|
كلمات من المحاضرات ... الجزء الاول
ـ الشباب المسلم سمع كثيرا عن الحث على الجهاد ، ولم يسمع في مقابل ذلك الكثير عن ضوابطه ، و لم يسمع كذلك الكثير عن موانعه ، و لم يسمع كذلك متى يجب وقف القتال و منعه ، و لم يسمع كذلك كيف يكون الامتناع عن القتال أحب إلى الله و أقرب للدين و أفضل للمسلمين ، و متى يكون الامتناع عن القتال موافقاً للشرع نصه و روحه ، و موافقاً لصحيح الدين .هناك مؤلفات كثيرة تتحدث عن الحث على الجهاد ، و هناك خطباء كثيرون يتحدثون في الحث على الجهاد .. و لكن القليل من المؤلفات و الخطباء من يتحدث عن ضوابط الجهاد و شروطه و موانعه. و قد تكون علة البعض في ذلك أن الحديث عن موانع الجهاد و شروطه و ضوابطه تصد الناس عن الجهاد أو تخذلهم عنه, و قد تكون علتهم أن المجاهدين لا يخطئون و هذا يتنافى مع أولى بديهيات الإسلام ألا وهو (كل بني آدم خطاء) و أن المعصوم وحده هو رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ـ شُرِعَ الجهاد في سبيل الله لرد العدوان الخارجي على أمة الإسلام و دولته و لتحطيم عناد المحاربين لأمة الإسلام و دولته .. و شُرِعَت الحسبة لحماية المجتمع من عدو داخلي هو الشيطان الذي يريد إفساد المسلم بإخراجه من الطاعة إلى المعصية و شُرِعَت الدعوة إلى الله لنشر الدين الصحيح و توسيع رقعته و استنقاذ الناس من ربقة الضلالة و الشرك إلى رحابة الإسلام الفسيحة
ــ المبادرة هي إعمال للشرع و ليست إهمالاً له ، و هي إعمال للكتاب و السنة و ليست تركاً لهما . و هي درء للفتنة و ليست وقوعاً فيها . و هي عودة لصحيح الدين و دعوته الصافية النقية . و هي عودة لرسالتنا الأساسية في الحياة ألا و هي هداية الخلائق .
ـ المبادرة لا تعني إهدارا لفضل الصالحين من أبناء الجماعة الإسلامية و لكنها حفظ لفضلهم و صون لعطائهم .. و هي لا تعني الإساءة لأي أحد من أبنائنا فلكل الإخوة أحياءً كانوا أو أمواتاً كل حب وود و كل دعاء بالخير و العافية .. فما جئنا إلى هنا لنسيء إلى أحد .. و لكن لنبدأ صفحة جديدة بيضاء نقية مع الجميع
ـ مجرد القتال لا يدعو للفخر فالوحوش تتقاتل في البراري و يسفك بعضها دماء بعض ، و لكن ما يدعو للفخر هو أن تقاتل في سبيل الله نُصْرَةً للدين و خدمةً للإسلام و إعزازا للمسلمين و خدمة و رفعة لأوطان الإسلام القتال الذي حدث في التسعينات كان لرفع بعض المظالم التي حدثت ، و للإفراج عن المعتقلين من الجماعة الإسلامية ، و لوقف بعض الممارسات العنيفة في السجون والمعتقلات ، و إطلاق حرية الدعوة إلى الله .. فماذا كانت النتيجة ؟!..
ـ زاد عدد المعتقلين من ألفين إلى عشرين ألفاً و حكم على العشرات بالإعدام ونفذ فيهم وحكم على مئات بأحكام مختلفة وتحولت المحاكم من مدنية إلى عسكرية وضاعت دعوة الجماعة الإسلامية بالكلية بل كادت تضيع الدعوة إلى الله بالكلية وألب الشيوعيون على كل من يدعو إلى الله بدءًا بالشيخ الشعراوى و شيخ الأزهر و انتهاء بالدكتور زغلول النجار .. حتى وصفوا وزارة الأوقاف نفسها بالتطرف و طالبوا بالقبض على كل الحركات الإسلامية السلمية بدءًا بالسلفيين و التبليغ و انتهاء بالإخوان .
و ضاعت سمعة المسلمين و خاف كل شاب من ارتياد المساجد و حقق أعداء الإسلام في كل مكان أعظم المكاسب في الوقت الذي خسر فيه المسلمون أعظم الخسائر .. و زاد البلاء في السجون و خارجها و نال الحركة الإسلامية كلها الكثير و الكثير من العنت و المشقة و ما يشيب الولدان من الأهوال .. و بعد غياب الدعوة الإسلامية في المجتمع ظهرت البلطجة و البانجو و عباد الشيطان و تنظيم الشواذ ..
من يتصور في المجتمع المصري المسلم المحافظ أن يجهر الشواذ بشذوذهم و تصبح لهم جماعة يدعون إليها و يحثون الآخرين على الانضمام إليها و ينضم إليها بعض صفوة المجتمع .
ـ وقال بعض السلف : ] رحم الله رجلاً عرف زمانه فاستقامت طريقته[. ونحن بهذه المبادرة المباركة قد عرفنا زماننا و ما يتطلبه منا فاستقامت طريقتنا بهذه المبادرة و أوقفنا و مَنَعْنا هذا القتال الذي لم يحقق سوى مصلحة أعداء الإسلام والمسلمين.
ـ هناك فرق بين الثبات والعناد فالثبات على الحق هو الدوران مع الحق حيث دار , أما العناد فهو التمسك بالشيء حتى و ان تبين خطؤه
ـ يضيع الجهاد الحقيقي بين المبطلين له الذين يضيعونه بإبطاله , و بين المخطئين فيه الذين يضيعونه بالخطأ فيه ، و يكون ذلك بإغفال شروطه و عدم الاهتمام بموانعه و عدم قياس المصالح و المفاسد فيه .. و كلا الفريقين يسيء إلى رسالة الإسلام و لا يسلك نهج الأنبياء .كانت المبادرة استجابة لرؤية تستبصر الواقع حولنا في مصر و العالم . فقد انتهينا من خلال قراءة الواقع قراءة متأنية أننا بصدد مواجهة مجموعة من التحديات العديدة التي كان قرار المبادرة لإنهاء العمليات القتالية و منع العنف يمثل الاستجابة الصحيحة لها .
هذه التحديات وأخطرها ..
1ـ الخطر الناشئ من محاولات تسييد الحضارة الغربية على حساب الهوية الإسلامية انطلاقا من مقولات نهاية التاريخ و صدام الحضارات . و كانت العمليات القتالية بمصر تصب في خانة تقوية قيم الحضارة الغربية على حساب القيم الإسلامية
2ـ الخطر الناشئ من بروز سياسة الحصار و من ثم الاستئصال لتجليات الظاهرة الإسلامية سواء كانت دولة أو حركة أو أقلية ، و ذلك على مستوى استراتيجيات القوى الدولية المناهضة للإسلام . و كان استمرار العمليات القتالية يجعل المناخ مهيأ للإتمام هذا الاستئصال و إحكام الحصار .
3ـ السعي الإسرائيلي الحثيث : إما لقيادة المنطقة أو تحقيق إسرائيل الكبرى و ذلك في ظل تحريض إسرائيلي للعالم على مواجهة الأصولية في العالم الإسلامي . و كان من شأن استمرار العمليات القتالية بمصر أن يحقق لإسرائيل هدفين :التخلص من حركة إسلامية مقلقة لها .و استنزاف قدرات مصر كدولة لها دور مركزي في أي مواجهة مع إسرائيل في المستقبل ، فضلاً عن أن استمرار هذا الاستنزاف يحقق تهميش الدور المصري في المنطقة .
4- الخطر الناشئ من محاولات بعض من أقباط المهجر لتوظيف الضغوط الدولية ضد مصر لتحقيق مكاسب غير مستحقة أو غير مشروعة بدعوى أن الأقباط يتعرضون لعمليات تستهدفهم من الجماعات الإسلامية والحكومة المصرية تتستر على ذلك .
و كان استمرار العمليات التي تستهدف بعضها الأقباط يمثل ذريعة يتذرعون بها لاستمرار الضغط و الابتزاز خاصة مع إحساس هذا النفر من أقباط المهجر ببروز سياسة دولية تدعم الأقباط وتحرضهم ضد الحكومات التي يعيشون في كنفها حتى بلغ الأمر ببعض أقباط المهجر أن يطلب تَدَخُّل الأمم المتحدة لحماية الأقباط في مصر . بينما دعا البعض الآخر منهم الحكومة الأمريكية إلى تطبيق قانون التحرير من الاضطهاد الديني على مصر بنفس الذريعة .
5-الخطر الناشئ من احتدام الصراع بين دعاة الفكرة الإسلامية و دعاة الفكرة العلمانية حيث ظهر جليًّا أن هناك بعضا - نقول بعضا وليس كل - المعارضين للفكرة الإسلامية يُوَظِّف العمليات القتالية في مصر لتحريض السلطات على كل ما هو إسلامي لإحراز النصر الحاسم على دعاة الفكرة الإسلامية . وكان لزاماً علينا أن نحرمهم من هذه الفرصة .
6-الخطر الناشئ من الاضطراب المتزايد في المشهد الاجتماعي بمصر و ذلك من خلال بروز ظواهر مجتمعية خطيرة تؤثر في تماسك نسيج المجتمع مثل :العنف المجتمعي كالبلطجة و دعاوى الإباحية بشتى صورها , و بروز ظاهرة عباد الشيطان , و انتشار المخدرات في شتى الأوساط , و الزواج الغير شرعي , والتفاوت الهائل في الدخول ، و الإنفاق الترفي المستفز .. إلى غير ذلك , و كان استمرار العمليات القتالية يمثل في نظرنا استمرارا لتفاقم هذه الظواهر لانشغال الجميع بذلك الصراع و غياب الدعاة الذين يمكن أن يمثلوا عامل توازن قيمي و أخلاقي في ضمير المجتمع .
تلك هي رؤيتنا لأهم تحديات الواقع وأخطاره التي دفعتنا إلى اتخاذ قرار المبادرة كاستجابة صحيحة لذلك .
ـ الصلح يحتاج إلى رجال شجعان - مثل الحسن بن علي – و هؤلاء الأفذاذ هم الذين يتحملون لوم اللائمين و مزايدة المزايدين .. لقد قال بعض الشيعة للحسن بن علي حينما صالح معاوية : يا مذل المؤمنين فكان يقول لهم :] لَسْتُ بِمُذِلّ المؤمنين ، ولكن جماجم العرب كانت بيدي فكرهت أن أقتلكم على الملك[ . وكانوا يقولون له : يا عار المؤمنين .. فكان يقول لهم : ( العار خير من النار ) .. فالصلح يحتاج إلى رجال أقوياء شرفاء من الطرفين يتحملون مسؤوليته و لا يخافون في الله لومة لائم و لا ينظرون إلى مصلحة شخصية ضيقة .
ـ الصلح هو أعظم آلية شرعها الإسلام لرأب الصَّدع و لم الشَّمل , و هو أعظم آلية لإنهاء النزاعات بين المسلمين , و هو أعظم طريقة تمنع استمرار أي قتال بين المسلمين بعضهم بعضا .. و لولا وجود هذه الآلية العظيمة لكان أي نزاع مسلح بين طائفتين مسلمتين يستمر إلى ما لا نهاية .. أو يستمر حتى يفنى أحد الطرفين الآخر أو يستمر حتى تجري بحور من الدماء لا يعلم مداها الا الله .إن الصلح باب عظيم من أبواب الخير شرعه الله لتحقن به الدماء و تعصم به الأرواح ..
ـ إن هذه المبادرة التاريخية و هذه المصالحة الوطنية هي واجب يفرضه علينا الشرع و يدعونا إليه الواقع و تلزمنا به الحكمة و يهدينا إليه العقل السليم .. و نحن على استعداد لتحمل تبعات هذه المبادرة العظيمة و هذه المصالحة المباركة نتحملها بالصبر الجميل والحلم الكبير ..
ـ فكل صُلح لا يُحِلُّ حراماً ولا يُحَرِّم حلالاً بل يحق الحق ويَحْقِنُ الدماء ويحمي بلادنا من التمزق هو واجب شرعي ينبغي علينا الالتزام والعمل به وله . إن هذه المصالحة الوطنية التي حدثت مع هذه المبادرة ليست بجائزة فحسب ولكنها واجبة .. فهي التي تُوَحِّد المسلمين وتنهي مأساة أن بأسنا كان بيننا شديد وهذا الصلح هو الذي يجعل بأسنا على عدونا الحقيقي إسرائيل ، التي تتربص بنا عبر الحدود وتريد السيطرة العسكرية على المنطقة كما يرى الليكود ، أو السيطرة الاقتصادية والسياسية كما يرى حزب العمل الإسرائيلي .. وكلاهما يأباه كل مسلم غيور على دينه ووطنه .
ـ كل صلح حدث في الأرض حتى في مجال الأسرة لابد أن يكون فيه طرف قد هضم حقه وتنازل عن بعض حقوقه ولولا ذلك ما تم صلح على وجه الأرض .. و إننا نجد ذلك واضحاً في صلح الحسن بن علي مع معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما فقد تنازل الحسن عن معظم حقوقه .. حتى الحقوق التي لم يتنازل فيها ضاعت منه و هضم فيها حقه .. و رغم ذلك كله فقد مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الصلح العظيم وقال عن الحسن بن علي فى حديث أبي بكرة رضي الله تعالى عنه : ( إنَّ ابني هذا سَيِّد و لعل الله أن يُصْلِح به بين فئتين من المُسْلِمين ) .. فسوده و أعلى قدره ، و لكل من أجرى الله على يديه هذا الصلح حظ و نصيب من سيادة الحسن بن علي ..
ونحن نقول لكل من تحمل مسؤولية الصلح والإصلاح بين المسلمين : يجب عليك أن تكون بعيد النظرة مستشرفاً للمستقبل متحملاً للصعاب حليماً عند النّكير عليك ، و لتنتظر من قبل و من بعد جوائز السماء التي سينعم الله بها عليك جزاء صبرك و تَحمُّلك .
عودة الى المبادرة
|