|
د/ رفيق حبيب في حوار هام: الجميع احتمى بالشريعة الإسلامية.. الأقباط والدولة حاوره وقدم له/ سمير العركي
ما إن أصدرت المحكمة الإدارية العليا حكمها بالسماح بالزواج الثاني لأحد الأقباط حتى تفجرت موجة من الغضب الكنسي على حكم المحكمة.. واعتبرته مخالفاً لأحكام الإنجيل ونصوص الكتاب المقدس.. وصرح البابا شنودة بأن لن يجبر على مخالفة أحكام الإنجيل.
وبدأت نذر مواجهة تلوح في الأفق بين الكنيسة وبين الدولة.. خاصة مع دعوة الكنيسة لأتباعها بالاحتشاد في الكاتدرائية المرقسية بالعباسية تعبيراً عن الغضب من حكم المحكمة الإدارية، وتلكؤ الدولة في إصدار القانون الموحد للأحوال الشخصية للمسيحيين بديلاً عن قانون1938، والذي تصفه الكنيسة بالبطلان لتوسعه في أسباب الطلاق.. والذي تريد الكنيسة عزوه إلى علة واحدة هي علة "الزنا".
وفى ظل هذه الحالة الجدلية الكنسية كان للمشهد أوجه أخرى.. إذ رفض البابا شنودة علانية تنفيذ الحكم.. مما فجر موجة من الجدل مرة أخرى.. ولكن على المستوى العام في هذه المرة.
فكيف يتم رفض تنفيذ حكم المحكمة بهذه الصورة.. والقضاء أحد العناوين الهامة للدولة المدنية؟!!.
وهل سيتم التعامل مع البابا شنودة باعتباره موظفاً مدنياً تجرى عليه أحكام الامتناع عن تنفيذ أحكام القضاء؟!!.
ومن ناحية أخرى أصيبت النخب العلمانية بالخرس تجاه المشهد.. ولم تنبس بنت شفة.. وهي التي صدعت أدمغتنا بالحديث عن الدولة المدنية وحقوق الإنسان.. وضرورة اقتصار وضعية الدين على الفضاء الشخصي وفقط دون ولوجه في الشأن العام.
ولم تفتأ تهاجم الدولة الدينية والمؤسسات الدينية (الإسلامية فقط).. واختفت حالة التشنج التي كانت تنتابهم في وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة والمسموعة.. كلما اشتموا رائحة للإسلام في شأن من الشئون!!.
ولكن في هذه الأزمة بحثت عنهم طويلاً فلم أجدهم.. ومن وجد فقد وجد على استحياء دون تشنج.. وبكل أدب ووقار!!!
أما الوجه الأقوى لهذه الأزمة فهو احتماء الأقباط.. وربما لأول مرة بالشريعة الإسلامية في مواجهة حكم المحكمة الإدارية العليا.. وتذكرت الكنيسة وقيادتها أن الشريعة الإسلامية هي الوحيدة التي أعطتها الحق في الإشراف على شئون الزواج والطلاق وفق تعاليم الإنجيل.. ودون تدخل الشريعة الإسلامية في هذا الشأن الديني الخالص.
فلم يجد البابا شنودة بداً من محاججة خصومه بالشريعة الإسلامية في مشهد مثل انتصاراً للشريعة الإسلامية وسماحتها.. وقدرتها على استيعاب جميع الأطياف والمذاهب كافة.
حالة جدلية مفعمة بالدلالات والإشارات رأينا أن نحملها بكل ما فيها ونذهب للدكتور/ رفيق حبيب الباحث والمفكر القبطي الشهير لنستعرضها معه.. محاولين استشراف الآثار المترتبة على هذه الأزمة.
وكعادة الرجل جاء حديثه كاشفاً للعديد من المضامين الهامة التي حملتها الأزمة.. والتي من أهمها أنها مثلت ضربة قوية للفكر العلماني والعلمانيين.
والغريب أن الضربة جاءت من الكنيسة التي حاول العلمانيون أن يجذبوها إلى صفهم.
كما كشف الغطاء عن عظمة الشريعة الإسلامية في تعاملها مع الأقباط.. وكيف أنها لم تتدخل في شأنهم الديني وتركت لهم حرية التصرف فيه.. على عكس الفكر العلماني الذي بدأ يمد داخل الكنيسة ويخصم من رصيدها ويحتل مكانها.
كما اعتبر أن الفائز الأكبر من هذه الأزمة هي الشريعة الإسلامية.
فالأقباط احتموا بها في مواجهة حكم الإدارية العليا.. والدولة احتمت بها من أجل تمرير قانون صادر من الكنيسة.
فالجميع فجأة وجد نفسه يحتمي بالشريعة الإسلامية.. لأنها وحدها التي وضعت الحلول للحفاظ على التنوع الديني والثقافي واللغوي والقبلي داخل المجتمعات الإسلامية.
كما فند أكذوبة أن سيادة الشريعة الإسلامية يسهم في تقليص وجود الأقباط.. واعتبر أن العلمانية في أوروبا هي التي قضت على المسيحية، والإسلام هو الذي حافظ علي وجودها في مجتمعاته لأنه أعطى المسيحيين ما يشبه الحكم الذاتي في إدارة شأنهم الديني.
أظن أن الرؤية التي يقدمها د/ رفيق حبيب اليوم لهذه الأزمة هي الأعمق والأشمل في كل ما كتب.. وقيل منذ اندلاعها والتي قد تخلف وراءها حالة من الجدل واسعة وثرية.
والآن مع الحوار..
هل يعتبر حكم المحكمة الإدارية الخاص بالسماح بالزواج الثاني لأحد الأقباط صاحب الدعوى والذي أثار جدلاً واسعاً تدخلاً في الشأن القبطي الداخلي.. أم عملاً بنصوص القانون؟.
حكم المحكمة الإدارية والإدارية العليا كان بناء على قانون صادر من الكنيسة، وبالتالي فهو تشريع كنسي لا تجد المحكمة بدلاً منه لتطبيقه.
ولكن الكنيسة اعترضت عليه؟
لا تستطيع المحكمة الالتفات إلى اعتراض الكنيسة هنا، لأن المحكمة ملتزمة بالقانون والدستور.
والقانون هنا صادر عن المجلس الملي في وقت سابق، بغض النظر عن الاعتراضات التي وجهت إليه فيما بعد كنسياً.
فحديثي هنا عن الإجراءات التي اتبعتها المحكمة.. وهى إجراءات سليمة .
أيضاً من ضمن الاعتراضات الكنسية على القانون أن لائحة عام 1938م صدرت في ظروف غير طبيعية.. وبالتالي فهي لا يمكنها الموافقة على القانون.
نعم.. هذه وجهة نظر صحيحة فلائحة 1938م لم تصدر عن المجمع المقدس.. ولكن صدرت عن المجلس الملي.. وهى جهة إدارية ومالية تمثل أعيان الأقباط، والدولة آنذاك ساهمت في صدور ذلك القانون إرضاءً لهؤلاء الأعيان.
ولكن كل هذه الاعتراضات غير معتد بها أمام القضاء الذي يتعامل مع نصوص القانون الموجود أمامه.. بغض النظر عن الاعتراضات.
فهذه مشكلة الدولة التي تلكأت في صدور القانون الموحد للأحوال الشخصية للأقباط طيلة السنوات الماضية .
ولكن لماذا تتلكأ الدولة في إصدار القانون الموحد من وجهة نظركم؟
هناك بعض الأسباب التي أراها منعت الدولة في الماضي من إصدار القانون الموحد منها:
أنه مطلب خاص بالمسيحيين.. فلربما ظهرت مطالب أخرى للمسلمين في مواجهته.
وهناك سبب آخر أراه مرتبطاً بما حدث في مصر بعد ثورة 23 يوليو.. والتي قامت بإلغاء المحاكم الشرعية (الإسلامية والمسيحية).. واعتمدت نموذج الدولة القومية العلمانية التي لا تعرف تشريعاً إلا عن طريق مجلس الشعب.. لا عن طريق الهيئات الدينية كالكنيسة.
والتي أعطاها الإسلام الحق في إدارة الشأن المسيحي الخاص بالزواج والطلاق.. ليس فقط من خلال إصدار التشريعات المنظمة.. بل ومزاولة الفصل بين المتنازعين وهو أمر يحسب للإسلام وللشريعة الإسلامية.
ثم نتيجة تمدد الحالة العلمانية بعد 23 يوليو رأت الدولة أنها أمام إشكالية.
ما هي؟.
كيف يمكن صدور قانون من الكنيسة دون مروره على السلطة التشريعية (وهي مجلس الشعب) لمناقشته.
وإذا مر على المجلس فلن يستطيع مناقشته بما ينبغي أن يكون.. من حيث الإضافة إلى بنوده أو الحذف منها.. لأنه لا يريد الاصطدام بالكنيسة ورغبتها.. كما أن الغالبية من أعضاء المجلس هم من المسلمين.
وبالجملة نحن أمام مشهد لا يتكرر كثيراً.. فالدولة هنا ستجد نفسها تنصاع لرأى الشريعة في ترك أهل الكتاب ينظمون شئون أحوالهم الشخصية بما يتوافق مع شريعتهم وما يدينون.
كيف تفسر رد الفعل العنيف على حكم المحكمة الإدارية العليا من قبل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية وعلى رأسها البابا شنودة.. والذي انعكس على عموم الأقباط بعد ذلك؟
أنا أعتقد أننا أمام مشهد ربما يحدث لأول مرة.. وهو أن الأقباط وجدوا العلمانية تتمدد داخل الكنيسة نفسها، وهم الذين كانوا يظنون أن العلمانية توجد في الحالة السياسية فقط، ولكنهم وجدوا العلمانية تمد يدها إلى شأن كنسي خالص.
بل وتتعامل مع البابا شنودة على أنه موظف عام قابل للعزل والحبس.. وهذا كله مخالف لتعاليم الإنجيل.
ووجدت الكنيسة والقيادات الدينية فيها أنها أمام وضع يجبرها على مخالفة تعاليم الكتاب المقدس، فانتهزت الكنيسة هذه الفرصة للضغط على الدولة من أجل إقرار القانون الموحد للأحوال الشخصية.
أليس هذا يعد طعناً في مفهوم الدولة المدنية؟
لا.. فالدولة في الإسلام هي دولة مدنية، كما أن الدولة في المفهم العلماني هي دولة مدنية.. ولكنه طعن في مفهوم الدولة العلمانية.
فالمفارقة هنا أن أكبر طعنة لمفهوم الدولة العلمانية جاء من قبل الكنيسة، وهذه الطعنة تحمل العديد من المضامين الهامة.
ما هي؟
أولاً: هي تقول إن الحكم الأعلى هنا ليس الدستور.
ثانياً: أن المؤسسة القضائية ليست فوق المؤسسة الدينية.. وأن حكم القضاء ليس فوق حكم الدين إذا ما خالفه.
وبالتالي وجدت الدولة نفسها في مأزق كبير مع الأقباط.. كما أن الأقباط وجدوا أنفسهم أمام وضع لن يقبلوه، ووضع يحدث معهم ولأول مرة منذ دخول الإسلام إلى مصر الذي حمى الشأن الديني لغير المسلمين في الدولة الإسلامية.
ومن هنا جاءت هذه الطعنة من الكنيسة إلى المفهوم العلماني ولصالح الشريعة الإسلامية التي اتخذت منها الكنيسة موقفاً سيئا ً حتى الآن.. عندما اختارت الاصطفاف وراء المشروع العلماني باعتباره مشروعاً سياسياً.. وهو اختيار خاطئ لعلها أدركته فيما بعد.
ولكنى على يقين من أن البابا شنودة والقيادات الكنسية الدينية بل والمدنية تدرك الإنصاف الذي شهدته الطوائف الدينية المختلفة في ظل الشريعة الإسلامية.. فلماذا الاصطفاف وراء الفكر العلماني؟.
لا تنسى الانقطاع الكبير الذي حدث في واقع الناس بينهم وبين التطبيق الكامل للشريعة الإسلامية خاصة بعد ثورة 23 يوليو.
إضافة إلى افتقاد المسلمين والمسيحيين إلى خبرة العيش المشترك.. نتيجة ظن الفريقين أن الانزواء عن "الآخر" هو الترجمة الحقيقية لحالة الإحياء الديني التي حدثت في المجتمع المصري عقب نكسة 67.
وأنا هنا أزعم أن الدولة لم تستطع أن تتعامل مع حالة الإحياء الديني التعامل الأمثل والأفيد للمجتمع.
ولكن الجماعة القبطية اكتشفت أن التمدد العلماني بدأ يطال هويتهم ووجودهم، وليس مقصوراً على التمدد على حساب الإسلام وفقط.
ولكنى أريد هنا التأكيد على نقطة هامة.. وهى أن مجتمعاتنا في حقيقتها مجتمعات ذات أساس ديني.. ومهما بدا أن العلمانية اكتسبت أرضاً جديدة على حساب الدين، فإن هذه المجتمعات سرعان ما تعود لدينها.
كما حدث في ستينيات القرن الماضي.. والتي بدا فيها مشهد المجتمع حينها وكأنه تحول إلى العلمانية.. ولكن سرعان ما عاد مرة أخرى إلى الدين.
وهل يمكن أن تؤثر العلمانية على موقف الكنيسة ومكانتها الروحية بالنسبة لعموم الأقباط؟
ما لا تدركه الكنيسة والجماعة القبطية أن الدولة القومية العلمانية عندما تريد تعريف نفسها ووضع الأطر المحددة لهويتها فإنها ستضع الإسلام واللغة العربية كمحدد أساسي لهويتها.. وتبدو وكأنها تلتزم بالإسلام وهو التزام ظاهري في حقيقة الأمر.. وهو أخطر على الأقباط ممن يلتزم قواعد الإسلام وروحه الحقيقية.
فالإسلام عندما يكون حاضراً حضوراً حقيقياً في حياة المسلمين، وعندما تكون المسيحية حاضرة في حياة المسيحيين.. هنا يختفي التعصب.
لأن الدين عامة ضد التعصب.. ويعمل على نشر السماحة في المجتمع .. فداخل الدولة القومية العلمانية ينتشر التعصب الذي قد يصل إلى حد الاضطهاد والعنصرية.
هذا بصورة إجمالية .. ولكن ماذا عن الوضع في مصر تحديداً؟
هنا في مصر نحن إزاء جماعة قبطية مسيحية قليلة العدد ، استطاعت أن تنعم بالحرية والمحافظة على الخصوصية في ظل " الشريعة الإسلامية ". وإذا ما اختفت الشريعة الإسلامية كمنظم لهذه العلاقة بصورة أكبر مما يحدث الآن ستصبح الكنيسة مؤسسة من مؤسسات الدولة.. ولن يكون لها أي حكم في شئون الأحوال الشخصية للأقباط.. وسيصبح الشأن الكنسي الداخلي الإداري والمالي خاضعاً للرقابة الخارجية من جهة الدولة.
وفى هذه الحالة ستصبح الجماعة المسيحية عرضة للتفكيك.. لأنه إذا ما اختفى الإشراف الكنسي على الأسرة المسيحية في مرحلة التكوين والرعاية تفككت الأسرة.. ومن ثم الجماعة المسيحية.. وفى نهاية المطاف تتفكك الكنيسة ذاتها.
وهنا يجب أن تدرك الكنيسة أن العلمانية تؤدى إلى تفكك الكنيسة والجماعة المسيحية.. بعكس الإسلام لأنه حاضر في الشارع وفى حياة الناس.. وهو ما ثبت عبر تجارب الماضي في دول كتركيا ومصر في عصور سابقة.
فقد أثبتت هذه التجارب أن محاولات العلمنة قد تنجح على مستوى المؤسسات.. ولكنها تفشل على مستوى الشارع والجماهير التي سرعان ما تعود إلى الإسلام.
د./ رفيق .. ما تقوله هو عكس المستقر في ذهن الأقباط أن وجود الإسلام يعنى إلغاء وجودهم كما يروج الخطاب العلماني لذلك.. فما رأيكم؟.
هذا غير صحيح بالمرة.. بل إن في تجارب الدول العربية المجاورة ما يثبت أنه في ظل الدولة القومية العلمانية تقلص الوجود المسيحي والنفوذ المسيحي.. على عكس الوضع في ظل الإسلام.
ففي العراق مثلاً يتقلص الوجود المسيحي.. والغريب أن ذلك يحدث في ظل دستور علماني، واحتلال غربي.
وما يجب أن يعرفه الجميع أن الدولة القومية العلمانية دولة متعصبة لا تسمح بالتنوع داخلها.. وبالتالي فهي تتضايق من الوجود المسيحي.
بل إن عباءة القومية العلمانية ليست عباءة جامعة لجميع الأطياف المذهبية والدينية والقبلية واللغوية والثقافية.. مما يؤدى إلى انتشار حركات الاحتجاج داخلها.. والتي قد تصل إلى النزاع المسلح.. كما يحدث في اليمن والسودان والعراق ولبنان من قبل.
بل إن العباءة القومية لم تستطع جمع شمل العرب قبل الإسلام.
والإسلام وحده الذي يسمح بهذه التعددية داخله.. ويتعامل معها بمرونة عالية تسمح باستقرار المجتمع وسلامته.
ودائماً الجماعات الدينية قليلة العدد.. إذا ما أحست بالخطر فإنها تلجأ إلى حل الهروب.. كما حدث في لبنان.. فقد كان الوجود المسيحي هناك أكثر من النصف ، ولكن بعد الصراعات والحروب الأهلية تقلص إلى حوالي الثلث.
هل يمكن اعتبار الدولة العثمانية في أواخر عهدها والذي شهد حركة علمنة واسعة نموذجاً لما تقول؟.
نعم .. فالدولة العثمانية كانت دولة جامعة تستوعب التنوع الحادث داخلها انطلاقاً من تعاليم الإسلام ومبادئ الشريعة.. وعندما بدأ التحول صوب العلمانية بدأ الخلل يتسرب إليها من حيث التعصب لقومية محددة.. وهى القومية التركية على حساب القوميات الأخرى.
فتحول الأمر من حكم شخص لدولة إلى حكم قومية لقوميات أخرى.. كما حدث التعصب للغة والمذهب وغيره.. مما أدى إلى هجرة أعداد كبيرة من المسيحيين الشوام من ديارهم.. وهو ما لو يحدث قبل ذلك.
واليوم تعتبر القدس نموذجاً لكلامنا فقد تميزت مدينة القدس بالوجود الإسلامي المسيحي.. وكان نموذجاً للتعايش والتسامح.. ولكن في ظل الدولة الصهيونية الاستعمارية اختفى تقريباً الوجود المسيحي من المدينة ، وبقى الوجود الإسلامي لأنه موجود في الشارع وغير مرتبط بمؤسسة أو هيئة.
ولكن الخطاب العلماني يوهم الأقباط بعكس ذلك ، ويحاولون استخدام الإسلام كفزاعة لإخافة الأقباط.. وجعلهم على الدوام يلتصقون بالنموذج العلماني!!!.
ما يحدث هو استغلال للمسيحيين من جانب النخب العلمانية على أساس أنها طائقة ذات أقلية عددية.. فيحاولون السيطرة عليها لفقدانهم التأييد الشعبي من جانب المسلمين.
ولكن الحقيقة أن العلمانية هي التي حاربت المسيحية في أوروبا وقضت عليها هناك.. وليس الإسلام.. الذي حمى بدوره ليس المسيحيين وفقط بل واليهود أيضاً.. وحافظ على وجودهم كطوائف داخل الدولة.
أما في ظل العلمانية فلا حماية للعقيدة المسيحية.. ففي ظل الغرب المسيحي تعرضت الجماعة اليهودية للتضييق.. وفى ظل الغرب العلماني تعرضت المسيحية للتضييق.
نعم حصل الفرد هناك على كل حقوقه.. ولكن العقيدة الدينية لا تنال حقوقها.. فعلى الجماعة المسيحية أن تحسم أمرها.
هل تريد حقوقها كبشر على حساب عقيدتها؟!!.
أم تريد الحفاظ على عقيدتها وهذا لا يوفره إلا النموذج الإسلامي؟!!.
مع الوضع في الاعتبار أن الإسلام لا يجيز ظلم أهل الكتاب كبشر ويشدد على وجوب معاملتهم بالعدل والقسط.
نعم هذا صحيح.. حتى الحكام الذين تعاقبوا على حكم الدولة الإسلامية على مدار تاريخهم لم يكن ظلم المسيحيين أصلاً لديهم.
ومن فعل غير ذلك كان خارجاً عن القاعدة.. ويقابله آخرون حكموا بالعدل وهذا موجود في كل مكان.
بل إن الحكام الذين اشتهروا بظلم المسيحيين لم يثبت أنهم تعرضوا للحقوق العقائدية لهم.. ولم يتجرأوا على عقيدتهم كما يحدث في النموذج العلماني.
بغض النظر عن الأسس الدينية التي أسست عليها الكنيسة اعتراضها ، ألا ترى في موقف النخب العلمانية من الحكم وصمت الكثير منهم "لحساً" للمبادئ التي تلتزم بها هذه النخب وتعلنها رسمياً؟.
بالطبع .. هنا تكتشف أن الأمر برمته عبارة عن لعبة سياسية المقصود منها جذب الكتلة المسيحية إلى صف الحل العلماني.. خاصة مع حالة الفقر الذي تعانى منه العلمانية في الشارع.
ومن هنا فقد كان لزاماً على النخب العلمانية – وفقاً للمبادئ العلمانية – أن تعلن رفضها لعدم التزام الكنيسة بتنفيذ حكم المحكمة الإدارية العليا.. وتصطف كل جمعيات حقوق الإنسان وراء المطالبة بتنفيذ حكم المحكمة، وأن تعلن رفضها لصدور قانون من الكنيسة.. حتى ولو ذهب إلى لجنة وزارة العدل والبرلمان.
ولكن كل هذا لم يحدث والتزمت النخب العلمانية الصمت.. ومن تكلم فبنبرة هادئة وكلام لين.. لأنها تحتاج التأييد القبطي لمشروعها العلماني.
بل إن جمعيات حقوق الإنسان التي كانت تبدى انزعاجاً شديداً عند حضور الدين في أي تشريع ألزمت نفسها هي الأخرى الصمت!!!!.
ولكن البعض أراد أن يزج بالمسلمين في هذه القضية وتصوير الأمر على أنه أزمة طائفية وامتداد لمسلسل الظلم الذي يتعرض له الأقباط!!.
لا وجود للطائفية في القضية المثارة، بل إن أي مسلم عادى يعلم أن الإسلام أعطى المسيحيين الحق في تنظيم شئون الزواج والطلاق.
بل إنني أظن أن جمهور الصحوة الإسلامية وعموم الحركة الإسلامية تساند الأقباط في هذه القضية لأن المشروع الإسلامي الذي تحمله الحركة أعطى الحق – كما أسلفت القول – للمسيحيين الحق في تنظيم شئون الزواج والطلاق.
فالأمر هنا ليس طائفياً بالمرة .. بل هي مواجهة بين الكنيسة وبين العلمانية المتوحشة التي تحاول أن تقتحم مناطق نفوذها الديني.
ذكرتم في مقال سابق لكم أن الأقباط وهم أقلية عددية استطاعت الاستفادة من حكم الشريعة في هذه الأزمة.. أليس من حق المسلمين أن يستفيدوا من شريعتهم تطبيقاً وسلوكاً؟.
بالطبع.. وأعتقد أننا أمام مأزق كبير فقد جرى تحييد الشريعة الإسلامية في العقود الماضية.. واليوم يتم استدعاء الشريعة الإسلامية والاحتكام إليها.. بل والالتزام بها.. ولكن لصالح الأقباط!.
وهذا يعطى الحق للجماعة المسلمة في الاحتكام إلى شريعتها.. ومن هنا فيجب تطبيق الشريعة الإسلامية أولاً على المسلمين.. وثانياً على المسيحيين.. ولا تطبق حصرياً على فئة دون أخرى.. وأعتقد أن المشهد الحالي له ما بعده.
كيف ذلك؟.
الحل العلماني نالته هزيمة حقيقية بسبب فعل الكنيسة وموقفها في هذه الأزمة.
ولكن متى تدرك الكنيسة وتدرك الجماعة القبطية هذه الحقيقة.. أعنى إنصاف الشريعة الإسلامية الكامل لأهل الكتاب؟.
أظن أن متى توفر المناخ الصحي من الممكن أن يحدث هذا الإدراك وأعنى به المناخ التفاعلي بين الجميع ووجود قنوات الحوار والاتصال بين جميع الأطياف.
عندها تستطيع الجماعة القبطية أن تدرك أن الشريعة الإسلامية أنصفتهم وأعطت لهم حقوقهم .
وكما يقول المستشار طارق البشرى: "إن الإسلام أعطى لأهل الكتاب ما يشبه الحكم الذاتي في إدارة شئونهم الدينية".
وهذا يوضح لنا الفرق بين نموذج الدولة الإسلامية ونموذج الدولة العلمانية.
ما هو الفرق المشار إليه؟.
الدولة الإسلامية يمكن أن نطلق عليها "الدولة الحارسة" هي تقوم بمهمة الحفاظ على الدولة وأركانها.. ولكنها لا تتدخل كثيراً في حياة الناس
فكنت ترى الطوائف المهنية والتجارية تدير شأنها الخاص، والطوائف الدينية تدير شأنها الديني، والمجتمع الأهلي يقوم بمهمته في رعاية التعليم والصحة من حيث إنشاء المدارس والمستشفيات ...الخ.. والإنفاق عليها من خلال الأوقاف المرصودة لها.
إضافة إلى التنوع الذي حافظت عليه الدولة الإسلامية.. حتى إن المحاكم الشرعية الإسلامية كانت تتيح للمتحاكمين الاحتكام إلى المذاهب المتنوعة الحنفية والشافعية... إلخ.
هذه الحركة المجتمعية الضخمة التي اختفت مع نموذج الدولة العلمانية التي تدخلت في شئون الناس حتى الشأن الديني منها!!!.
دون الخوض في الشأن الديني المسيحي.. ألا تعتقد أن مسألة الزواج تحتاج إلى اجتهاد جديد من الكنيسة.. حلاً لمشاكل العديد من الأسر التي تعانى من جحيم الخلافات الزوجية؟.
من المعروف أن أحكام الزواج والطلاق في المسيحية أكثر تشدداً عن الإسلام، ولكن في ظل وجود مجتمعات لم تعد مترابطة كما كانت، وباتت الأسرة تعانى من التفكك بصورة غير مسبوقة وكثرت مشاكلها.
وعليه فإن الكنيسة باتت مطالبة بالنظر في كيفية معالجة هذا الأمر مع كامل التزامها بأحكام الإنجيل ونصوص الكتاب المقدس.
وهل توجد آليات للتطوير الذي أشرت إليه؟.
أظن أن الكنيسة يمكنها فعل ذلك إذا عاد دورها الأصلي كجهة رعاية للأسرة المسيحية.. وجهة فصل وقضاء في قضايا الأحوال الشخصية.. كما كان يحدث في الماضي من خلال ما يمكن أن نسميه "المحاكم الشرعية المسيحية".
وقد استفدت من مقال منشور على موقع الجماعة الإسلامية للشيخ "عبد الآخر حماد" في هذه القضية.
فقد كنت أظن أن القاضي المسلم بوسعه الحكم بين المسيحيين في قضايا الأحوال الشخصية وفق شريعتهم حتى قرأت البحث الذي كتبه الشيخ "عبد الآخر".. وذكر فيه عدم جواز أن يحكم القاضي المسلم بغير الشريعة الإسلامية.. وأن الحكم في قضايا الأحوال الشخصية للمسيحيين أوكلتها الشريعة الإسلامية إلى المسيحيين أنفسهم.
وهى نقطة هامة توضح مدى الاستقلالية التي تمنحها الشريعة الإسلامية للمسيحيين في إدارة شئونهم الدينية.
وإلى أين وصل القانون الموحد للأحوال الشخصية الآن؟.
هناك لجنة مشكلة في وزارة العدل تضم ممثلين عن الطوائف الدينية وهناك خلاف حول نقطتين:
الأولى: الاعتراف بمسيحية جميع أنواع الزواج الذي يتم في مختلف الكنائس.. وعدم قصر الاعتراف على الزواج الذي يجرى في الكنيسة الأرثوذكسية وفقط.
والثانية: أن يتم تضمين القانون الجديد بنداً خاصاً بالتبني.. وهو موجود أصلاً في لائحة 1938م.. وأظن أن الطوائف المسيحية ستقبل برأي الدولة في عدم تضمين القانون الجديد بنداً للتبني.
نقطة التبني كانت ستثير مشاكل عدة خاصة مع المسلمين
أريد أن أوضح مفهوم التبني الذي طرحته الكنيسة الإنجيلية والذي كان موجوداً في لائحة 38.. ما قصدته الكنيسة الإنجيلية تبنى طفل معلوم النسب والديانة ووليه لا يمكنه الإنفاق عليه، فتتبناه أسرة محرومة من الأطفال.. ولا ينسب إليها بل يظل نسبه لوليه الأصلي وكذلك لا يرث من متبنيه بل من وليه الأصلي.. وذلك وفق قواعد منضبطة ومحددة وعن طريق المحكمة.. "فهذه الصورة تشبه كفالة اليتيم".
أما الصورة التي سيجرى حولها خلاف شديد فهي تبنى طفل مجهول النسب.. وهذه الصورة شائكة جداً.. وستفجر خلافات كبيرة.. لأن الأمر سيتعلق بتحديد ديانة هذا الطفل.. وقد يكون مسلماً في حقيقته.
وقلت دائماً إن هذه الصورة الأخيرة ستجرنا إلى مشاكل صعبة.
وفى نهاية حديثنا نتوجه بالشكر إلى د./ رفيق حبيب على هذا الحوار الممتع الذي استطاع من خلاله أن يضع النقاط على الحروف فى هذه القضية الهامة وما يتبعها من تفريعات هامة.
الأحد الموافق
6-7-1431هـ
18-7-2010م
| الإسم | محمد عمر |
| عنوان التعليق | اللهم استجب |
| يادكتور رفيق أنت رجل منصف في حديثك عن الإسلام وهذا أمر لانجده حتي عند رجال الدين في الكنيسة ومن حبي لإنصافك وعدلك في حديثك فإني أسأل الله العلي القدير أن يهديك وأهلك إلي دين الفطرة السليمة ....اللهم آمين |
| الإسم | محمد صفوت سعودي كيلاني |
| عنوان التعليق | الانسان والفطره |
| اولا اتقدم للدكتور رفيق حبيب بالشكر والتقدير علي فهمه العالي واسلوبه المتميز الراقي واحمد فيه غيرته علي الاسلام كغيرته علي دينه بل ربما تكون اشد وبغض النظر عن حكم المحكمه الشهير بااحقية المطلق باان يتزوج مرة ثانيه وان ذلك حق له وتساؤلي هنا لماذا تصر الكنيسه علي نعاملة ابنائها وشعبها بهذه الطريقه التعسفيه الاتنظر الكنيسه الي بشرية ابنائها ام انها تريد ان يعيش اخواننا المسيحيون في بحر من الرذيله والموبقات ولقد طالت الفاحشه بعض رجالات الكنيسه نفسها بالاديره وليست فضية ما نشرته جريدة الدستور هنا ببعيد عندها راحوا يدفعون عن انفسهم تلك الجريمه بقولهم تارة ان الراهب مشلوح وتارة انه لايمت للكنيسه بصله والحقيقه ان هذا الراهب كان من اعمدة الدير انني اهمس في اذن مسؤولي الكنيسه واقل لهم انه الانسان ايا كان دينه والشهوة مركب اساسي من تكوينه هل يغفل البابا ان القلب احد مكونات الانسان الرئيسيه او ان الكبد كذلك وكذلك شهوة الفرج هل تنظرون ان باتي يوم كالذي اتي علي الفاتيكان بالامس القريب والذي جعل بندكت نفسه يعتذر عما اقترفه القساوة هل ينتظر البابا ذلك مجرد تساؤولات بعيدا عن حكم المحكمه |
عودة الى اللقاء الأسبوعي
|