|
الصلح بين الديمومة و التأقيت. ــ قد يقول قائل نحن نقر بجواز الصلح مع جميع الأصناف بما فيها المرتدون , و لكن لا يصح أن يكون هذا الصلح غير محدد المدة أو دائما . و الواجب أن لا تزيد مدة الصلح عن عشر سنوات تأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم الذى جعل المدة بينه وبين قريش فى صلح الحديبية عشر سنوات , وهذا التحديد هو مذهب للعديد من العلماء .
ــ ونجيب عن ذلك بأكثر من وجه :
1ــ أنه إذا أشترط بعض العلماء تحديد المدة فى الصلح فهناك العديد من الأئمة أجازوا عكس ذلك , و فى هذا يقول الحطاب المالكى فى مواهب الجليل 4- 306 ( وللإمام المهادنة لمصلحة إن خلا عن : كشرط بقاء مسلم و إن بمال إلا لخوف , و لا حد , و ندب أن لا تزيد على أربعة أشهر ) قوله : و لا حد المازرى : مدة المهادنة على حسب نظر الإمام , قوله : وندب ألا تزيد على أربعة أشهر , ابن شاس : استحب الشيخ أبو عمر أن لا تكون المدة أكثر من أربعة أشهر إلا مع العجز أ . هـ
وممن انتصر للقول بجواز عقد الصلح الى غير مدة الإمام ابن القيم الجوزية فى زاد الميعاد فى قوله : ومنها جواز صلح أهل الحرب على وضع القتال عشر سنين , وهل يجوز فوق ذلك ؟ الصواب أنه يجوز للحاجة و المصلحة الراجحة كما اذا كان بالمسلمين ضعف وعدوهم أقوى منهم و فى العقد لما زاد عن العشر مصلحة للإسلام . أ . هـ زاد الميعاد 2- 170
ــ ويقول ابن قدامة : ولا يجوز عقد الهدنة إلا على مدة مقدورة معلومة لما ذكرنا و قال القاضى وظاهر كلام أحمد أنها لا تجوز أكثر من عشر سنين و هو إختيار أبى بكر و مذهب الشافعى لان قوله تعالى : ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ..... ) عام خص منه مدة العشر لمصالحة النبى صلى الله عليه و سلم قريشا يوم الحديبية عشرا ففى ما زاد يبقى على مقتضى العموم .
و قال أبو الخطاب : ظاهر كلام أحمد أنه يجوز على أكثر من عشر على ما يرى الإمام من المصلحة وبهذا قال أبو حنيفة لانه عقد يجوز فى العشر لمعنى موجود فيما زاد عليها و هو أن المصلحة قد تكون فى الصلح أكثر منها فى الحرب أ.هـ . المغنى 10- 518
ومن هذا الاستعراض يتبين أن القول بجواز عدم تحديد المدة إنما يتقرر بذات المعنى الذى من أجله جاز عقد الصلح لمدة عشر سنوات وهو قول المالكية و ابن القيم من الحنابلة وعند الإمام أبى حنيفة تجوز الزيادة على عشر وهى رواية عند الإمام احمد .
2ــ أن النبى صلى الله عليه و سلم عقد مع يهود خيبر هدنة غير محددة المدة وفى ذلك يقول ابن القيم : وفى القصة دليل على جواز الهدنة مطلقا من غير توقيت بل ما شاء الإمام و لم يجئ بعد ذلك ما ينسخ هذا الحكم البته . أ . هـ .
ـ ولقد بوب البخارى بابا فى صحيحه عنونه بالموادعة من غير وقت , وقال ابن حجر شارحا : قوله باب الموادعة من غير وقت وقول النبى صلى الله عليه و سلم ( أقركم على ما أقركم الله ) هو طرف من حديث معاملة أهل خيبر ...... , وأما ما يتعلق بالجهاد فالموادعة فيه لا حد لها معلوم لا يجوز غيره , بل ذلك راجع الى رأى الإمام بحسب ما يراه الاحظ والاحوط للمسلمين . أ. هـ .
3ــ أن العلة التى يرتكن إليها من يمنع الصلح المطلق هى إقتضاء ذلك ترك الجهاد بالكلية , وهذا غير مسلم به لأنه يمكن ترك القتال لطرف معين للصلح معه فيما يستمر الجهاد مع أطراف أخرى لم يتم الصلح معها .
4ــ أن رسول الله صلى الله عليه و سلم عندما عرض عليه عيينة بن حصن وهو ممن انضم لقريش فى غزوة الأحزاب أن يجعل له ثلث ثمار المدينة على أن يرجع بمن معه من غطفان و يخذل الأحزاب جاء ذلك العرض عاريا عن تحديد مدة ولولا ان ذلك جائز لما عرضه الرسول صلى الله عليه و سلم .
وتبقى كلمة ....
إن القول بعدم جواز الصلح فى الإسلام , أو قصر جوازه مع بعض الخصوم دون البعض أو القول بوجوب تحديد مدة لا يزيد عنها يحمل بين طياته أمور شتى :
1ــ هذا القول يعنى أن العلاقة بين الفئة المؤمنة و خصومها علاقة صدام الى ما لا نهاية حيث لا يجوز التطرق الى الصلح أبدا و لو على مستوى التفكير , ولذا فإننا نجد بعض المنتسبين للحركة الإسلامية اليوم ممن يحكمون على مجتمعاتهم بالردة يضمون لذلك قولهم بعدم جواز الصلح مع المرتدين و من ثم يوجبون استمرار الصدام والقتال الى ما لا نهاية رغم طروء مستجدات قد توجب الصلح مع هذا الطرف أو ذاك .
2ــ ان القول بعدم جواز الصلح انما يحرم الفئة المؤمنة أو الدولة المسلمة من خيار مشروع كما رأينا قد تحتاج إليه فى ظل أوضاع معينة , و القول بعدم الجواز يوقعها فى الحرج و يجعل الشريعة تبدو و كأنها عاجزة عن تلبية مصالح الخلق فى كل الأحوال مما قد يجعل القائمين على هذه الدول يلتمسون حلولا خارج نطاق الشريعة لظنهم أن الشريعة لا تلبى حاجاتهم العملية و الواقعية وذلك عندما يأبى عدوهم أن يعقد معهم صلحا محدود المدة ويخيرهم بين الصلح الدائم أو استمرار القتال الذى لا يكون فى صالح الدولة المسلمة , وهو ما قد يدفعهم الى ترك أحكام الشريعة .
فبيان جواز الصلح مع كل الأصناف و تفويض مدته لنظر الإمام إنما يبين سمة المرونة التى تتسم بها الشريعة وصلاحيتها لكل زمان و مكان .
عودة الى الموسوعة الجهادية
|