|
إنهاء الجهاد..ضوابط و أحكام ـ الجزء الأول. كما وضع الإسلام ضوابط و أحكام تحكم بدء الجهاد و مساره و وسائله لم يغفل عن تنظيم نهاياته المتعددة المحتملة .
و الإسلام دين واقعى لا يذهب إلى حصر نهاية القتال فى احتمال أو احتمالين كما يذهب إليه من لا يرون نهاية للقتال إلا بالنصر أو الإستشهاد ، كما لا يرى الإسلام فى الانسحاب من القتال للاستعداد و معاودة الكرة جريمة لا تغتفر ، و لا يعتبر الإسلام الهزيمة نهاية للكون و لم يدع أنها لن تقع يوماً لأتباعه ، لم يكن الإسلام ديناً نظرياً يحلق مع الأمانى متناسياً الواقع و الحقائق فاعترف بكل هذه الاحتمالات .
نعم أمر الإسلام بالجهاد و حفز لنيل الشهادة و بشر أتباعه بنصر من الله و فتح مبين ، لكنه أقر أيضاً أن الهزيمة - و إن كانت غير محبوبة أو مرغوبة لأحد – قد تمثل واقعاً يمكن أن يفرض نفسه ، و قد يكون الانسحاب و وقف القتال أمراً يجد المجاهدون مرارته فى حلوقهم لكنه احتمال قد يعيشونه ، و قد يكون الصلح محل رفض من بعض المجاهدين إنطلاقاً من قول القائل : " لِمَ نرض الدنية فى ديننا " ، و لكنه قد يكون الحل الأمثل كما حدث مع رسول الله صلى الله عليه و سلم فى صلح الحديبية .
و لأن الإسلام دين يتجاوب مع مقتضيات الفطر الصحيحة و العقول الرشيدة ، فلم يطلب من أتباعه الجهاد حتى آخر قطرة دم منهم فى قتال لا طائل من ورائه ، و لم يرفض أيضاً الدخول فى صلح مع خصم فى صراع يستنزف أتباعه دونما تلوح لهم بشائر النصر و مع افتقادهم القدرة على الحسم .
وضع الإسلام كل هذه الاحتمالات فى اعتباره ، و من ثم نظمت الشريعة الأحكام الضابطة للنصر والهزيمة والانسحاب والوقف و الصلح كنهايات محتملة للجهاد .
وما دام الأمر كذلك ينبغى على كل من ينتدب نفسه للجهاد معرفة تلك الأحكام كى ينضبط بها و يسير على هديها .
يجدر القول : إن بعض هذه الاحتمالات التى يمكن أن تظهر عند نهاية القتال تحتاج – فى ظننا – إلى شجاعة أكبر من تلك الشجاعة التى يتطلبها قرار بدء القتال .
فقرار إنهاء القتال لتجنب الهزيمة أو للدخول فى صلح يحتاج لشجاعة قد لا يستطيعها إلا بعض الرجال الذين يتحملون مرارات الهزيمة و لا يقعون فريسة اليأس و الإحباط ، و يتحملون عبء الدخول فى الصلح و الوفاء بالعهد و إن انطوى على بعض الحيف .
و سنستعرض كل تلك القضايا عبر السطور الآتية :
إيقاف القتال ... المشروعية
عندما أطلقت الجماعة الإسلامية بمصر مبادرتها الشهيرة فى 5 يوليو 1997م التى دعت فيها أتباعها لإيقاف العمليات العسكرية ضد الدولة المصرية فى داخل مصر و خارجها ، وقف بعض المحسوبين على العمل الإسلامى منها موقف المعارض زاعمين أن ذلك الإيقاف ينطوى على تعطيل للجهاد كحكم شرعى ، و كان مستندهم الأساسى يدور حول أن الجهاد متى كان فرضاً عينياً لا ينبغى تركه أو إنهاؤه و أنه لا خيار حين ذاك أمام المسلم سوى النصر أو الشهادة .
و فى الحقيقة أن تلك المعارضة لا تختص بمبادرة الجماعة الإسلامية فحسب إنما هو منطوق يتردد عند بعض العاملين للإسلام من الصين شرقاً حتى أمريكا غرباً مروراً بباقى القارات .
و هذا الموقف قد يروق لمن يرفعون رايات التحميس و لكنه لا يصمد قطعاً أمام أدنى تدقيق وتمحيص . والقول بعدم جواز وقف القتال لكونه حكماً شرعياً و فرضاً عينياً يصطدم أول ما يصطدم بسيرة النبى صلى الله عليه و سلم و يتجاهل ضرورة توفر الأوصاف الشرعية المتطلبة لإنفاذ الجهاد كى يصير مشروعاً و بيان ذلك الخطأ من عدة وجوه :
الرد على من قال بعدم جواز وقف القتال :
الوجه الأول : القول بعدم جواز وقف القتال يصطدم بالسيرة النبوية :
من تأمل السيرة النبوية يجد العديد من الحوادث و المواقف التى أنهى أو تجنب الرسول صلى الله عليه و سلم فيها قتالاً دائراً أو متوقعاً و لنتذكر بعضاً منها :
أ- أنهى النبى صلى الله عليه و سلم حصار الطائف و عاد قافلاً للمدينة بعد أن استعصى عليه فتحه .
ب- عقد رسول الله صلى الله عليه و سلم صلحاً مع قريش بعد أن كاد القتال يشتعل بينهما فى الحديبية فى العام السادس الهجرى .
جـ- مدح رسول الله صلى الله عليه و سلم ما فعله خالد بن الوليد فى سرية مؤتة عندما أنهى القتال مع جيش الروم ، وعاد قافلاً إلى المدينة بعد أن كادت الهلكة تصيب جيش المسلمين و قال صلى الله عليه و سلم مادحاً له ( ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله ففتح الله له .. )
د- عندما دهم جيش المشركين والأحزاب المدينة وحاصروها سعى رسول الله صلى الله عليه وسلم لعقد صلح مع غطفان ، كى تنصرف عن دعم جيش المشركين مقابل ثلث ثمار المدينة يأخذونها ، فضلاً عن أن حفر الخندق حول المدينة دليل آخر على مشروعية تجنب القتال .
ولا يقولن أحد أن هذا عندما يكون الجهاد فرضاً كفائياً لا عينياً لأن حالة حصار المدينة فى غزوة الخندق تدخل فى عداد الحالات التى حددها العلماء لتحول الجهاد الكفائى إلى جهاد عينى ، كما أن هذه الحالات جميعها تتناول جهاداً صار متعيناً على من حضر الواقعة و شارك فيها .
الوجه الثانى : القول بعدم جواز وقف القتال يمثل إهمالاً للأوصاف الشرعية المتطلبة لجوازه ابتداءً :
الجهاد لكى يصير مشروعاً لابد من توفر الأوصاف الشرعية التى نصبها الله كى يتم إجازته و إنفاذه . و تلك الأوصاف إذا تخلف أى منها لا يصح إنفاذ الجهاد و لا يعد الجهاد حينئذ مشروعاً بل يكون ممنوعاً فهناك من الموانع التى قد تمنع من إنفاذ الجهاد كالصلح أو خوف الهلكة أو العجز أو غير ذلك وهناك بعض الشروط التى قد تغيب أو لا تكتمل وعند ذلك لا يكون الجهاد فرضاً عينياً أو كفائياً بل يكون محرماً .
والقول باستمرار الجهاد رغم غياب بعض شروطه أو وجود أحد موانعه لكونه فرضاً عينياً أشبه بمن قال بوجوب الصلاة والصوم على المرأة الحائض لكونهما فرضاً عينياً . وإذا كان صاحب هذا القول يرى عدم جواز صلاة الحائض فنقول له : لماذا والصلاة فرض عين ؟ فإن قال لوجود الحيض فنقول له : إذا كانت الصلاة سقطت وهى فرض عينى على المرأة لوجود حيضها ، فكذلك الجهاد قد يسقط الوجوب العينى عن المجاهد لوجود مانع يمنع منه بل قد يصير محرماً تماماً كما تصير الصلاة على المرأة محرمة فى ظل قيام مانع الحيض بها و هذا يعنى أنه لا يصح وجود الجهاد إلا فى ظل توفر السبب و الشروط و انتفاء الموانع سواء كان الجهاد كفائياً أو عينياً .
الوجه الثالث : القول بعدم جواز وقف القتال يعنى أن الجهاد مراد لذاته رغم تخلف المصلحة من القيام به :فقد شرع الجهاد فى سبيل الله لتحقيق مصالح عليا و القول بعدم جواز وقف القتال يعنى استمراره رغم تخلف المصالح المرجوة من ورائه و هو ما يرفع الجهاد فى سبيل الله لمرتبة الغايات المرادة لذاتها رغم أنه يندرج فى رتبة الوسائل و يأخذ أحكامها . و هذا القول يصطدم بأقوال العلماء كافة و الذين يذهبون إلى أن تخلف المصلحة التى شرع من أجلها الجهاد تسقط الوجوب و قد توجب التحريم .
و فى هذا المعنى يقول الإمام ابن قدامة : فيجب ( أى الجهاد ) فى كل عام مرة إلا من عذر مثل أن يكون بالمسلمين ضعف فى عدد أو قوة أو يكون ينتظر المدد يستعين به أو يكون الطريق إليهم فيها مانع أو ليس فيها علف أو ماء أو يعلم من عدوه حسن الرأى فى الإسلام فيطمع فى إسلامهم إن أخر قتالهم و نحو ذلك مما يرى المصلحة معه فى ترك القتال فيجوز تركه بهدنة فإن النبى صلى الله عليه و سلم قد صالح قريشاً عشر سنين و أخر قتالهم حتى نقضوا عهده و أخر قتال قبائل من العرب بغير هدنة أ . هـ .
و يقول بن حبيب المالكى : سمعت أهل العلم يقولون إن نهى الإمام عن القتال لمصلحة حرمت مخالفته إلا أن يدهمهم العدو أ . هـ . و تقييد إنفاذ الجهاد بتحقيق المصلحة المبتغاة منه قد أفضنا فيه فى مواضع كثيرة سابقة .
منع أم وقف ؟
قد يقول قائل هل تتحدثون عن وقف الجهاد أم منعه ؟
و الإجابة باختصار : إنه عند افتقاد السبب أو بعض الشروط أو وجوب بعض الموانع يجب وقف الجهاد و يجب أيضاً منعه سواء بدأ أو لم يبدأ لأنه فى مثل هذه الحالة يكون الجهاد محرماً لا يصح إنفاذه أو استمراره ، و بهذا يظهر أن الأمر يرتبط سواء فى الوقف أو المنع بتوفر الأوصاف المتطلبة لإنفاذ الجهاد أعنى السبب و الشروط و انتفاء الموانع بغض النظر عن البحث عن هذا من قبيل المنع أم الوقف فالعبرة بالمعانى لا بالأسامى.
عودة الى الموسوعة الجهادية
|