|
رحلة الوادي الجديد بداية المطاف ..جمال اللقـــاء بعـــد طول الفـــراق. 
وانطلقت القافلة .. تتوسطها حافلتنا السريعة .. تشق طريقها وسط دروب الصحراء .. لقد كان الطريق شاقا بكل ما تعنيه هذه الحملة من معان .. فقد اجتمع أيحاش الصحراء مع وعورة المهمة الشاقة التى نستعد للقيام بها فى سجن الوادي الجديد . أنها تجربة رائدة .. فريدة من نوعها .. ما دفعنا إلى خوض غمارها إلا حبنا للدين والوطن .. ولهؤلاء القابعين خلف الأسوار فى هذا الوادي السحيق .. انطلقت القافلة تطوى الصحراء طيا .. وتطوى معها مرحلة كئيبة عاشتها البلاد ما بين ذعر وخوف .. ودماء وأشلاء .. وفزع وتهديد .. وقهر وتشريد .. وصراع بين أبناء الدين الواحد .. والوطن الواحد .. و الجلدة الواحدة ..لقد كان بلاء شديدا .. هز استقرار البلاد .. واقض مضاجع العباد .. أفقنا منه على نداء الواجب بضرورة التدخل بقوة لحقن الدماء ووقف نزيفها
ويشهد الله إننا طيلة سنوات مضت ما غاب هذا المعنى عن أذهاننا .. و لكن شاء الله إلا ترى هذه الجهود النور إلا ألان . فكانت مبادرتنا المباركة .. وكانت مراجعاتنا الفكرية ..
وألان تمثل رحلتنا الأولى إلى سجن الوادي الجديد البداية الفعلية لتفعيل المبادرة , ومن عجيب صنع الله ان ياتى هذا التفعيل بعد وقت من احداث 11 سبتمبر الذي هزت العالم بأسره وهذه نعدها عجيبة من عجائب القدر وتصريفه .. أراد الله بها الخير لبلدنا ووطننا العزيز ..
ففي الوقت الذي اتجه فيه العالم بأسره بعد إحداث سبتمبر إلى شن حرب ضروس على الإسلاميين بدعوى مساندة أمريكا فى حربها ضد الإرهاب فأطلقت الايدى .. تعتقل وتعذب .. وتصادر الحريات .. وتجمد الأرصدة .. وتكسر الأقلام الحرة دون ان يقف إمامها احد , أو يتعرض لها حتى بالنقد .. فى هذا الوقت كانت العقول الواعية فى مصر تفكر بطريقة أخرى ..
كان من السهل ان تبطش بمن فى أيديها من المعتقلين . فالفرصة سائحة ولن يلومها احد .. كم كان من السهل ان تدير ظهرها لمبادرة وقف العنف ولن يعتب عليها احد . و لكن مصر التي تحتضن أبناءها وتحنو عليهم لم تكن لتنتهز الفرصة للانتقام من أبنائها .. بل هي تفتح ذراعيها لهم ليعودوا إليها .وكان من نتاج هذا الوعي إن تخرج تلك القافلة لكي تمضى فى مسيرة الإصلاح وتصحيح المفاهيم .. مادامت كل هذه الجهود تصب فى مصلحة البلاد والعباد .. ورغم السدود .. دارت عجلة القافلة ...
أفقت من تأملاتي الداخلية على منظر الصحراء الممتد إمام عيني إلى مالا نهاية بكثبانها الرملية , وغموضها المبدع .. ظللت أتلفت يمنة ويسرة فلا أجد سوى الصحراء ..
ساعتئذ نظرت إلى وجوه إخواني الذين يركبون معي الحافلة فلمحت فيها نظرة إشفاق وفى الوقت ذاته إعزاز وإجلال وإكبار إلى الأوفياء المخلصين من اهالى واسر المعتقلين الذي يقطعون مئات بل ألاف الأميال مرورا بهذه الصحراء القاحلة لكي يطمئنوا على أبنائهم حاملين معهم ما استطاعوا حمله من طعام وكساء وغيره ليسدوا جوعه أبنائهم , ويستروا عوراتهم مسطرين بذلك ملحمة خالدة من ملاحم الإخلاص والوفاء والعطاء ..
كان الدعاء هو رفيقنا فى هذه الرحلة لعل الله ان يوفقنا إلى ما نصبوا إليه ..
كان يقيننا جميعا ان إخواننا سيتقبلون الحق بلا عنت أو مشقة ولكن لابد أولا وأخيرا من توفيق الله عز وجل .. فكان الدعاء يلازمنا والذكر يرفقنا ..
ومضينا نقضى ساعات السفر الطويلة بين هذه الأحاسيس والمشاعر والتأملات .. ولم نفق منها إلا على سجن الوادي الجديد وهو يبدو من بعيد كحجر ملقى فى فلاة بدا يكبر شيئا فشيئا ويعظم كلما اقتربنا منه الى ان وقفنا إمامه وجها لوجه بمنظره المهيب , وأسواره العالية , وأبراجه الشاهقة ..
وبدا الأمل يداعبنا فى ان تفتح بواباته يوما لإخراج من فيه من المعتقلين كما هي تفتح ألان لاستقبال قافلتنا .. كنا نشتاق شوقا عظيما للقاء أحبتنا وحبات قلوبنا .. لذا كنا نسابق الأحداث لهذا اللقاء وكم كانت لحظات عظيمة مؤثرة عندما التقينا بهم لأول مرة فى مستشفى السجن واسمح لي ـ آخى القاري ـ ان انقل لك صورة حية من هذه المشاعر الجياشة وسارع احد الإخوة المعتقلين فى سجن الوادي الجديد يروى كيف استقبل المعتقلون نبا قدومنا الى السجن وكيف التقوا بنا لأول مرة فى مستشفى السجن , وما هي مشاعرهم وأحاسيسهم آنذاك ؟ ..
يقول : وفى الثاني والعشرين من أكتوبر استدعاني مندوب الشرطة وقد فتح زنزانتي ونادي اسمي وقال : إدارة السجن تريدك وشخصت إبصار بعض اخوانى ووقع فى نفسي احد احتمالين : اما ان المشايخ وصلوا كالمتوقع وخاصة بعد التحسينات التى طرأت على السجن من زيارة بطانية , وراديو وكافتيريا , والاحتمال الأخر ان يكون ذلك مجرد إجراء روتيني من إدارة السجن لأخذ بعض البيانات . وخرجت من الغرفة , وما ان وصلت الى خارج العنبر حتى وجدت سته من اخوانى ( من كبار الاخوة فى السجون ) وكنت سابعهم , فسلمت عليهم , وكانوا فى حيرة من أمرهم , لا يدرون لماذا تم تجميعهم بهذه الصورة ؟! وكانت احتمالية تغريبهم من السجن هى الاقوى فى نظرهم , او حتى عزلهم فى مكان بعيد عن الاخوة , و لكننى فوجئت ببعض حراس السجن , فوقع فى نفسى ان الأمر ليس بالتغريبة , ولكن ربما وصول المشايخ هو السبب . وما ان دخلنا عى المشايخ حتى ساد القاعة صمت رهيب دام لحظات معدودة , هى لحظات الصدمة الشعورية بالنسبة لنا ..
أحسست ان المحنة بسنواتها العجاف .. تمر امام عينى فى هذه اللحظات المعدودة .. لقد احب الجميع مشايخه قبل ان يراهم , فماذا سيكون الشعور الآن
قطع السكون الرهيب اندفاعنا الشديد نحوهم .. وارتماؤنا فى أحضانهم كان اللقاء صادقا .. يجلله صدق المشاعر .. وتسمو به روعة الأحاسيس انحدرت العبرات دون تكلف ... كفكفنا دموعنا , وجلسنا نستمع الى مشايخنا فتحدث الشيخ كرم زهدى عن المبادرة , وكيف بدات ؟ واستعرض فى عجالة تاريخها منذا إعلانها حتى مجيئهم الى سجن الوادى الجديد أ . هـ
هذه صورة معبرة .. ولوحة إنسانية مرهفة , رسمت خطوطها بلا مبالغة او افتعال هذه هى المشاعر الفياضة التى اعتملت فى قلوبهم واختلجت فى صدورهم , اما نحن فبرغم قلة فارق السن بيننا وبين بعضهم الا اننا ساعتها استشعرنا معانى الأبوة الصادقة فى ارقى معانيها .. لقد قرانا بعيوننا محنتهم من لسان حالهم قبل ان نسمعها من لسان مقالهم .. عجبنا لهؤلاء الماثلين امامنا !!
اهم الجبال الرواسى تجسدت فى صورة بشر ؟!!
ان ما مروا به خلال سنوات مضت لم يكن ليطيقه الكثير من البشر .وهل يطيق بشر ان يجلس فى غرفة واحدة لا تزيد مساحتها من 4م × 6م مع عشرين اخرين عدة سنوات متصلة دون ان يخرج منها الا الى الزيارة ثم يعود الى غرفته !! وهل يطيق بشر ان يرى اهله من خلال سلكين متباعدين عن بعضهما بمسافة متر ونصف تقريبا لا يسمعونه من شدة الأصوات المتداخلة لمدة سبع سنوات ..؟!! ولمدة لا تزيد عن عشر دقائق
و هل يطيق بشر ان يعزل عن العالم كله عزلة كاملة لمدة سبع سنوات فلا يقرا جريدة ولا يسمع مذياعا ولا يشاهد تلفازا وهل يطيق بشر ان يظل فى ملبس واحد ممزق لعدة سنوات صيفا وشتاء ... وهل ... وهل ... وهل
شريط الذكريات هذا جعلنا اشد إشفاقا على هؤلاء الوجهاء و القادة الجالسين امامنا خاصة و هناك بعض الإحصائيات الغريبة التى تصف لنا مدى قسوة و شدة هذا السجن . و لكننا لن نذكرها لان خطاب الصلح و الإصلاح يقتضى ان نغض الطرف عما مضى و نسيان الالم و تذكر الامل و عدم العيش مع الماضي الأليم و لكن العيش مع الحاضر الأفضل باذن الله , قائمة طويلة من الممنوعات ضربنا عنها الذكر لرغبتنا فى طى هذه الصفحة السوداء فى تاريخ حياتنا
جلسنا إليهم .. صارحناهم بحقيقة ما وصلنا اليه من مراجعات .. قدمنا الأدلة والبراهين بين ايديهم واضحة .. كانت نفوسنا قلقة خوفا من عدم استجابتهم .ولكن قلقنا ازالته تلك البسمات على الوجوه .. و علامات الارتياح التى بدت على قسمات وجوههم أثناء سماعهم لكلامنا .. لقد ألهمنا الله الحق فخرجت الكلمات دون مواربة او مداراة او على للحقائق .
قد يبدو الامر عسيرا ان يتحدث قادة امام أفرادهم بكل وضوح وصراحة عن مراجعات وتصويبات .. ولكن الله يسر الامر وبات الصعب سهلا والعسير يسيرا ...
انتهى هذا اللقاء الاولى .. ثم انطلق المستمعون بعدها الى غرفهم وعنابرهم يبشرون اخوانهم بقدومنا وما نحمله معنا من خير ..
فى هذا المساء كان لقاؤنا مع شريحة منهم جاءوا يدفعهم الشوق ويسوقهم الحنين للقائنا .. كان الكلام شديدا على بعضهم .. وتحيط بعقولهم علامات استفهام كثيرة .. ولكن الله يسر لنا الامر لازالة معظم هذه العلامات وتوضيح الكثير من النقاط ..
والآن سجن الوادى الجديد كان اول سجن تعقد فيه الندوات فقد كان هناك تخوف من اخراج جميع من في السجن لحضور الندوات في مكان واحد فتم الاتفاق فى البداية على ان تتم المحاضرات فى احدى صالات الإدارة والتى تسع حوالى أربعمائة فردا فقط .. وتم اختيار حوالى خمسة وثلاثين اخا من كل عنبر .. وتحدث فيها كل قادة الجماعة السبعة فيما يزيد عن ساعتين ونصف الساعة
وكانت الندوة الاولى تدور حول العناصر الرئيسية للأبحاث للكتب الجديدة .. مما يعطى فكرة إجمالية عن موضوع المبادرة وفكر المراجعة وقد تمت هذه الندوة بشكل منظم جدا من قبل ابناء الجماعة ..
بعد نجاح الندوة الاولى تم الانتقال الى صورة اخرى للندوات تسمح لجميع الاخوة بالسجن بالاستماع المباشر للندوات مع مراعاة الجانب الامنى فى عدم جمع السجن فى مكان واحد ...
وكانت الصورة الجديدة هى تجميع كل عنبرين متجاورين عبر دائرة تلفزيونية واحدة على ان تتم المحاضرة فى عنبر ويتابع العنبر المجاور من خلال الدائرة التلفزيونية .. وعلى اثر ذلك قمنا بتقسيم انفسنا الى خمس مجموعات , ويتم شرح كتب المبادرة والرد على التساؤلات من خلال هذه المجموعات وعبر الدوائر التلفزيونية .
فكانت فرصة طيبة للتحاور والرد على اى تساؤل .. وتوصيل سلسلة تصحيح المفاهيم بيسر ووضوح الى حبات قلوبنا .
وحقا فلقد تغير الوجه القبيح لسجن الوادى الجديد فى ايام معدودة . وهذا انما هو محض فضل الله علينا ... ولعل من عاش فى سجن الوادى الجديد هو وحده الذى يدرك حجم ومعنى هذه التغيرات .. فليس المخبر كالمعاين .. لذا سادع احد قاطنى سجن الوادى الجديد وهو الاخ حسام فاروق ـ من محافظة المنيا ـ يتحدث لنا عن هذه النعم يقول :
ان التغيرات العظيمة التى حدثت خلال ايام للمعتقلين بسجن الوادى كانت وبلا مبالغة أعظم من الأحلام .. فقد كان منتهى تصور او حلم المعتقلين ان اقصى تحسين للسجن لن يزيد عن وقف التفتيشات الدورية وتكون على فترات متباعدة , وان تكون الزيارة من خلال سلك واحد يفصل بين المعتقل واهله .. ولكن ما حدث بالفعل خلال ايام كان ضربا من الخيال .
بل ان الخيال نفسه لم يكن ليصل لتلك النتائج التى حدثت فكانت هذه الأيام لدى المعتقلين هى من ايام الله ونفحاته التى يمن الله بها على عباده من حيث لا يحتسبون ..
ولعله من المناسب ان نتحدث عن هذه النعم من باب(واما بنعمة ربك فحدث)
فالحديث عنها يقودنا الى شكرها والحفاظ عليها .. ونحن نعلم ان نعم الله على المعتقلين فى سجن الوادى لا تعد ولا تحصى ولكننا سنضرب بعض امثلة لها : فوجئ المعتقلون فى الزيارة ذات يوم بخبر سعيد وهو ان العدد الكبير فى الزيارة سيتم تقسيمه على دفعات وسوف يتحسن وقت الزيارة ( لم يكن وقت الزيارة يزيد عن عشر دقائق ) .
ثم افتتاح كافتيريا بها ما يحتاجه المعتقلون من أطعمة إضافية . السماح بدخول الصحف , وقد كان اليوم الذى امسك فيه المعتقلون اول جريدة يوما مشهودا عندهم .
وتاتى اعظم نعمة عند المعتقلين وهى رؤية اهليهم وجها لوجه والجلوس معهم فيما يسمى بمصطلحات السجون زيارة بطانيه تم السماح بدخول كل الاشياء فى الزيارة واصبحت قائمة الممنوعات قاصرة على الادوات الحادة وما شابهها
تم زيادة وقت الفسحة حتى اصبح من الثامنة صباحا حتى الخامسة مساء .. وتم السماح بخروج كل غرف العنبر مع بعضها البعض فى تريضات العنبر ا.هـ
هذه هي صورة حية نابضة بكم الخير الذي أفاضه الله على سجن الوادي الجديد خلال أيام قليلة لتكون إيذانا بانتهاء محنة سنوات طويلة قاسية ..
لكن فبل إن ننهى سويا ـ آخى القاري ـ رحلة الوادي الجديد لننطلق سويا إلى سجن أخر .. كان لابد من التوقف عند بعض اللقطات المؤثرة والتي تركت بصماتها على مشاعر وأحاسيس الجميع سواء من المعتقلين أو من القيادات الأمنية .
فهذا عم احمد سليم كهل من سوهاج قارب الستين من عمره مبتور الذراع واشتعل شعر رأسه شيبا بالإضافة إلى إصابته بالعديد من الإمراض الأخرى .. وعندما رأته القيادات الأمنية تم عرضه على الأطباء المرافقين للرحلة , فتم استصدار قرار بالإفراج عنه من بوابة السجن وسط فرحة كبيرة للمعتقلين واستبشار بقرب الفرج .
وإثناء انعقاد الندوة الختامية .. وبعد صلاة المغرب انتابت احد الإخوة وهو الأخ عبد الفتاح يوسف حالة صرع , حمله على أثرها اثنان من إخوانه إلى خارج مكان الندوة .. فلما رأته القيادات الأمنية سارعوا بإحضار الطبيب المرافق والذي قام بالكشف الكامل عي الأخ , وقام بالاطلاع على التقارير الطبية الخاصة به فوجد انه يعانى من بعض الإمراض الأخرى فتم استصدار قرار بالإفراج عنه صحيا , وتم الإفراج عنه بعد ذلك .
ولا انسي قصة الأستاذ رمزي أبو زيد ـ المدير بالتربية والتعليم بمركز ديروط مسقط راسي والذي نادي على واستقبلني استقبالا حارا واخبرني انه كان مدرسي فى فترة الابتدائية ـ وكان الرجل قد أثرت سنوات عمره الطويلة فيه .. فتأثر تأثرا شديدا لحالته خاصة بعد إن اخبرني بان ابنه علاء يوجد هنا فى السجن ولم يره منذ سنوات ويريد الجلوس معه .. وتم تجميعهما فى غرفة واحدة ..
وكذلك تم تجميع الأشقاء والأقارب مع بعضهم البعض فكانت فرحة عظيمة .. والجدير بالذكر انه قد تم الإفراج عن الأستاذ رمزي ,بعد ذلك بفترة وجيزة .
ومن القصص المؤثرة والطريفة فى الوقت ذاته التي حدثت فى سجن الوادي الجديد .. قصة احد إخواننا ويدعى احمد .. وكان له من الذرية ثلاث بنات (شيماء , هدى ) وقد تركهما وكبراهما تبلغ من العمر ست سنوات والأخرى أربع سنوات , إما ( أسماء ) فكانت لا تزال رضيعة .. وعندما تم فتح الزيارة ( بطانية ) لقي احمد زوجته ومعها طفلة صغيرة فظن أنها هدى فأسرع يحتضنها ويقبلها ويقول : هدى حبيبتي , فإذا بزوجته تشير إليه بإيماءة بسيطة وتقول له : شفت أسماء حلوة ازاى , فعرف انه أخطا وان هذه صغرى بناته وقد كبرت فضمها لصدره فرحا بها ولكن نظر سريعا لزوجته متسائلا : أهذه أسماء ؟! وأين شيماء وهدى ؟! فإذا بفتاتين كبيرتين تقبلان عليه وهما يرتدان الحجاب , فإذا به يغض البصر عنهما فى الوقت الذي تقول له زوجته : أدى شيماء وهدى .. فنظر إليهما وهو فى شبه ذهول , ولا يدرى كيف يتصرف معهما وهو يريد إن يحتضن بناته ويقبلهن ولكنه محرج فقد كبرن وهو لا يعرف من هي هدى ومن هي شيماء ؟! .. يقول هذا الأخ : لقد تماوجت فى صدري مشاعر شتى وتضاربت ما بين الفرح والحزن واغروقت عيناي بالدمع
وبعد ... فقد صارت حكاية الأخ احمد أقصوصة تسير بين العنابر تمتزج فيها الطرفة والدمعة .. وأصبح إخوانه إذا أرادوا يقولون له مين شيماء ومين هدى!!
واذهلنى كما أذهل الجميع وجود الكثير من كبار السن الذين انحنت ظهورهم , ووجود أقزام أجسامهم اقل من أجسام الأطفال ووجود الكثير من أصحاب العاهات ...
انقضت أيام رحلتنا إلى سجن الوادي الجديد سريعة ..وجاءت لحظات الوداع المؤثرة والتي أبكت قلوبنا وأسالت الدمع من مآقينا .. وفى ساحة كبيرة تتوسط سجن الوادي وفى هداة الليل وسكونه وعلى الأضواء الكاشفة خرج المئات من المعتقلين لأول مرة فى سجن الوادي الجديد بل فى سجون مصر .. فى هذا الوقت وبهذه الإعداد ينسلون إلى الساحة الكبيرة .. أنصتوا باهتمام وشغف إلى كلماتنا الأخيرة .. التي وضعت النقاط فوق الحروف ..
انتهى اللقاء .. ووددنا لو احتضناهم واحدا وحدا شوقا ووداعا ولكن حسبنا إن القلوب قامت بذلك الأمر ..
عدنا إلى حافلتنا التي هي جزء من قافلة العودة .. انطلقت القافلة تركناه خلفنا .. كلما ازددنا بعدا عنه كلما ازداد صغرا وضالة .. حتى صار نقطة تلاشت بعد فترة .. انطلقنا وقد تجدد الأمل فينا فى نجاح التجربة فى كل مكان فى ربوع مصر ..
وعود على بدء .. عدت مرة أخرى إلى الصحراء بامتدادها مد البصر .. أطلقت العنان لبصري فيها باذلا جهدي لاستشراف ما فى غد , والذي ارجوه غدا مشرقا جميلا لبلادي .. غد تظلله سحائب الحب والود .. وتنتهي فيه الثارات والأحقاد من الصدور ... غد تشرق فيه شمس العافية على الجميع .. أمل عظيمة تحتاج إلى جهد ضخم .. و هو ما نذرنا له أنفسنا .. و الله يتقبل منا ..
| الإسم | |
| عنوان التعليق | الحمد لله |
| لذالك فليدوب القلب من كبد انا كان فالقلب لسلام وايمانو |
عودة الى المبادرة
|