|
الجهاد و البيان الصادق. ما أكثر القضايا التى تفرض نفسها على أمتنا اليوم , و تحتاج إلى بيان شاف و إيضاح كاف لموقف الإسلام منها .
و كم من المأسى و الأخطاء التى كتب على أمتنا أن تعيشها مرتين أو مرات , لافتقاد البيان الصادق , أو لشيوع البيان الفاسد , أو من جراء البيان الناقص .
صور البيان الفاسد : ـ
ـ هناك من يتملق أصحاب السلطة عند البيان , ويجعل بوصلته مضبوطة فقط فى إتجاه إرضائهم , بغـض النظر عن
مدى مشروعية أقوالهم و أفعالهم .
ـ هناك من تحجبه الحماسة و التهور عن الالتزام بالبيان الصحيح , فينسى حقائق الواقع و لا يدقق فى أحكام الشرع .
ــ البيان المطلوب ينبغى أن لا يكون عبدا للأهواء أو النزوات , و لا يصح أن يكون أسيرا للثأر أو للانفعالات , و لابد
أن يأتى منضبطا بقواعد الشريعة , ومؤسسا على الحقائق لا الخيالات أو التوهمات .
ــ هناك من تواتيه الشجاعة فى بيان موقف الإسلام من أخطاء مخالفيه , و يفقد فى ذات الوقت أدنى الشجاعة لبيان أخطائه أو أخطاء مؤيديه .
ــ كثير ممن يعملون للإسلام و ينخرطون فى الجهاد قد ألغــوا ممارسة الصدع بالحق فى و وجه حكومات يعدونها
جائرة أو قوى عظمى يرونها ظالمة , و لكنهم يتغافلون عن بيان الموقف من صواب هذه أو تلك , ومن باب أولى سيصمتون عن بيان الموقف من أعمال المجاهدين الخاطئة تجاه هذه أو تلك .
و الحقيقة أن هذا الخلل لا ينفرد به بعض العاملين للإسلام إنما هو ظاهرة تكاد تسيطر على كثير من التيارات السياسية على إختلاف اتجاهاتها . فقلما نجد من يعــترف بصواب خصمه فى موقف ما , وغالبا ما ياتى بيانه لتبرئة الذات
وإدانة الغير . و كثيرا ما عانى العاملون للإسلام أنفسهم من هذا الأسلوب حيث دأب معارضوهم على ذكر نقائصهم , وكتم أفضالهم , لذلك فالإسلاميون هم أولى الناس برفض هذا الأسلوب الانتقائي , فهم أكثر من عانى من ويلاته .
ـ وهذه الطريقة الانتقائية فى البيان تتعارض مع الأمر الالهى : ( و إذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس و لا تكتمونه ), فضلا عن تناقضها مع العدل الواجب الذى قرره الله تعالى فى قوله : ( و لا يجرمنكم شنأن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى )
ــ وإذا كنا نتناول قضية الجهاد كواحدة من أهم القضايا التى فرضت نفسها على حاضر امتنا و مستقبلها , فإن البيان الواجب الذى نطمع فيه هو ذلك البيان الذى ينبع من قوله تعالى : ( لتبيننه لناس و لا تكتمونه ) و إذا كان البعض
يحصر هذا البيان ـ الذى يحتاج إلى شجاعة فى إعلانه ويحرم كتمانه ـ فى الصدع بكلمة الحق فى وجه الحكام و
أولى الأمر فحسب , فنحن نرى أن هذا البيان الذى قد يحتاج لشجاعة اكبر هو ذلك الذى يوجه إلى داخل صف العاملين للإسلام .
ـ وإن كان صلاح الأمور لا يتم إلا ببيان صادق موجه إلى الرعية و إلى أولى الأمر على حد سواء .
ــ البيان الذى نطمع فيه هو ذلك البيان الذى يذكر كل جوانب القضية دون إجحاف بطرف من أطرافها أو على حساب الحقيقة ذاتها و رائدنا فى ذلك البيان القرانى الذى علمنا إلا نقع فى خطأ التعميم فى الأحكام أو نجانب الدقة فى البيان .
ــ وذلك البيان القرانى ينطلق من منهج للتفكير مغاير لما هو سائد اليوم بين أوساط عديدة , فهو منهج يرى بميزان الشريعة أبعاد القضية الآنية و المستقبلية , و يزن الأمور بميزان المصالح العامة والكلية , و يرتب الأولويات بعد حساب الموازنات و إدراك المالات , مما يتيح معـرفة ما يجب أن يقال و ما يجب السكوت عنه , وما يجب أن يفعــل و ما
يستحق أن يهمل .
ــ فعند ذلك يأتى البيان رشيدا سديدا , متسما بالواقعية و يحظى بإمكانية القبول , وتتاح له فرصة التأثير و التفعيل .
ــ البيان المطلوب اليوم يتعـــلق بقضايا الجهاد فى سبيل الله و المواجهات التى وقعت بين بعض العاملين للإسلام
وأنظمة الحكم فى بلدانهم .
ويجب أن يأتى موضحا أسباب هذه المواجهات و يرصد الأخطاء و يبين مسئولية كل طرف من الأطراف قبل أن يقدم روشتة العلاج.
ـ وإذا كان ينبغى على التيارات الإسلامية أن تقــف مع نفسها وقفة صادقة تبين ما جانبت الصواب فيه , فإن أنظمة
الحكم عليها مهمة مراجعة سياساتها لاكتشاف ما أدى الى هذه المواجهات الدامية و لتطرح حلولا تكـــفل مشاركة
التيار الاسلامى فى صناعة حاضر و مستقبل الأمة .
ــ ولكن ينبغى أن نؤكد أن البيان الواجب على العاملين للإسلام لا يصح تأخيره حتى يقوم الآخرون ببيانهم , لآن هذا البيان واجب شرعى لا يقبل الإلغاء أو الإرجاء .
عودة الى الموسوعة الجهادية
|