|
خطــف و تفجيــر الطــائرات المدنية .. تقييم شرعى. 
لقد تعددت الأهداف من وراء خطف و تفجير الطائرات المدنية بتعدد أهداف الخاطفين و من ذلك :
1- تحقيق بعض المصالح السياسية للحركات التى ينتمى إليها الخاطفون مثل إطلاق سراح بعض المعتقلين ، أو الدخول فى مفاوضات مع السلطات المحتلة لبلادهم لتغيير بعض السياسات الجائرة .
2- تسليط الأضواء الإعلامية على القضية التى يتبناها الخاطفون لكسب مزيد من الأنصار على المستوى الدولى و المحلى .
3- إحداث قدر كبير من النكاية فى الأرواح و الممتلكات .
4- الحصول على حق اللجوء السياسى .
أما عن جدوى هذه العمليات :
فإن هذه العمليات لم تكسب مزيداً من التأييد و لم تمثل ضغوطاً على الدول المستهدفة بل على العكس أصبح الحل العسكرى لدى هذه الدول هو الحل المفضل و لم يحدث تجاوب مع مطالب الخاطفين ، و استُخدمت هذه العمليات فى تشويه الصورة على المستوى العالمى لما تحمله من معانٍ مرفوضة من الاستهانة بأرواح الأبرياء . و لذا كانت النتيجة أن كثيرا من المنظمات التى كانت تقوم بهذه العمليات قررت هجرها و عدم القيام بها .
التقييم الشرعى : نبدأ ببعض العناصر المساعدة للتوصل للحكم الشرعى :
1- أننا بصدد الحديث عن خطف و تفجير طائرات مدنية ، و ذلك يختلف عن الطائرات العسكرية فى حالة قيام الحرب فإن خطفها و تفجيرها لا شك فى جوازه فى حالة أن يكون كل ركابها من العسكريين ، فالخطأ هنا هو فى قصد تفجيرها فى أحد الأهداف المدنية .
2- أن ركاب الطائرات المدنية ينتمون إلى جنسيات مختلفة و أديان متباينة و بينهم نساء و أطفال و شيوخ .
3- أن ركاب الطائرة غالباً لا علاقة لهم بالقضية التى يدافع عنها الخاطفون .
4- أن تفجير الطائرة ينطوى على قتل الخاطفين لأنفسهم .
إذن نخلص مما سبق أن اختطاف الطائرات المدنية و تفجيرها لا يجوز شرعا للآتى :
1- أن هذا الخطف ينطوى على قتل من لا يجوز قتله لوجود ركاب مسلمين أو أطفال و نساء وشيوخ و قتل من لا يصح قتله إذا ارتطمت الطائرة بهدف مدنى لا يُعرف من فيه .
2- وجود الغدر بالشركة التى أعطت الخاطف تذكرة باستخدام طائرتها فهو إخلال بالعهد .
3- وجود الغدر مع الركاب لأن كلاً منهم يعتقد أن الآخرين لا يريدون إصابته بسوء فلذلك يمثل أمان أو شبهة أمان تمنع إلحاق الأذى بالآخرين . و قد أمرت الشريعة بالوفاء بالعهد ( وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا ) . ونهى النبى صلى الله عليه و سلم عن الغدر فقال: ( لكل غادرٍ لواء يوم القيامة يقال هذه غدرة فلان ) . متفق عليه .
4- أن خطف الطائرة و المساومة بركابها للضغط على حكومات بلدانهم أو المحتلين لها لا يجوز شرعاً لأن الركاب فى الغالب ليس لهم علاقة بقضية الخاطفين و ربما يكونون متعاطفين معهم و ذلك ينافى العدل . قال تعالى : ( ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا ) .
5- أن تفجير الطائرة يؤدى إلى تدمير ممتلكات لا يجوز إتلافها شرعاً مثل الطائرة و أمتعة الركاب و ما يكون فى هدف أرضى إرتطمت به الطائرة .
6- أن تفجير الطائرة المدنية سيؤدى إلى قتل الخاطفين بفعلهم و هو ما عدَّه بعض المعاصرين من قبيل الانتحار . و هو منهى عنه شرعاً ( و لا تقتلوا أنفسكم ) .
إذن الخلاصة أن هذا الأمر غير جائز شرعاً .
حجج القائلين بجوازه :
1- أن الخاطفين يختارون أهدافهم بحيث يوجد من ركاب الطائرة من يجوز قتله .
2- أنه لا يصح القول بأن الخاطفين غدروا بالشركة المالكة للطائرة لأنها تابعة للدولة المحاربة للخاطفين و قد قال النبى صلى الله عليه و سلم : ( الحرب خدعة ) .
3- أن ذلك ليس انتحارا و لكنه من باب جواز الانغماس فى صفوف العدو لإحداث نكاية .
4- أن مقتل الركاب لا يحرُم لأنه يجوز ضرب الكفار بالمنجنيق و لو أدى إلى قتل الأطفال و النساء و الشيوخ ، و المسلم يُبعث على نيته ، و أنه يجوز رمى الكفار و لو تترسوا بمسلم .
مناقشة الأدلة السابقة وبيان خطئها :
الأول : قد يكون على الطائرة من يجوز قتله ، فماذا عن بقية الركاب من النساء و الأطفال و المسلمين فبأى دليل شرعى يجوز قتل هؤلاء ؟
الثانى : أنه لا يصح نفى الغدر بالشركة المانحة للتذكرة و كذلك الركاب بدعوى أنه لا يوجد أمان ممنوح منهم له . لأن منح هذه التذكرة يعنى اشتراط ذلك الأمان و إن لم ينص على ذلك تصريحاً فى التذكرة . و فى ذلك يقول الإمام السرخسى ( و هذا بخلاف ما لو جاءهم قدم من المسلمين ليدخلوا دار الحرب ، فقال لهم أهل الحرب إدخلوا و أنتم آمنون . فدخلوا و لم يشترطوا لهم شيئا لأن هناك مجيئهم على سبيل الاستئمان بمنزلة التصريح بالاشتراط على أنفسهم ألا يغدروا بهم ... )
ويقول بن قدامة ( ومن دخل دار الحرب رسولاً أو تاجراً بأمانهم فخيانتهم محرمة عليه .. )
و يتضح من ذلك أن الأمان منعقد فى حالة تذكرة الطائرة و إن لم يُنَص عليه لفظاً أو كتابةً . ونقض الأمان محرم فى دين الله .
الثالث : أن القول أن هذا الأمر من قبيل الخدعة ليس بصحيح لأنه ليس هناك حرب بين هؤلاء المسافرين و بين الخاطفين لا سيما مع وجود أبرياء لا ذنب لهم . و كذلك لا يجوز الغدر مع الشركة لأنها قد لا يكون لها أدنى علاقة بالخاطفين أو الدولة التى يعادونها . هذه خدعة غير جائزة شرعاً لأنها مخلة للعهد ناقضة لأمان قائم .
كما قال الإمام النووى ( إتفق العلماء على جواز خداع الكفار فى الحرب و كيف أمكن الخداع إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يحل ) . و لا يصح الاستدلال بإذن النبى لمحمد بن سلمة فى أن يخدع كعب بن الأشرف ليتمكن منه . لأن ذلك الإذن تم مع يهودى ناصب النبى العداء و شبب بنساء المسلمين و حارب الإسلام . و كذلك فإن ركاب الطائرة ليسوا مثل كعب بن الأشرف الذى ليس منه أمان أو شبهة أمان و كان محارباً للإسلام .
الرابع : أن هذا الفعل من قبيل الانغماس فى صفوف الأعداء ، و هذا قول غير دقيق ، لأنه لا يصح الاحتجاج بجواز انغماس المسلم فى صف العدو لتجويز مثل هذه العمليات لأن :
ـ أن ركاب الطائرة لا يمثلون صفاً يباح قتله أو قتاله .
ـ أن هؤلاء الركاب لا يمثلون جيشاً معادياً فى مواجهة المسلمين .
ـ أن من أجاز تفجير المسلم نفسه فى العدو قيدوا ذلك بألا يكون هناك سبيل آخر بوصول إلى الهدف ، و وضعوا شروطاً لذلك قد سبق ذكرها و كل ذلك غير متحقق فى هذه القضية .
الخامس : أن تفجير الطائرة دون معرفة الخاطفين بمدى جواز قتل كل شخص من ركابها هو من قبيل التفجيرات العشوائية ، و لا يجوز الاحتجاج بجواز الرمى بالمنجنيق أو القول بجواز الترس بالمسلم أو جواز قتل المسلم على أساس أنه يبعث يوم القيامة على نيته . لأننا هنا لسنا بصدد الضرب بمنجنيق أو إغارة أو مسلمين قد تترس بهم المحاربين فليس هناك ترس و لا متترس به ، و لا توجد حالة حرب بين الخاطفين و الركاب .
شبهة : هب أن الطائرة المخطوفة ملك لدولة محاربة للإسلام و كل ركابها ممن يجوز قتلهم فلن يكون هذا التفجير لا يمثل انتحارا .
الجواب : لابد من النظر إلى جملة المفاسد التى تنجم عن العملية كى نقارنها بالأهداف التى يريدها الخاطفون . و الذى ينظر إلى تلك المفاسد الناجمة سوف يجد أنها تربو على أى مصالح مرجوة منها .
أمثلة هذه المفاسد :
التحريض الدولى على المنظمات التى ينتمى إليها الخاطفون و ملاحقتها فى كل العالم
تكوين رأى عام شعبى و حكومى بهذه البلدان ضد قضايا الخاطفين .
تنمية مشاعر العداء ضد الجاليات الإسلامية فى كل بلدان العالم . و ذلك فى ظل اتفاق بين الدول بعد الاستجابة لمطالب الخاطفين .
خطف الرهائن و الحكم الشرعى لها :
ـ إن الحكم الشرعى سيختلف باختلاف الرهينة فمثلاً :
ـ إن كان المخطوفون من العسكريين الذين يحتلون بلداً إسلامياً فلا حرج فى ذلك بشرط أن يعاملوا معاملة فى إطار الشرع .
إن كان المخطوفون ممن يعاونون جنود الاحتلال حتى لو كانوا مدنيين فيجوز فعل ذلك بهم .
إن كانوا من المدنيين الذين لا ينتصبون لقتال أو لا يعاونون قوات الاحتلال فلا يصح خطفهم .
والتمييز بين هذه الحالات ما يجوز منها و ما لا يجوز أمر يجب إسناده إلى العلماء المجتهدين لا إلى غيرهم من طلبة العلم أو الهواة . أ . هـ .
عودة الى الموسوعة الجهادية
|