بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد، فمنهج الجماعة الإسلامية في الفتوى يتلخص في التالي:
الفتوى هي عملية تفاعل بين الحكم الشرعي المستنبط من الأدلة التفصيلية وبين الواقعة موضوع الفتوى في إطار الواقع الذي تقوم فيه هذه الواقعة.
وعليه فإغراق المفتى في النصوص والأدلة والأحكام المستنبطة منها دون فهم وإدراك للواقع محل الفتوى والواقع الذي تقوم فيه هذه الفتوى هو جمود يفقد الشريعة مرونتها وقدرتها على مسايرة الواقع وكثيرا ما يضع الفتوى في غير موضعها.
وكذا إغراق المفتى في الواقع دون الاطلاع الكافي على النصوص والأدلة وفتاوى العلماء هو تفريغ للشريعة من مضمونها وإفتاء في الدين بغير علم ولا هدى.
· النوع الأول :
جمود وتجميد للنصوص على واقع قد يكون غير واقع الفتوى.
· النوع الثاني :
تفريط وتضييع للشريعة لصالح الواقع.
وقد غالى المفتون في كلا الاتجاهين فانهزم بعضهم أمام الواقع وحرص على استرضائه على حساب الشرع فوصف بالتسيب والاستهانة.
وتجمد آخرون أمام النصوص وجهلوا أن الشريعة فيها من عناصر المرونة والتفاعل مع الواقع ما يجعلها تصلح لكل عصر، تضع الأمور موضوعها وتعالج كل أدواء العصور.
والفقيه الحصيف بين هذين الطرفين فهو على قدر تبحره في فهم النصوص وكيفية استنباط الأحكام منها, مدرك إدراكا جيدا للواقع ومحيط بتفاصيله ثم هو بعد ذلك يحسن تحقيق مناط الفتوى أي تطبيق الحكم على الواقعة موضوع الفتوى, ومنهجنا في اختيار الفتوى المناسبة للواقع يعتمد على القواعد الآتية:
1- الدوران مع النص حيث دار:
ونعنى أن النص هو مدار الفتوى فحيثما وجد فلا مجال للحديث عن الاجتهادات او النظر فأننا مأمورون أولا بطاعة الله ورسوله متمثلين في كتاب الله وسنن نبيه أولئك الذين يهتدي من تبعهم ولا يقع في الضلال، ولا نلجأ لغيرهم من مصادر التشريع كالمصالح المرسلة والعرف والاستحسان إلا عندما نفتقد في المسالة موضوع الفتوى النص الصريح ولا نستعملهم إلا بالضوابط الشرعية التي نص عليها الفقهاء العظام.
2- التعامل مع النصوص واستنباط الأحكام منها:
إنما يكون بمنهج السلف الصالح الذين مدحهم النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بقوله : "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم"، ونستلهم نهجهم وفهمهم في التعامل مع النص ببصيرة تدرك الفارق بين الثابت المتغير, فالثابت الذي لا يقبل التغير هو نص الكتاب والسنة والمتغير هو صنع البشر من أعمال الفهم فيهما سواء على صعيد الأحكام أو على صعيد الفتوى. ولا يوجد بشر غير النبي صلى الله عليه وسلم قد أنعم الله عليه بالعصمة والبراءة من الخطأ وعليه فان التزامنا منهجهم وفهمهم لا يضيف على كلامهم قداسة خاصة وإنما هم بشر يجرى عليهم الخطأ.
3- إن الذي يصح أن يقاس عليه هو النص من الكتاب والسنة بعد معرفة العلة التي يقاس بها بضوابط الفقهاء في ذلك.
أما فتاوى العلماء فلا يصح أن يقاس عليها وذلك أن في الفتوى شق خاص يرتبط بالواقعة موضع الفتوى وبالواقع التي نشأت فيه هذه الفتوى بالإضافة لعوامل أخرى قد ترتبط بشخص المفتى أو شخص المستفتي أو غيرهما من الظروف حتى لو خرجت الواقعة بالصيغة العامة التي توهم صلاحيتها لكل زمان ومكان وهذا معنى دقيق قل من يفطن إليه من طلبة العلم الذين يجمعون أقوال العلماء وفتاواهم كأدلة يستدلون بها على أقوالهم وكأنها نصوص شرعية ونسوق على ذلك أمثلة :
§ فقد استفتى احدهم ابن عباس في توبة القاتل فقال وبصيغة العموم أن ليس للقاتل توبة استفتاه آخر فقال وما يمنعه أن يتوب, فقالوا كان حال المستفتى في الأولى غير الثاني فالأول شهد في وجهه عزمة على القتل بينما شهد في الثاني انكسار التوبة.
§ فالفتوى كانت في موضوع واحد وبصيغ عامة توهم التجرد والشمول .. ولكن معرفتنا بحال المستفتي هي التي أفهمتنا أنها واقعة حال.
§ ومثل ذلك ما فعله علماء أتراك لما وجدوا أن أتاتورك بعد أن أسقط الخلافة انطلق يمحو هوية عاصمة الخلافة الإسلامية ويزيل معالم الإسلام منها, فكان مما قرره منع ارتداء العمامة والطربوش و ارتداء القبعة الإفرنجية فسارع أولئك الفقهاء و قد وقفوا يتصدون لمحاولة محو هوية البلاد فأفتوا بحرمة ارتداء القبعة بل أفتى بعضهم بكفر فاعله. وبنفس الصيغ العامة التي توهم التجريد و الشمول، و بالطبع هذه فتوى مرتبطة بواقع متغير لابد أن تتغير معه الفتوى.
§ ومثل هذا أيضا ما أفتى به علماء الجزائر لما حاولت فرنسا تغيير هوية الجزائريين وكان من أساليب ذلك إعطاء الجنسية الفرنسية للجزائريين فأفتوا بكفر من يحصل على تلك الجنسية, و كانت صيغة فتواهم هي نفس الصيغ المجردة و الشاملة و التي توهم من يقرؤها مجردة عن واقعها أنها حكم عام ثابت و لكن من يفهم الواقعة موضوع الفتوى يدرك أنها فتوى خاصة بحال معينة لا تتعداها لغيرها.
§ القصد من ذلك أن نبين أن الفتوى حتى و إن جاءت بصيغة مجردة لا تصلح للقياس عليها ولا يمكن تعديتها ما لم يفهم سبب الفتوى من حيث واقعتها وكذا الواقع التي أفتيت فيه الفتوى وقد لا تصلح بعد ذلك لتعديتها.
4- التيسير:
لا نعني بالتيسير طبعا تجاهل الأدلة الشرعية أو ليّ أعناقها استرضاء لرغبات العوام وإشباعا لشهواتهم تسهيلا عليهم وإنما نقصد بالتيسير الدوران مع النص حيث دار بفهم العلماء الأثبات من سلف الأمة وخلفها إذ أن الشريعة جاءت ميسرة من عند الله يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر جاءت سهلة لا تنتظر تيسير الميسرين بعيدا عن قواعدها ونصوصها.
ويخطئ كثير من الفقهاء عندما يتبع رخص العلماء و زلاتهم بدعوى التيسير ويسعى في إرضاء أهواء المستفتين بغض النظر عن النصوص موضع الفتوى فهو في هذه الحالة لا يتبع الدين أو الشرع إنما يتبع هواه و يشبع رغبات المستفتين وهو يظن أنه يحسن صنعا بالتيسير على الناس.
5- الترجيح بالأصول الشرعية المعتبرة فيه:
§ فبقدر ما ننكر على المترخصين إغراقهم في تتبع الرخص بدعوى التيسير ننكر أيضا على الفريق الآخر الذي يشدد على الناس و يختار من أقوال الفقهاء الأشد بدعوى الترجيح بالأحوط فكلاهما مخطئ، الأول الترخيص في غير موضعه و الثاني التشدد في غير موضعه و ذلك أن الأحوط ليس طريقة من طرق الترجيح و لا وسيلة من وسائل فهم النصوص، و لقد غالى بعض الشباب في هذا الباب حتى حولوا الشريعة إلى سد يقف أمام كل ما هو يسير على القلوب.
§ ففي كل خلاف ينشأ بين الفقهاء - و ما أكثر ما اختلف الفقهاء - يلجأ للقول الأشد بدعوى الاحتياط و الأخذ بالأحوط حتى صارت الشريعة مجموعة من الأحاويط لا علاقة لها بنص و لا بفقه.
§ و بقد رما ضيع الأول مقصود الشريعة في حماية مصالح الناس الشرعية متتبعا من الشريعة ما يشبع هواه محاولا إرضاء ضميره .. إن كان ثمة ضمير .. لأنه إنما ييسر على الناس بقدر ما ضيع الآخرون مقاصد الشرع فضيقوا على الناس معايشهم بغير حق وتجاهلوا نهج النبي صلى الله عليه وسلم, أنه ما خير بين أمرين إلا واختار أيسرهما ما لم يكن إثما أو قطيعة رحم.
§ وكلاهما مجانب للصواب وإن قال به بعض العلماء إلا أنه ليس مذهب جماهيرهم وإنما الصحيح هو أن الشريعة وسط بين هذين الطرفين وأن الفتوى لابد أن تكون بالترجيح بين مختلفين بالطرق العلمية الصحيحة فإن كان الصواب فأجران و إلا لن نعدم في اجتهادنا أجر المخطئ الذي بذل الجهد المطلوب.
6- لابد من مراعاة المواءمة:
أي اختيار الأولى و ترجيح الأصلح و تقديم المصلحة الأعلى بين المصلحتين و دفع المفسدة الأكبر بين المفسدتين و درء المفاسد و تقديمه على جلب المصالح و غير ذلك من القواعد الأصولية التي وضع بها الأصوليون ما يمكن تسميته فقه المصالح و فقه الأولويات و هي معاني دقيقة لابد للمفتي أن يضعها في اعتباره فكم من أمر صواب ينبغي تركه لما هو أصوب منه و كم من شئ ينبغي عمله دفعا لما هو أسوأ منه .. و هي قواعد في الفتوى مهمة في تحصيلها تحتاج لدربة و سعة أفق.
7- إن شيوع الفتوى و تداولها بين الناس سواء بين أهل العلم أو بين العوام لا يعطي لهذه الفتوى مشروعية و لا يحكم لها بالصحة:
فإن انتشار الفتوى قد لا يكون له أسباب أخرى كثيرة غير الصحة أو موافقة الدليل فقد يكون مكانة صاحبها وشهرته سببا في انتشارها وقد يكون تناول الإعلام لها والدعاية هي السبب .. وقد يكون موافقتها لأهواء العوام وإعجابهم بها سبب ذلك وقد يروج لها الحكام وأصحاب المكانة لموافقة هوى لهم وقد تكون أسباب أخرى كثيرة.
§ ولذا فان المفتى الحصيف لا تغره الفتوى المنتشرة فيفتي بها دون تمحيص واختبار وقد أوجب الأصوليون قاطبة على القادر على الاجتهاد أن يجتهد في كل مسألة تعرض عليه اجتهادا جيدا ولا يجوز بحال من الأحوال أن يقلد غيره في فتواه ما لم تكن هناك ضرورة لذلك.
§ وكم رأينا من أهل العلم مخالفة لجماهير العلماء لأن اجتهادهم أداهم لذلك وقد تعرضوا للاستنكار والاضطهاد بسبب مثل هذه الفتاوى, ولا يخفى أننا لا نعني بذلك أن يشطح الإنسان المفتى مخالفا الفهم الصحيح للنصوص بدعوى حقه في الاجتهاد, وإنما نقصد أن هناك قواعد ثابتة ينبغي أن يلتزمها المجتهد لا يستطيع أن يتحلل منها في فتواه وهي قواعد الأصول واللغة ثم ليجتهد في إطارها في فهم النصوص ما يؤديه إليه الاجتهاد.
8- أن للزمان والمكان والأشخاص مكانهم في الفتوى وكثيرا ما تتغير بتغير أى منها وذلك أن شطر الفتوى عليهم وعلى تفاعل النص معهم.
وعليه فلا حرج أن تتغير الفتوى بتغير أي منهما أو من مفردات الواقع الأخرى فالواقع المتغير يستلزم فتوى متغيرة بتغير الأعراف والمصالح والنظر. لذلك لا تعجب أن يكون للعالم قولان في المسألة الواحدة كلاهما اجتهاد وكلاهما صحيح في موضعه بسبب تغير في الواقعة موضوع الفتوى.
9- بقيت واحدة وهي أنه من فقه العالم وورعه أن يغير فتواه إن بدا له أنه قد أخطا فيها ويسارع في تصحيح ما أحدثته الفتوى الخاطئة من آثار ومن لبس لدى الناس دون أن يدفعه الكبر الى التمسك بخطئه متى تبين له الخطأ بدعوى الثبات على الرأي فالثبات على الحق هو أن يدور مع الحق حيث دار أما الثبات على الرأي سواء كان مخطئا أو مصيبا فإنه العناد المذموم. والله نسأل أن يوفقنا إلى سواء السبيل. |