English | اردو
  الرئـيسـية من نحن مشرف الموقع اتصل بنا سجل الزوار
  وراء الأحداث: متى يتم العدل فيك يا مصر ؟ - بيانات: بيان الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين - الأسرة المسلمة: يوميات صحفية سكندرية (3) أيها الوطنيون: اتحدوا لمواجهة الفوضى - مقالات: معادلات فك شفرة الطرف الخفي - وراء الأحداث: بين شرعية الميدان والبرلمان - اللقاء الأسبوعي: ج1 حتيتة: أزمة اليسار انفصاله عن الواقع .. ومبارك اعتبر توشكى مشروعه القومى - ديوان الشعر: كمّل جميلك.. إلى: أنس أصغر شهداء مباراة بورسعيد - الطريق الى الله: أحداث بورسعيد شؤم على فاعلها - وراء الأحداث: الناخبون يطالبون بإلغاء الشورى - الأسرة المسلمة: لا لتسليم السلطة لمجلس الشعب ونعم لتسليمها لرئيس منتخب - متنوعات: د/ ناجح: الإسلام يبيح التعددية الأخلاقية وصباحي: ندفع مهرًا لعرس كبير - قضايا معاصرة: رسالة الثورة المصرية.. ومهمة الحركة الإسلامية - اللقاء الأسبوعي: م/ محمد محمود مهنى: التعليم يحتاج إلى ثورة لننهض بوطننا - اللقاء الأسبوعي: خالد صلاح: الثورة حصاد نضال الشعب المصري بجميع تياراته المختلفة ـ الجزء الثانى -  
الاستطــــلاع
هل توافق على الاشتراك فى إضراب 11 فبراير ؟
نعم
لا
لا أهتم
اقتراعات سابقة
القائمة البريدية
ادخل بريدك الالكترونى
القرآن و علومه
الحديث وعلـومه
بيانات
  • بيان الجماعة الإسلامية .. الله الله في مصر
  • بيان الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
  • ديوان الشعر
  • كمّل جميلك.. إلى: أنس أصغر شهداء مباراة بورسعيد
  • بعد ثلاثين عاما ً.. العرب يردون على نزار قبانى ويكتبون تاريخ ميلادهم
  • الأخبار
  • قراءة في صحف عربية الخميس 2012/2/9
  • قراءة في الصحف الأجنبية الخميس 2012/2/9
  • من التاريخ
  • مقال الموجز : ناصر والسادات ومبارك.. ومقاس مصر عليهم
  • مقال جريدة أهل مصر .. نكسة يونيه ونصر أكتوبر في عقول الأجيال
  • المبادرة

    رحلــة الفيـــوم ..ذكريــات وشجــــون.

    إما عن رحلة الفيوم فسأدع احد الإخوة والذي كان معتقلا آنذاك فى سجن الفيوم , يروى إحداث هذه الرحلة 

    وهو الأخ  سمير العركى .. من محافظة الاسماعلية .حيث يقول  لم تكن الدموع المنسابة من عيون أبناء الجماعة الإسلامية فى باحة سجن الفيوم وهم يرون مشايخهم وقادتهم ــ ربما لأول مرة فى حياتهم مجرد قطرات فجرتها مشاعر وقنية لحظية .. بل كانت هذه القطرات غيضا من فيض من مشاعر مختلفة تتماوج داخل الصدور وتتدافع لتصنع بركانا هائلا من الحب والتقدير الإحساس ببدء انفراج أزمتهم التي طالت واستحكمت .

    وكانت الصور والمشاهد تتدافع إمام أعينهم وهم يستمعون إلى مشايخهم فى طرح مبادرتهم التاريخية التي ستضع حدا فاصلا وحاسما لحقب طويلة من الصراع بينهم وبين دولتهم , أريقت فيها الدماء .. وأزهقت فيها الأرواح .. وترملت نساء .. وتيتم أطفال .. وعلا صوت البكاء والنحيب فوق الأجزاء كثيرة من مصر .. وانعكس كل هذا على السجون بمن فيها .. فأغلقت الأبواب .. ووصدت الزنازين .. وحيل بين الشباب وبين ذويهم .. لم يكن هذا المشهد هو الأول فى هذه الحكاية الجميلة , ولكن سبقه مشاهد مهدت لحضور المشايخ والقادة إلى سجن الفيوم ...

    مع إن أبناء الجماعة قد عاشوا محنة واحدة إلا أنها اختلفت فى بعض تفصيلاتها من سجن إلى أخر ... فقد كان سجن الفيوم يتميز عن بقية السجون بحسن المعاملة اى حد ما , إلا انه كان معروفا بأنه سجن ( الفقر ) فمنذ افتتاح السجن فى مايو 1995 حتى يناير 2000 لم تفتتح الزيارة فى هذه المدة إلا أشهر قليلة لم تسمن ولا تغن من جوع , بالإضافة إلى قلة النعيين فيه حتى الخبز اليومي كان عبارة عن ثلاثة أرغفة فقط .. فكانوا يقسمون على الوجبات الثلاث بمعدل رغيف لكل وجبة .

    ورغم كل هذا فقد كان الكثيرون من أبناء الجماعة الإسلامية يطلبون الذهاب إلى الفيوم نظرا لحسن المعاملة .

    وقبيل حضور القادة والمشايخ إلى سجن الفيوم كانت إرهاصات الفرج تبدو بشائرها فى الأفق القريب , تبدو للناظر دون عنت أو مشقة .. فلقد كانت الإنباء تتردد قوية فى السجن عن قرب تعديل نظام الزيارة لتكون من خلف سلك واحد بدلا من سلكين .. سلك يقف خلفه المعتقل والأخر على بعد ما يقرب من متر يقف خلفه أهله وذووه .. وكانت المأساة تتفجر عندما تبدا الزيارة وتتعالى الأصوات وتختلط الكلمات ولا يكاد احد يتبين ما يقوله الأخر .. فباتت القلوب تهفو إلى ذلك اليوم يقف فيه المعتقل فى الممر بين السلكيين ويزور من خلف سلك واحد , ولكن الله الرحمن الرحيم كان يدخر لعباده ما لا يتوقعون وأكثر واعلي مما يتمنون .

     فقد جاء يوم السبت 25 أكتوبر 2001م ليحمل معه عصرا جديدا .. خرج المعتقلون فى ذلك اليوم إلى الزيارة كالمعتاد يحدوهم الأمل فى تحقيق الإشاعة المنتشرة إن تتم الزيارة من خلف سلك واحد .. فدخلت الدفعة الأولى ولم تجد جديدا فالزيارة كما هي من خلف السلكيين فساد الحزن برهة ثم طغت إحداث الزيارة فنسى القوم أمانيهم وتاهت الأحلام مع واقع الزيارة المشاهد ..

    وأيقن القوم إن اليوم كسابقه وقد لا يختلف عن لاحقه كثيرا .. ثم دخلت الدفعة الثانية وتمت الزيارة ثم خرجوا .. وفى هذه اللحظة تلاحقت الإحداث بسرعة رهيبة لم يتوقعها أكثر المتفائلين .. فلقد نادت إدارة السجن على ذات الدفعة مرة أخرى وأدخلوهم على السلك ثانية فذهل الجميع فهي حركة غير مسبوقة , ولكن نسى الجميع حساباتهم مع رؤية أهليهم وذويهم .. وفجأة دخل إلى قاعة الزيارة لفيف من القيادات الأمنية .. فساد الصمت المكان والكل ينتظر فى لهفة ما ستسفر عنه هذه اللحظة .. وبسرعة غريبة أمر احدهم بإحضار المعتقلين من خلف السلك للجلوس مع أهليهم وذويهم .. فخر القوم سجدا شكرا لله رب العالمين .. وكانت لحظات اللقاء مؤثرة اختلفت فيها الدموع بالزغاريد .. وذابت مرارة محنة سنوات فى أحضان الأمهات والإباء .. وتعلق الأطفال بإبائهم الذين غابوا عنهم وهم مازالوا فى المهد بل وبعضهم كان لا يزال جنينا لم ير النور بعد ... وعندها وصل الخبر إلى العنابر .. ارتجت العنابر بالتكبير وارتفعت أصوات التهليل .. ثم توالت الإحداث وتعاقبت بسرعة غريبة لم تسمح لأحد إن يتوقف ليحلل ما يحدث .

    فى اليوم التالي تم تعديل نظام الفسحة ليخرج كل أربعة أو خمسة غرف مع بعضها .. وأصبح من المعتاد سماع أصوات الزغاريد تنطلق من مكان الزيارة لتطرب الأذان .. ثم تم تجميع أبناء الجماعة الإسلامية فى أربعة عنابر فقط .. والناس فى دهشة لا يدرون ما الذي يحدث .. ثم انتشرت شائعة فى السجن بأنه من المحتمل إن تكون هناك ما يشبه بندوات ستعقد فى السجن  .. و فى وسط ضباب الحيرة الذى يلف سجن الفيوم وردت بعض الإنباء غير المؤكدة إن قادة ومشايخ الجماعة الإسلامية قد غادروا سجن ليمان طره وذهبوا إلى سجن الوادي الجديد لإلقاء ندوات على أبناء الجماعات هناك وان الجماعة هناك وان موضوعات هذه الندوات تدور حول ما حدث فى السنوات الماضية من إحداث أدت إلى الصدام بين الشباب وبين دولتهم

    كانت المعلومات ناقصة غير مؤكدة ولكنها بددت بعض الغموض الذي يلف السجن لفا .. ومضت الأيام واضحي مجيء القادة والمشايخ إلى سجن الفيوم حقيقة شبه مؤكدة .. وتداخلت الإحداث و تشابكت و لم تدر القلوب باى الأمور تسر  .. الفتح الزيارة ؟! و رؤية المرء لمن يحب والذي كان يهش القلب عند سماع حدوثه فقط أم لانتظار الغائب الحبيب هؤلاء النفر الكرام الذين أحبتهم القلوب دون إن تراهم .. وسعدت لسعادتهم وتألمت لحزنهم دون إن تعيش معهم وأولئك الذين تربى الجمع على أيديهم دون إن يجلسوا بين أيديهم مرت الأيام المتبقية على مجيء المشايخ والقادة ثقيلة متباطاة على نفوس الجميع ..

    ومع كل اشراقة شمس كان السؤال المعتاد .. هل حضر المشايخ أم لا ؟ .. وبعد مضى ما يقرب من أسبوعين تحقق الحلم ! .. وها هم القادة والمشايخ يحطون رحالهم فى سجن الفيوم فى مساء السبت 8/11/2001م .. و فى هذه الليلة شعر سكان العنابر بحركة غريبة فى السجن وما هي إلا لحظات وانتشر الخبر فى السجن بسرعة البرق وهشت القلوب وانتشت الأرواح .. وانتظر الجميع مجيء الصباح لرؤية اعز الناس .. وقانت إدارة السجن فى الليلة ذاتها بناء على طلب القادة والمشايخ بإحضار مسئولي السجن وابرز أبناء الجماعة المتواجدين فى السجن .. كان اللقاء حار تعجز الكلمات عن وصفه أو حده .. استقبل القادة والمشايخ مسئولي السجن بكل مشاعر الأبوة الحانية ثم أجلسوهم وبدئوا يشرحون لهم ببعض الإيجاز طبيعة المهمة التي أتوا من اجلها وإنهم ما أتوا إلى الفيوم إلا أتفعيل مبادرتهم التاريخية الداعية إلى وقف العنف والتي اطقوها عام 1997م , وأوضحوا لهم أيضا بكلمات موجزة أنهم ما أطلقوها إلا إتباعا للحق .. وبغية للصلح بين المسلمين .

    انفض اللقاء الأول فى مستشفى السجن وبدا للجميع إن السجن مقدم على أيام مفعمة بالإحداث .. مليئة بكل ما هو جديد ومثير .

    وفى اليوم الثاني نزل القادة والمشايخ إلى العنابر للسلام على جموع الإخوة وكانت اللقاءات مثيرة للعواطف والأحاسيس الجياشة .. اختلط فيها بكاء الإخوة بالدعاء لمشايخهم وقادتهم إن يوفقهم الله فيما هم قادمون لأجله .

    وعلى مدار يومين بعد ذلك لم يكن الأمر قد استقر على كيفية حضور كل السجن للندوات .. ولعل من نافلة القول إن نذكرك ــ آخى الكريم ــ بان سجن الفيوم كان من طليعة السجون التي عقدت فيها الندوات بعد سجن الوادي الجديد , ولم يمر على فتحه سوى عدة أيام ولم تكن هناك إمكانيات مادية متوفرة لدى الإخوة لإعداد لافتات وتزين المكان مثل السجون الأخرى التي حدثت فيها هذه الأمور .. ذلك رغم توفر الإمكانيات لبشرية فى السجن .

    وفى رابع أيام حضور القادة والمشايخ كان الرؤى قد استقرت على خروج السجن كله بعد أن تم تجربة خروج بعض أبناء الجماعة واثبتوا حسن تنظيمهم وحرصهم على إتباع التعليمات . وبالفعل تم تهيئة ساحة السجن لجلوس ما يقرب من إلف ومائتين من أبناء الجماعة .. وضرب أبناء الجماعة مثالا رائعا فى النظام والترتيب وجسن إتباع تعليمات إدارة السجن مما استحقوا به إشادة الجميع على هذا الخلق القويم .. كان الموقف رائعا وكل هذا العدد يخرج بيسر وسهولة ويرجع إلى غرفة بسهولة ويسر .

    كان اللقاء الأول بين كل هذا العدد وبين قادتهم ومشايخهم مؤثرا تأثيرا بالغا .. اختلطت فيه مشاعر شتى .. وتماوجت .. فبعد إن أدى الجميع صلاة العصر نزل القادة والمشايخ إلى ساحة الندوات فاشرأبت الأعناق ولولا تنبيه سابق من الشيخ  صفوت عبد الغنى لتدافعت هذه الجموع نحو مشايخهم وقادتهم الذين ظلوا طيلة أعمارهم يسمعون عنهم ومعظمهم لم يروهم حتى مجرد الرؤية ..

    ظل هذا اللقاء محفورا فى اذهان جميع من حضوره .. ومازال دف الكلمات يسرى فى ابدأنهم .. جلس الجميع بعد صلاة العصر وبعد اخذ القادة أماكنهم خلف المنصة المعدة لهم ..هدات الأنفاس فى المكان وتركزت الإبصار على المنصة تنتظر الكلمات والعبارات التي ستخرج من هذه القلوب وتلكم الألسنة .

    كان الشيخ  كرم زهدي يتوسط المنصة وعلى يمينه ويساره جلس بقية القادة والمشايخ هم الشيخ  ناجح إبراهيم , والشيخ  أسامة حافظ , والشيخ  عاصم عبد الماجد , والشيخ  عصام الدين دربالة , والشيخ  على الشريف , والشيخ  فؤاد الدواليبى

    وما إن امسك الشيخ  كرم زهدي بالميكروفون حتى بدا الجميع وكان الكلمات تعرف طريقها إلى القلوب وتحفظه كان الشيخ يتحدث بخبرة الشيوخ وحماسة الشباب , بدا يوضح للجميع مدى قسوة أيام حقبة التسعينات على البلاد , وما خسرته الجماعة الإسلامية فى هذه الفترة وما خسرته البلاد من سمعتها واقتصادها ومدى النكبات التي أصابت الدعوة والدعاة إلى الله .. ومضى الشيخ يعلن بقوة للحاضرين إن هناك من كان على استعداد للنضال حتى أخر قطرة من دمائنا .

    ثم بدأت حرارة اللقاء تتصاعد شيئا فشيا عندما التقط الشيخ  ناجح إبراهيم الميكروفون ليطلق كلماته المدوية التي تبث الحماس فى جموع الحاضرين ..

    أطلقناها من أجلكم .. أطلقناها من اجل الأرامل والثكلى .. أطلقناها من اجل اليتامى .

    وبلغ اللقاء ذروته وصوت الشيخ  عصام دربالة بنبرته المؤثرة الحزينة ينادى على الجميع فى أبوة حانية .. وإخوة صادقة :

    إناديكم        .. اشد على أياديكم        ..       اقبل الأرض تحت إقدامكم ..

    وأقول أفديكم    .. و أهديكم ضيا عيني          ودفء القلب أعطيكم ..

    فماساتي التي أحيا       . نصيبي من ماسيكم وامالى التي أرجو.تحقيق أمانيكم

    فجاوبه الدمع مد رارا من ماقى الحاضرين .. واستبشرت القلوب بإنتهاء الام ومحن سنين .. وود الجميع لو فدوا الشيخ بأرواحهم واغلي ما يملكون .

    وتحدث الشيخ عاصم عبد الماجد بعباراته الموجزة البليغة .. وضرب للإخوة المثل والقدوة فى التجردد عندما قال لهم : أخ من سجن الوادي الجديد قال لي كلامك هذه الذي تقوله ألان مخالف لبعض ما كتبته من ذي قبل . فقلت له ( اى الشيخ عاصم ) لا تحاكمني بما كتبته من قبل ولكن حاكمني بالكتاب والسنة .

    انفض القاء الأول بين حرارة اللقاء .. وقوة الكلمات .. وتدفق نهر الحب بين القادة وبين أحبائهم من أبناء الجماعة . وكان عنوانه العريض

    مبادرة وقف العنف .. رؤية شرعية ونظرة واقعية  .

    ثم تكررت اللقاءات المجمعة على مدار يومين تاليين وتناول فيه القادة موضوعي  حرمة الغلو فى الدين وتكفير المسلمين و تسليط الأضواء على ما وقع فى الجهاد من أخطاء ..

     ثم دخل شهر رمضان بخيره وبركاته .. يحمل معه البشرى .. ويسوق فى أيامه العطرة الأمل لهذه الجموع إن محنتهم فى طريقها للزوال .. وان شمس العافية لا يحجبها إلا بعض غمائم المحنة والتي ستنقشع عما قريب .. جاء رمضان ليتنسم السجن نسائمه العبقة ويسترح الجميع فى رياضة .. ويقف القادة ليلتقطوا أنفاسهم لمدة يوم واحد .. وفى هذا اليوم يتم ذبح عجل ابتهاجا بالمناسبتين .. دخول شهر رمضان و المبادرة..

    وبعد ذلك تم استئناف الندوات , ولكن داخل العنابر .. وكما أسلفنا القول فقد تم تجميع أبناء الجماعة فى أربعة عنابر فقط تسهيلا لإلقاء المحاضرات داخل العنابر .. وكان يتم تقسيم القادة والمشايخ إلى أربع مجموعات وبصحبتهم مجموعة من الإخوة من كبار الإخوة بالسجن , وكانت المحاضرات تبدا عقب صلاة التراويح وقد تستمر إلى حوالي الساعة الثانية بعد منتصف الليل . وقد استمرت محاضرات العنابر ثلاثة أيام تم تخصيصهم لاستكمال أبحاث المبادرة المتبقية وهى  النصح والتبيين فى تصحيح مفاهيم المحتسبين  و  إيضاح الجواب .. سؤالات أهل الكتاب  .. وذلك على مدار يومين وتم تخصيص اليوم الثالث للرد على أسئلة واستفسارات الإخوة .

    كانت لقاءات العنابر فرصة طيبة للقاء القادة والمشايخ بأبناء الجماعة والجلوس إليهم وجها لوجه .. لقاءات تلاشت فيها المسافات وتدانت الأرواح , وأرهفت فيها الإسماع .. فى جو معبق بشذا رمضان .

    لقاءات ظهرت فيها عظمة التربية .. وحسن وفاء الأبناء لقادتهم ومشايخهم .. لم يكن أبناء الجماعة كما ظن بعض المتابعين للمبادرة من الكتاب والصحفيين امعه فى ايدى مشايخهم .. أو عرائس احكم القادة شد الخيط عليهم ومن ثم توجيههم يمنة ويسرة .. ولكنهم استمعوا وأنصتوا .. وبعد ذلك سألوا وحاوروا  وفى بعض الأحيان طغت حرارة الأسئلة على برودة الجو ومع ذلك لم يتجاوز احد فى لفظة أو ينسى انه يناقش أستاذه وشيخه .

    كان البعض ممن لم يخبروا طبيعة الإسلام ولم يتربوا على مأدبته يظنون أو يتمنون إن يتحول النقاش بين القادة وأبناء الجماعة إلى مكالمة بيزنطية أو مجادلات سوفسطائية .. او يتحول إلى تراشق بالألفاظ وعدم احترام لهذا لو ذلك  ولكنه الإسلام انشأ نفوسا ترعى وداد لحظة .. وتنتمي لمن أفادها لفظة .. تحب الحق وتبحث عنه  وإذا عثرت عليه فهو ضالتها المنشودة . وبغيتها المامولة ..

    كانت هذه المعاني السامية تظلل أجواء النقاش رغم سخونته .. سال أبناء الجماعة قادتهم ومشايخهم عن سبب تأخر المبادرة .. وعن مصير القتلى الذين راحوا ضحية الإحداث .. وعن حكم الحكام الذين يحكمون بغير ما انزل الله .. وعن .. وعن .. جاء القادة والمشايخ إلى سجن الفيوم ليفجروا التساؤلات والاستفسارات .. ويزحزحوا ما كان يظن انه من المسلمات .

    هكذا سارت الأسئلة والنقاش .. وجاء الوداع .. وكما كان اللقاء مؤثرا كان الوداع دامعا .. تأثر به كل من حضره .. كان أبناء الجماعة فى سجن الفيوم يشعرون أنهم يحيون فى حلم جميل .. وما احلي الحلم فى حياة الأسير حتى إن الأسير لا يحب الاستيقاظ من نومه , وتكون  اقسي الأوقات عليه إذا انتبه من نومه ووجد نفسه مازال حبيسا بين الجدران .. كان أبناء الجماعة ينظرون إلى قادتهم ومشايخهم الذين أحبوهم قبل إن يروهم وارتبطوا بهم أكثر وأكثر .. وهم يلقون إليهم وصايا الوداع.. وهم لا يصدقون أنهم لن يروهم ثانية .. اختلطت حرارة الوصايا بالدمع السخي المنسال بلا وعى من الحاضرين .. ظلت الإبصار معلقة بمشايخهم وقادتهم وهم ينهضون من جلستهم ويقفون تجاههم يلوحون لهم بأيديهم ويوجهون لهم عبارات السلام والتوديع .. وما هى الا لحظات ويعود الأسير إلى جدران وحدته .. يعيش مع أيام صارت ذكرى .. و لونطقت جدران محبسه لسالها وحاورها لعلها ترق لحاله وتحدثه عن أحبة كرام عليه .. هنا وقع إقدامهم .. وهنا رجع الجدران صدى أصواتهم .. وما بين السلام والتوديع .. غادر القادة والمشايخ العنابر فى أخر يوم والذي عقدت فيه الجلسة بعد الظهر بقليل واستمرت حتى بعد العصر بقليل .. وقفلوا راجعين إلى مستشفى السجن مقر إقامتهم بصحبهم كبار الإخوة فى السجن والذين ظلوا ملازمين للقادة والمشايخ طيلة إقامتهم بالسجن ..

    وهنا لنا وقفة بسيطة مع مستشفى سجن الفيوم .. فهذا المكان ارتبط اسمه بالمبادرة والأيام التي قضاها القادة و المشايخ فى سجن الفيوم .. فلقد أعدت إدارة السجن الطابق الثاني من مستشفى السجن لإقامة المشايخ وتم تهيئة بما يوفر جوا من الراحة للمشايخ يساعدهم على تأدية مهمتهم النبيلة التي أتوا من اجلها .. و لقد استغل القادة و المشايخ وجودهم بالمستشفى استغلالا طيبا إذ كانوا يستغلون فترة الصباح حتى موعد بدء المحاضرات فى حل مشكلات الإخوة المختلفة وكانوا يلتقون بأصحاب المشاكل على اختلاف مطالبهم .. يستمعون إليهم .. و يبذلون قدر طاقتهم لحل هذه المشكلات .. أو تدوينها وتبويبها ومن ثم عرضها بعد ذلك على الأجهزة الأمنية لحلها .. من يصدق إن مشاكله ستحل بهذه الصورة الميسرة , ولكن الله يسر .

    ولا أخال جلسات الليل ستنسى من أذهان إخوة السجن الذين لازموا القادة والمشايخ .. إذ كان الشيخ  ناجح إبراهيم رغم تعبه الشديد طيلة اليوم يأبى إن يمر عقب انتهاء الندوات و المحاضرات دون عقد جلسة مع إخوة السجن يحدثهم فيها عن المبادرة وأهميتها ومدى فداحة الصدام مع الدولة وما جلبه من شر عظيم ومدى صعوبة أوضاع المسلمين شعوبا وحكومات بعد إحداث الحادي عشر من سبتمبر .. كل ذلك فى صورة دردشة ظريفة تدفع الملل والسام عن النفوس .

    و لكن .. ما كان هذا لحلم الجميل ليستمر .. فلابد من وقت ينتهي فيه هذا الحلم , وقد كان .. فكما استيقظ من فى العنابر منذ قليل على انتهاء حلمهم استيقظ من لازموا وعاشوا مع قادتهم ومشايخهم من حلمهم الجميل .. و كان وقعه على نفوسهم اقسي واشد .. فعندما رجع الجميع إلى مقر إقامتهم فى مستشفى السجن بعد انتهاء محاضرات اليوم الأخير شرع القادة و المشايخ فى حزم أمتعتهم استعدادا للرحيل , وبقية الإخوة ينظرون إليهم بحزن واسى ويتمنون حدوث اى شيء يعطل رحيل مشايخهم .. وتناول الجميع طعام الإفطار ثم أدوا صلاة العشاء وبعض ركعات من صلاة التراويح .. و قلوب الجميع تتمنى لو تأجل الرحيل أو لنقل ألفى الرحيل .. ولكن .. لكل شيء إذا ما تم نقصان .. والحلم يبدو انه اكتمل

    و جاءات لحظة الوداع .. وحضرت لحافلة التي ستقل المشايخ إمام باب المستشفى .. واستيقظ الجميع على إنهاء حلمهم .. وتجرعوا مرارة الفراق .. وتعانق الجميع بصورة مؤثرة اهتزت لها قلوب من فى المستشفى بما فيهم رجال الأمن .

    تعانق الجميع وتعاهدوا إن يسيروا على ما وضحه لهم مشايخهم .. وان يبدؤوا صفحة جديدة عنوانها  الحب للجميع  .. وان يشمروا عن ساعد الجد لبدء مشوار طويل من الشرح والتدريس والفهم والتبيين لكتاب المبادرة للمئات من أبناء الجماعة فى سجن الفيوم ..

    كانت المهمة ثقيلة .. والمشوار صعب طويل , ولكن لابد من قطعه .. استقل القادة والمشايخ الحافلة .. ودوى هرير المحركات فى فناء السجن ليعلن عن انتهاء الرحلة .. بل عن انتهاء الحلم .. وغابت الحافلة خلف المباني وشقت طريقها وسط ظلمة الليل لتحط رحالها قليلا ثم تواصل سيرها الذي بدأته من سجن الوادي الجديد .. تطرح مبادرتها وتحاور أبناءها .. وبقت الذكرى يفوح عبيرها فى سجن الفيوم .. تذكر الرائحين والغادين بذكريات حلم جميل ...

     

     

     

     

     

     



    عودة الى المبادرة

    قضــايا شرعـــية
    منبر الدعوة
    واحـــة الأدب
    خدمات الموقع