد خطأ جسيما.
كما ازعم أن الأجهزة الأمنية إذا ما عاملت أبناء سيناء بنفس الأسلوب الذى تتعامل به مع بقية أبناء الشعب المصرى فى تجاهل لجغرافية المنطقة أو خصوصية الوضع الاجتماعى والقبلى، فإنها بذلك تفجر أوضاعا لا قبل لها بها. وإذا جاز لنا أن نتصارح أكثر، فلا مفر من الاعتراف بأن الشرطة فشلت فى السيطرة على الموقف فى سيناء أو التفاهم مع قبائلها. وفضلت استخدام بعض العناصر الموالية التى تم اغراؤها. لا مفر من الإقرار أيضا بأن اعتبار سيناء حالة أمنية، كان ولا يزال المدخل الغلط الذى أوصل الأمور إلى ما وصلت إليه.
أدرى أن ثمة أطماعا فى سيناء، وهناك من يطرح لها سيناريوهات جهنمية تستهدف استقرار مصر وأمنها، وهى خلفية يفترض أن تكون حافزا على اتباع سياسة أكثر حكمة وحنكة للتفاعل مع سيناء، وليس التخاصم أو التنابذ مع قبائلها.
(4)فى كتاب «شخصية مصر»، ذكر الدكتور جمال حمدان استاذ الجغرافيا السياسية الراحل، أن سيناء تختزل مصر من الناحية الجغرافية. حتى اعتبرها «ملخصها الجغرافى». ويبدو أن هذا الاختزال حاصل على الصعيد السياسى أيضا، على الأقل من زاويتين أساسيتين هما:
أولا: كما أن مصر قبل كامب ديفيد غير مصر بعدها، كذلك سيناء.
مصر بعد كامب ديفيد انكفأت على ذاتها، وخرجت من محيطها العربى، وصارت حليفا استراتيجيا لأعدائها الاستراتيجيين. أما سيناء فقد أصبحت مرتهنة للإسرائيليين، وبسبب جوارها الجغرافى فإن اتفاقية كامب ديفيد أرادت لها أن تكون إحدى ضمانات الدفاع عن أمنها. على مستويين. فمن ناحية اعتبر الشريط الحدودى الممتد من البحر المتوسط وحتى جنوب سيناء، (بطول 250 كيلومترا وعرض 40 مترا وقد وصف بأنها المنطقة جـ)، أقرب إلى المنطقة العازلة منزوعة السلاح، اقتصر الوجود الأمنى فيها على الشرطة فحسب، بإعداد مقررة، وبتسليح محدود وعدد متفق عليه من سيارات الجيب، إلى غير ذلك من الاشتراطات التى تتولى قوات حفظ السلام مراقبتها وتحديد مدى الالتزام بها.
وفى غيبة القوات المسلحة انتشرت قوات الأمن المركزى وعناصر مباحث أمن الدولة، التى أصبحت تتولى إضافة إلى تنفيذ ما تم الاتفاق عليه، مراقبة أى عبور أو عون يقدم للفلسطينيين من جانب إخوانهم فى سيناء.
على صعيد آخر، وطالما نظرت إسرائيل إلى سيناء باعتبارها إحدى جبهات الدفاع عن أمنها، فإن عينها ظلت مفتوحة على ما يجرى فيها، بحيث أصبحت شديدة الحساسية إزاء أى جهد حقيقى للتنمية على ارضها.
وغدا ترحيبها منصبا على المشروعات التى يمكن أن تستفيد منها، كما حدث مع مصنع الأسمنت الذى كان بعض إنتاجه يذهب لصالح مشروع الجدار العازل الذى تبنيه فى الأرض المحتلة. وقد سمعت من بعض المهتمين بشأن سيناء تساؤلا عن سبب عدم وصول مياه ترعة السلام إلى سيناء، وما إذا كان للتحفظ الإسرائيلى عليها صلة بذلك.
ثانيا: حين اعتبرت سيناء حالة أمنية، أطلقت فيها يد الشرطة ومباحث أمن الدولة فإن ذلك يعد صورة طبق الأصل لما يحدث فى مصر، التى أصبحت مصائر الحياة السياسية والاجتماعية، مرتبطة كلها بالقرار الأمنى.
من رضى عنه الأمن صعد وانفتحت له الأبواب، ومن رفع عنه الرضى خسفت به الأرض وأغلقت فى وجهه الأبواب، أما تمشيط سيناء واعتقال أعداد غفيرة من أبنائها. والتنكيل بأكبر عدد من البدو عقب التفجيرات التى وقعت فى طابا وشرم الشيخ ودهب، فذلك كله لم يختلف فى شىء مما يحدث فى بر مصر.
إن شئت فقل إن مصر أصابتها لعنتان أثرتا على نموها ودورها ومكانتها، هما اتفاقية كامب ديفيد والهيمنة الأمنية على مقدراتها. ولا غرابة فى أن تعانى سيناء منهما معا، لأن الذى أصاب الأصل لا يستغرب منه أن يمد أثره إلى الفرع. من ثم فلا أمل فى أن تبرأ سيناء مما حل بها طالما أن معاناة مصر من اللعنتين مستمر. وهو ما يدعونا إلى قراءة المشهد على نحو مختلف، والتفكير فى مهماته بصورة أكثر جذرية.
نهر النيل..تاريخ وحضارة
بقلم: محمد مختار قنديل
مهندس استشاري عضو اتحاد الكتاب
مصر هبة النيل .. مقولة تاريخية كثيراً ما نرددها.. ولكن الامر يحتاج لمزيد من التأمل والمعرفة لنهرنا العظيم.. سر الحياة.. وشريان الوجود لمصر والمصريين.
ولنبدأ من الخصائص الجغرافية لنهر النيل. ونشأته وبدايته. وصولا إلي الواقع المعاصر والتحديات الطبيعية والبشرية التي تواجهه. لعل أن يكون في هذا دافع لنا جميعا حكومة وشعبا لأن نقدر هذا النهر العظيم ونعطيه حقه. حتي يظل كريماً معطاء معنا إلي أن يرث الله الأرض ومن عليها.
أولاً: الخصائص الجغرافية لنهر النيل:
"1" تتفق معظم آراء الجيولوجيين علي أنه منذ عشرات الآلوف من السنين حدثت اضطرابات أرضية اقليمية عنيفة شطرت الكتلة الجيولوجية العربية الصلبة "مصر والسعودية" ونتج عنها اخدود البحر الأحمر وأثناء أو في أعقاب هذه الاضطرابات جاءت الاختلاجة الأولي التي مهدت لمجري ووادي النيل وجوداً وموقعا واتجاهاً.
"2" النيل الأول أو النيل البدائي:
كان النيل المصري في طفولته نهراً محلياً مستقلاً قائماً بذاته مثل باقي أجزاء النيل الحالي والتي لم يكن له بها حينئذ أي إتصال.. كان أقصي امتداده ينبع من الجنوب إلي جوار سبلوقة "شمال الخرطوم" ويصب إلي جوار القاهرة التي كانت تقع علي ساحل البحر الأبيض "خط القاهرة سيوة" تغذيه روافد تصل إليه من سلسلة جبال البحر الأحمر.
"3" النيل الأعظم:
لم ينشأ هذا النهر العظيم دفعة واحدة كنظام نهري واحد وإنما تكون أصلاً من مجموعة من النظم النهرية الاقليمية. بدأ كل منها منفصلاً عن الآخر ثم اتصلت في الشكل الحالي علي الأرجح منذ 21 ألف سنة فقط.
أ كانت "بحيرة السد" القديمة تحتل منخفض بحر الغزال في جنوب السودان حيث يصب فيها بحر الجبل والسوباط والنيل الأزرق.. بحيرة طولها حوالي 1000كم عرضها حوالي 50كم ومع ترسب الطمي بها ومع تحول مياه بحيرة فيكتوريا وهضبة البحيرات لها بعد أن كانت تصب إلي الجنوب الشرقي في المحيط الهندي منذ نحو 20 25ألف سنة.. تمكنت المياه من الفيضان فوق خانق سبلوقة ووجدت طريقها بعد ذلك لمصر عبر نهر ضيق عرضه حوالي 200متر.
ب اضافة لذلك كان العطبرة هو الرافد الوحيد الذي يصل لمصر ولا يصب في تلك البحيرة القديمة.
ج لذلك هذا نهر النيل نهر فريد لا مثيل له جيولوجيا أو تاريخيا.. نهر بصورته الراهنة شديد الحداثة جيولوجيا بقدر ما هو مفرط القدم تاريخا وحضارة. إنه أحدث أنهار القارة القديمة افريقيا.. بينما هو اقدم أنهار الدنيا كلها تاريخا وحضارة. نهر له الشكل المميز الشجري أو العنقودي أو الحويصلي أو ذلك الشكل الذي يشبه القصبة الهوائية بشعبها الرئوية الممتدة.
"4" وادي النيل:
لم يولد هاذ الوادي كاملا مرة واحدة وإلي الأبد وإنما كان ينمو مع الوقت طولاً وعرضا وارتفاعا مهما كان ذلك بالغ البطء والضآلة.
إن اتساع مساحة الوادي اليوم تمثل الحد الأقصي التاريخي لها ويقدر أن السهل الفيضي من وادي النيل بالصعيد كان يتسع نحو الغرب بمعدل 20سم/السنة أي 1م/كل 5سنة وهذا يعني أن النهر قد أضاف إلي عرض واديه بالصعيد 1كم خلال 5000 سنة.
"5" التآكل والاطماء
أثرت هاتان الظاهرتان في تشكيل مجري النهر منذ القدم حتي الآن والتآكل ببساطة يتم في الضفة الخارجية للمنحني النهري والاطماء يتم في الضفة الداخلية للمنحني ويمكن أن نري هاتين الظاهرتين في مدينة القاهرة كالآتي :
أ في بداية الفتح العربي لمصر كان شاطيء النيل يمتد من حصن بابليون في الجنوب حتي ميدان رمسيس ثم غمرة شمالاً ومنذ ذلك الحين علي مدي 1400 عام أضاف الإطماء حوالي 1كم للضفة الشرقية للنهر.
ب ويؤدي الاطماء أيضا الي تكون الجزر ثم التصاقها بالضفة مثل جزيرة بولاق التي ظهرت في القرن 11م وجزيرة الفيل "شبرا" التي ظهرت بعد بولاق بعدة قرون وفي القرن 14 ظهرت جزيرة صليحة "الزمالك" ثم أروي "الدقي" التي التحمت بالضفة الغربية للنهر.
ج أما التآكل الذي يحدث حاليا في شواطيء مصر من العريش حتي رشيد ليس سببه توقف ترسب طمي النيل هناك بعد السد العالي. وإنما سببه الأساسي هو التيارات البحرية وضعف تربة الشاطيء المكونة من الرمال أساسا.
* * *
"6" الإيراد
أ يقدر متوسط الإيراد السنوي للنهر بحوالي 84 مليار م3 إلا أن هذا الإيراد يتفاوت تفاوتا كبيراً من عام إلي عام ويتراوح الإيراد من التسجيلات الموجودة بين دورة ارتفاع وانخفاض كل 7 9 سنوات.
ب ففي عام 1879 سجل الإيراد السنوي 151 مليار م.3
ج وفي عام 1914 سجل الإيراد السنوي 42 مليار م.3
د هذا العام وصل الإيراد العام أكثر من "100مليار" وصل منها مصر 87 مليارا.
"ه" يبلغ التصرف اليومي الأقصي إبان ذروة الفيضان أكثر من 2.1 مليار م3/اليوم ووصل الإيراد يوم 15/9/1988 300.1 مليار م3 هذا الإيراد يعادل إيراد نهر الأردن في عام كامل ولو وصلت هذه الكمية قبل السد العالي لاغرقت بعض مناطق الدلتا ولفتحت لها الكثير من الحياض السابقة بالصعيد.
و إن نصيب الفيضان من هذا المتوسط 68 مليار م3 أي 82% والباقي 16 مليار م3 18% تأتي خلال موسم التحاريق من أول فبراير حتي آخر يوليه ويكاد الفيضان أن يتركز في اغسطس /سبتمبر/ أكتوبر.
ز يعني هذا أنه إن تكن مصر عمليا هي النيل فإن النيل بدوره ليس إلا الفيضان وإذا كانت مصر هبة النيل فيمكن أن نضيف أن مصر هبة الفيضان وإذا صح أنه لولا النيل لكانت مصر صحراء جرداء إلا من بعض الواحات وربما القري الساحلية مثل ليبيا فإنه من الصحيح أيضا أنه لولا الفيضان لكان نهر النيل مجرد نهر فصلي هزيل يولد ويموت كل سنة مثل نهر القاش بمنطقة كسلا دون أن يضمن الوصول أبدا للبحر إلي حد يعني أن النيل هو أيضا هبة الفيضان.
ح أما كيف تقاس كميات المياه المنصرفة من الخزانات والسدود وبالتالي إيراد النهرتتم هذه العملية من المنبع إلي المصب عبر الفتحات والبوابات المقامة بالأعمال الصناعية علي النهر وهي عند كل عمل صناعي تساوي مساحة الفتحات * السرعة المتوسطة للمياه.
* * *
"7" الفاقد من مياه النيل في مصر لأسباب طبيعية "البخر والتسرب"
أ يصل هذا الفاقد إلي حوالي 50.15% في التحاريق بين أسوان والقاهرة ونحو 50.26% أثناء الفيضان.
ب البخر السطحي يعادل في المتوسط 2 5.2مم/اليوم علي بحيرة ناصر ولو حسبنا البخر علي البحيرة فقط لكان 002.0م * 5000كم2½ 10 ملايين م3/اليوم في الصيف أي أكثر مما تستهلكه القاهرة الكبري في يومين وقد حاولت وزارة الاشغال تقليل البخر بوسائل أهمها نشر طبقة زيتية علي سطح مياه البحيرة لتقليل هذا البحر.
ج أما التسرب الي باطن التربة فهو مسئول عن اختفاء حوالي 5مليارات م3 فيما بين أسوان وأسيوط فقط وأكثر من هذه الكمية في الدلتا ويصل اجمالي التسرب إلي حوالي 12 مليار م3 سنوياً.
د وبالطبع تزيد نسبة الفاقد إلي الإيراد في سنوات الجفاف عنها في سنوات الايراد العالي وفي العام الحالي سيزيد الفاقد بالتسرب من بحيرة ناصر عن الأعوام السابقة حيث ستصل مناسيب المياه لمستوي لم تصله منذ عشر سنوات وحيث ستغمر ارضا عانت من الظمأ والجفاف.
ه وفاقد البخر لا يعود أما فاقد التسرب فمن المحتمل أن يستفاد به بالكامل كالآتي:
1 التسرب في منطقة الدلتا يرفع منسوب المياه الجوفية العذبة والتي تطفو فوق المياه الجوفية المالحة الآتية من البحر الأبيض ولولا هذه المياه العذبة لارتفع منسوب المياه الجوفية المالحة وامتد تأثيرها إلي جذور النباتات بالخاصة الشعرية خاصة في محافظات شمال الدلتا حيث الكنتور السائد من 2 6م.
2 - أما التسرب من بحيرة السد حتي القاهرة فهو يغذي الخزان الجوفي بالحجر الرملي النوبي بالصحراء الغربية هذا الخزان المتجدد دائماً طبقاً لأحدث النظريات عن كميات المياه به ومصادرها كما يغذي أجزاء من الصحراء الشرقية.
* * *
8 - الفاقد بسبب الملاحة والكهرباء:
حتي العام الحالي كانت تصرف كميات من المياه من البحيرة لتوليد طاقة كهربية بحد معين لتغذية الشبكة الموحدة للجمهورية "والمعروف أن الطاقة الكهربية ½ كمية المياه المنصرفة * أقصي ارتفاع تسقط منه..كما كانت تصرف مياه لأغراض الملاحة حتي لا يقل منسوب المياه في مجري النيل عن أقصي غاطس للمراكب السياحية ومجموع مياه الكهرباء والملاحة يزيد علي قدرات مصر الحالية للاستغلال الزراعي مما نتج عنه هذا العام فقد حوالي 3 مليارات م.3
9- ألطمي "أ- لا تصل مفتتات التربة من الهضبة الآستوائية لطول ا لمسافة وعبور منطقة السدود وبطء سرعة تدفق المياه.
ب - الطمي الوارد من هضبة الحبشة لنهر السوباط يغلب عليه الجير مما يعطي المياه لوناً أبيض مما انعكس علي تسمية النيل الأبيض.
ج- أما النيل الأزرق فالطمي الوارد منه رملي كوارتزي ويزن حوالي 1كجم/م.3
د - أما طمي نهر العطبرة فهو أكثر سواداً ويبلغ أكثر من 1كجم/م3 خلال أيام الفيضان.
ه - ومما يذكر أن الدلتا تكونت من تراكم هذا الطمي عبر آلاف الفيضانات.
10 - أثر نهر النيل في نشأة الحضارة المصرية
أ - الزراعة:
يأتي الفيضان منذ فجر التاريخ في أواخر الصيف وأوائل الخريف ثم ينحسر عن جوانب الوادي والدلتا حيث يكون منتصف الخريف أو أواخره هو الوقت الملائم لزراعة نباتات الحبوب الشتوية وأهمها الشعير والقمح والتي تتغذي خلال الشتاء علي الأمطار والتي كانت أوفر منها الآن ثم ينقطع المطر ويأتي الصيف والحصاد وهكذا تكامل عنصران هما الفيضان والأمطار الشتوية ونتيجة لهذا التكامل أصبحت أرض مصر صالحة لتكون مهدا للزراعات الشتوية القديمة ثم بعد الحصاد تجف التربة وتتشقق وتموت الحشائش الضارة ويؤدي التشقق إلي تهوية التربة وتجديد خصبها ثم يأتي الفيضان من جديد وهكذا.
ب - الملاحة:
النيل يتدفق من الجنوب رقيقاً دافعاً السفن من الجنوب للشمال "بسرعة 3 - 4كم/ساعة" دونما عوائق والرياح السائدة علي مصر من الشمال للجنوب وبذلك سخر الله الرياح والنيل ليكونا شريان المواصلات للمصري القديم.
ج - الوطن الواحد: ولدرء خطر الفيضان باقامة الجسور وانشاء القري فوق الروابي العالية وشق القنوات وخلافه كل ذلك مهد لوجود سلطة مركزية قوية في مصر منذ حوالي 3200 ق.م وحتي الآن.
عودة الى مقالات
|