|
الجهاد بين فرض الكفاية و فرض العين. ذهب جمهور العلماء إلى أن الجهاد يندرج فى عداد فروض الكفاية التى إذا ما قام بعض المسلمين بها سقط الوجوب و الإثم عن الباقين ، أما إذا لم يقم بها أحد لحق الإثم بجميع القادرين عليه ، و الجهاد فى ذلك كغيره من فروض الكفاية مثل القضاء و الشهادة و الإفتاء ، تعلم العلم و تعليمه ... إلخ .
لكن ليس معنى ذلك أن الجهاد كفرض من فروض الكفايات لا يصير فرضاً عينياً أبداً ، و أيضاً لا يعنى ذلك أن الجهاد لا يصير فى بعض الحالات ممنوعاً ، لأن الجهاد يتردد بين فرض الكفاية و فرض العين ، كما أنه يتطرق إليه أحكام التكليف الخمسة فتارة يصير واجباً ، و تارة ممنوعاً ، و تارة أخرى جائزاً ، و إن كنا هنا سنتحدث عن تردد الجهاد بين فرض الكفاية و فرض العين فإننا سنؤجل مسألة تطرق الأحكام التكليفية إلى الجهاد لنقطة تالية .
تنقسم الفروض الشرعية إلى فروض عينية و أخرى كفائية
والمقصود بفرض العين هو : ما طلبه الله سبحانه و تعالى من كل فرد مسلم بعينه و أوجبه عليه ، ولا يغنى عنه أن يقوم به أحد سواه وذلك مثل الصلاة والصوم والزكاة .
أما المقصود بفرض الكفاية ، فهو ما طلبه الشارع من الأمة بمجموعها بحيث إذا قام به بعض الناس سقط الفرض
عن الباقين ، أما إذا لم يقم به أحد مطلقاً أثم الجميع لتقصيرهم فى أداء هذا الواجب ،
ومن أمثلة فروض الكفاية : البحث العلمى بأنواعه المختلفة ، و الصلاة على الجنازة ، و رد السلام ، و تعلم الصناعات المختلفة ، و القضاء و الشهادة إلى غير ذلك .
لكن يلاحظ هنا عدة أمور :
أ - إن الفرض الكفائى إنما يفترض على من تتوفر فيه الشروط و الأوصاف المطلوبة للقيام به ، فتولى القضاء مثلاً فرض كفاية لكنه لا يتوجه إلا لمن كان مؤهلاً لهذا المنصب بتوفر الشروط المطلوبة للقيام بأعبائه دون غيره من الناس .تهذيب الموافقات ص 68
ب- إن الواجب الكفائى قد يتحول لواجب عينى إذا لم يوجد إلا شخص واحد فقط فى مكان ما فيتحتم عليه شرعاً القيام
به ويهمنا الآن تحديد موقع الجهاد بين الفرض الكفائى والعينى بناء على تلك القواعد .
الأصل عند جمهور العلماء أن الجهاد يندرج فى عداد فروض الكفاية و لكنه قد يتحول فى حالات معينة إلى فرض عينى عندهم جميعاً ، وهو ما يتطلب تحرير القول فى حكم الجهاد أولاً ثم بيان متى يصير فرضاً عينياً .
1ـ بيان أن الجهاد من فروض الكفاية :
يذهب أكثر العلماء إلى أن الجهاد فى سبيل الله يندرج فى فروض الكفاية ، إلا ما نقل عن سعيد بن المسيب من جعله فرضاً عينياً . و ينقل لنا الإمام ابن جزى المالكى أقوال العلماء فى ذلك فيقول: " المسألة الأولى فى حكم الجهاد : و هو فرض كفاية عند الجمهور ، و قال ابن المسيب : فرض عين ، و قال سحنون صار تطوعاً بعد الفتح ، و قال الداودى ، هو فرض عين على من يلى الكفار .أ . هـ .القوانين الفقهية ص108 , المغنى 10ـ 140, نهاية المحتاج 8 ـ 45 , بدائ الصنائع 8 ـ 379
و ناقش بعض المحققين (بدائع الصنائع 9ـ 380 ) هذه الأقوال كالآتى :
واستدل الجمهور على أنه فرض كفاية بقوله تعالى : لا يستوى القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر والمجاهدون فى سبيل الله بأموالهم و أنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم و أنفسهم على القاعدين درجة و كلاً وعد الله الحسنى و فضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيما درجات منه و مغفرة و رحمة و كان الله غفوراً رحيماً "
و وجه الدلالة : أن هذه الآيات أثبتت الفضل لكل من المجاهدين و القاعدين ، و وعدت كل منهم الحسنى ، و لو كان الجهاد فرض عين لكان القاعدون آثمين فتمتنع المفاضلة بينهم و بين المجاهدين لأنه لا يفاضل بين مأجور و آثم ، و كان يمتنع أيضاً وعدهم الحسنى لكن الله قد أثبت لهم أصل الفضل ، غاية الأمر أنه جعل المجاهدين أعلى درجة من القاعدين لحسن بلائهم و مخاطرتهم بأنفسهم فى لقاء العدو ، فكان فرض كفاية ، لأن المقصود ليس ابتلاء الأشخاص ، ولكن المقصود إعلاء كلمة الله تعالى أياً كان القائم بها فإذا قام بها البعض سقط الطلب عن الباقين كما هو الشأن فى فروض الكفاية ...
واستدلوا بقوله تعالى : " وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا فى الدين و لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون " .
و وجه الدلالة : أن الآية تعم الجهاد وغيره ، مما يهم جماعة المسلمين ، وهى لم توجب النفرة من جميعهم ، وإنما طلبت – بعد أن نفت نفرة الجميع – أن ينفر البعض ويبقى البعض – وهذا بعينه هو فرض الكفاية ، واستدلوا أيضاً بأنه صلى الله عليه وسلم كان يبعث السرايا ويقيم هو وأصحابه بالمدينة ولو كان فرض عين لنفر الجميع .
واستدل القائلون بأنه واجب عينى دائماً بالعمومات كقوله تعالى : انفروا خفافاً و ثقالاً و جاهدوا بأموالكم و أنفسكم فى سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون " ، وكقوله تعالى : " إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً و يستبدل قوماً غيركم و لا تضروه شيئاً و الله على كل شىء قدير " ، وقوله تعالى " كتب عليكم القتال و هو كره لكم و عسى أن تكرهوا شيئاً و هو خير لكم و عسى أن تحبوا شيئاً و هو شر لكم و الله يعلم و أنتم لا تعلمون " .
فظاهر الآيات يوجب الخروج للجهاد على جميع الناس ، و يوعد المثاقلين عنه بعذاب أليم فى الدنيا و الآخرة ، و أنه يهلكهم ويستبدل بهم قوماً آخرين يكونون خيراً منهم وأطوع ، وأنه كتب عليهم القتال مع ما فيه من الشدائد ، والمشقات التى تجعله مكروهاً مرهوباً .
وهذه الآيات عامة فكانت دليلاً على وجوب الجهاد عيناً على كل مسلم . وقد أجيب عن هذه الآيات بأنها مصروفة عن الوجوب العينى ، بما ذكرنا من أدلة المذهب الأول . و لو سلم أنها غير مصروفة فهى محمولة على من عينهم النبى صلى الله عليه و سلم و استنفرهم للقتال لأن إجابته واجبة عليهم و ذلك جمعاً بين هذه الأدلة ، أما دليل القائلين بالندب : إستدلوا بأن قوله تعالى كتب عليكم القتال للندب لا للوجوب و ذلك كما فى قوله تعالى " كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين و الأقربين بالمعروف حقاً على المتقين " . و الوصية مندوبة فكذا الجهاد ، لأن الخطابين متماثلان ....
وقد رد عليهم بأنا نمنع أن حقيقة " كتب " فى آيتى القتال ، و الوصية للندب بل هى للوجوب إلا أن وجوب الوصية نسخ بأدلة أخرى ، و وجوب القتال لم يرد عليه ناسخ فبقيت دلالة آية " كتب عليكم القتال " على الوجوب كما هى ، على أن الوصية لا يزال قائماً عند بعض العلماء . و بهذا يترجح رأى الجمهور . و هو أن الجهاد فى غير حالة الضرورة فرض كفاية . أ . هـ . و بعد بيان رجحان قول الجمهور يبقى السؤال : متى يصير الجهاد فرضاً عينياً ؟
الحالات التى يصير فيها الجهاد فرضاً عينياً :
أجمع العلماء على أن هناك حالات معينة يتحول فيها حكم الجهاد من كونه فرضاً كفائياً ليصير فرضاً عينياً و هذه الحالات هى :
الأول : أن يستنفر الإمام شخصاً أو جماعة للقتال ، ففى هذه الحالة يتعين الخروج على من طلب الجهاد . و الدليل على ذلك قوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا فى سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا فى الآخرة إلا قليل "
وجه الدلالة : أن الله تعالى أنكر تثاقلهم عن الجهاد ، و لو لم يكن متعيناً لما أنكره عليهم .. وما رواه الجماعة إلا أن
ابن ماجة عن ابن عباس عن النبى صلى الله عليه و سلم أن قال : " لا هجرة بعد الفتح و لكن جهاد و نية و إذا استنفرتم فانفروا " . ووجه الدلالة : من الحديث أن النبى صلى الله عليه و سلم يقول من طلب للجهاد وجب عليه أن ينفر ، وهو معنى الوجوب العينى .
الثانى : أن يدخل العدو بلاد المسلمين ، أو يتغلب على قطر من أقطارها ، فيتعين القتال حينئذ ، و الدليل عليه الإجماع ، لأنه من قبيل إغاثة الملهوف المجمع عليها .
الثالث : عند التقاء الصفين يجب على من حضر القتال و يحرم الانصراف إلا إذا كان متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة والدليل عليه قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولوهم الأدبار و من يولهم يومئذ دبره إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة فقد باء بغضب من الله و مأواه جهنم و بئس المصير "
فقد نهى الله المؤمنين عن التولى يوم الزحف و توعدهم عليه ، و النهى و التوعد بدلاً من على أن الثبات واجب ، واستفيدت العينية من أداة العموم فى قوله عز و جل " و من يولهم ... " أ . هـ .
وزاد الإمام ابن جزى المالكى ( بدائع الصنائع 8ـ 380 ) و غيره حالة استنقاذ أسرى المسلمين .
وتجدد الإشارة إلى أن التفريق بين الجهاد كفرض كفائى أو عينى أمر هام ، لأنه يترتب عليه اختلاف فى بعض الأحكام التفصيلية الخاصة بالجهاد .
فعلى سبيل المثال : لا يصح فى الجهاد الكفائى خروج الولد للجهاد إلا بإذن والديه ، وأيضاً لا يباح للمرأة الخروج إلا بإذن زوجها ، أما فى الجهاد العينى فلا يشترط مثل هذا الإذن .
ويبقى أمر هام ينبغى التنبيه عليه وهو ضرورة التدقيق فى تحديد حكم الجهاد فى واقع ما ، وهل يدخل فى الجهاد الكفائى أم العينى ؟ وإذا كان يدخل فى الجهاد العينى فهل تتوفر فيه كافة الشروط المتطلبة لإنفاذه أم لا ؟ و ذلك لأن الجهاد قد يكون فرضاً عينياً كالجهاد من أجل استنفاذ الأسرى المسلمين بأيدى الكفار و لكن شرط القدرة – على سبيل المثال – غير متوفر ، فهنا ينبغى العدول عن إنفاذ مثل هذا الجهاد و يجب السعى لإطلاق سراح هؤلاء الأسرى بوسائل أخرى ، و هذه المسألة سنزيدها وضوحاً بعد قليل .
عودة الى الموسوعة الجهادية
|