|
كلمات من المحاضرات ...الجزء الثالث
ـ لكننا نسرد هذه الإحصائيات للرد على مزاعم أقباط المهجر التي تدعي في كل مكان وتَصْرُخ في كل واد أن أقباط مصر مضطهدون ، وتتحالف مع اللوبي اليهودي في أمريكا وتُؤَلِّب الدنيا كلها على مصر حكومة وشعباً وتستنهض الإدارة الأمريكية للضغط على مصر حكومة وشعباً ، بل وتشجع على استخدام أمريكا لقانون الاضطهاد الديني الذي يُخَوِّل الإدارة الأمريكية بإدارتها المنفردة بالتدخل العسكري لحماية الأقليات الدينية والعرقية المضطهدة في أي مكان في العالم .. وهذا القانون يضع مصر من ضمن الدول التي تضطهد الأقلية القبطية فيها .
ـ أقباط المهجر يخونون وطنهم الذي تربوا وتعلموا وعاشوا فيه ومازالت أسرهم تعيش فيه .. إنهم يطعنون وطنهم مصر في ظهره بِحَثِّهم أمريكا على قطع المعونات عن مصر أو تطبيق العقوبات الاقتصادية والتكنولوجية عليها بزعم اضطهاد مصر حكومة وشعباً للأقباط .
أول مرة في تاريخ مصر يحدث توحد بين أقباط المهجر واللوبي اليهودي في أمريكا ، حيث تلاقت مصالحهم نحو إِضْعَاف مصر صاحبة الدور المحوري من منطقة الشرق الأوسط والقادرة على كبح جماح إسرائيل التي تعربد في المنطقة .
ولولا اللوبي اليهودي ما استطاع أقباط المهجر الوصول بسهولة إلى الكونجرس الأمريكي والإدارة الأمريكية والتأثير عليهما بهذه الصورة الخطيرة .
لقد قال مصطفى صادق الرافعي : ( إن لسيوف المسلمين أخلاقاً ) .. نعم و الله إن لسيوف أمتنا أخلاقا و أي أخلاق ؟ .. و من جملة أخلاق سيوف أمتنا أنها تضرب الظالم المستبد المعتدي لترفع ظلمه و َكُفّ عدوانه ، و في أحيان كثيرة يكون هؤلاء المستضعفون على غير ديننا بل يكونون من الكافرين برسولنا المُعْرِضين عن دينه .
وقد كان مسيحيو مصر من جملة المستضعفين الذين أخرجتهم أمتنا بقيادة الفاتح عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه ( من جور الأديان إلى عَدْل الإسلام ) فالكل يعرف حجم الاضطهاد الرهيب الذي كان يمارسه الرومان على نصارى مصر الأرثوذكس لإجبارهم على تغيير مذهبهم الكنسي .
ـ ومن أخلاق سيوف أمتنا أنها تحمي المساجد التي يذكر فيها اسم الله كثيرا وتحمي كذلك الكنائس ومعابد أهل الكتاب لا لأن ما يذكر فيها من عقائد وما يتلى فيها من صلوات موافق لما عندنا ، بل لأنهم صاروا أهل عهد لهم ما لنا و عليهم ما علينا ، و يتوجب علينا حمايتهم والدفاع عنهم .
إن التاريخ لم يحفظ قط أن هناك اضطهادا منظماً وقع على أهل الكتاب من المسلمين في أي حقبة من أحقابه وان كان سجل بعض حوادث على صورة مظالم تعرض لها بعض أهل الكتاب من بعض المسلمين كما سجل مظالم عدة وقعت من مسلم على مسلم أو من كتابي على آخر أو من كتابي على مسلم وفي المقابل اسودت صفحات كثيرة من التاريخ بذكر مذابح و مجازر تعرض لها بعض أهل الكتاب على يد فريق آخر منهم يخالفهم في المذهب أو العرق أو الوطن كما سجل مذابح عدة تعرض لها المسلمون على أيدي أهل الكتاب .
ــ لا يجوز في ديننا ظلم كتابي أو هضم حقه لكفره وعدم إيمانه .
إن العقلاء جميعاً من مسلمين وغيرهم يقطعون دون بحث ولا تفتيش في وصايا هذا الدين وأحكامه أنه لم يأت بظلم أهل الكتاب واضطهادهم إذ لو كان هذا الزعم صحيحاً لما بقى في ديار المسلمين كتابي واحد .
ـ لو كان من جملة ما شرعه الله اضطهاد أهل الكتاب لما حال حائل دون إهلاك أهل الكتاب إهلاكاً لا تقم لهم بعده قائمة .. فقد كانت دولة الإسلام تمتد من سور الصين شرقاً إلى شواطئ الأطلسي غرباً ومن وسط أوربا حيث تركيا والأندلس شمالاً إلى أواسط أفريقيا جنوباً فمن كان يومها يمنع المسلمين من إبادة أهل الكتاب إبادة شاملة خاصة وهم وقتها رعايا وأهل ذمة لا حول لهم ولا قوة وسط بحر زاخر من أهل الإسلام أصحاب الشوكة والمنعة .
ـ الإسلام أباح للمسلمين البيع والشراء من أهل الكتاب وقبول هديتهم وإهدائهم واستئجارهم واستئجار المسلم نفسه منهم ومشاركتهم في العمل المباح ومضاربتهم فيه وأكل ذبائحهم والزواج بالعفيفات المحصنات منهم وعيادة مرضاهم والتعلم منهم العلم النافع وتعليمهم العلم النافع وتطبيب المسلم عندهم وتطبيب المسلم لهم وتهنئتهم بزواج وإنجاب ذرية وسلامة من سفر وشفاء من مرض ونحو ذلك .. وهناك عشرات الأدلة الشرعية على كل هذه الأمور يعرفها كل مهتم بالإسلام .
قتل الكتابي في غير قتال وبلا موجب للقتل سوى أنه كتابي لا يَصِحُّ شرعاً ولم نسمع عن أحد من أئمة الإسلام وأعلام الهدى أنه قال به لا في السلف ولا في الخلف .
ـ لقد بلغ من رعاية الإسلام لحرمة أموال وممتلكات أهل الكتاب أنه يمنع من إتلاف ما يعدونه حسب دينهم مالاً كالخمر والخنزير وان لم يكن مالاً عند المسلمين فمن أتلف من المسلمين على مسلم خمرا أو خنزيرا فلا شيء عليه ، فإن أتلفها على نصراني يرى أنها حلال له في دينه فقد قال فقهاء الأحناف : يغرم المسلم قيمتها . فإن كان هذا ما يقوله فقهاء الإسلام في خمرهم وخنزيرهم فكيف بأموالهم وممتلكاتهم المحترمة شرعاً عندنا ؟! فلا يجوز بحال إتلاف شيء من ذلك كما لا يجوز أكلها بالباطل !!
ـ هناك آيات وأحكام تخاطب الأفراد وهناك آيات و أحكام أخرى لا تخاطب الأفراد و لكن تخاطب الدولة المسلمة ممثلة في سلطتها السياسية أي الحاكم ، ومن هذه الأحكام أحكام الحدود . فلا يجوز لأحد تطبيق حد السرقة أو حد الزنا أو القصاص حتى وإن لم يقم بها الحاكم لسبب أو لآخر ..
فآية : ( وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ) [البقرة : 179] وآية : ( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ) [المائدة : 38] وآية : ( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ ) [النور : 2] وكذلك الآيات الآمرة بأخذ الجزية من أهل الكتاب والآيات الآمرة بالصلح والحرب بين الدول .. كل هذه الأحكام لا تخاطب الأفراد ولا الجماعات غير الممكنة ولكنها تخاطب الدولة المسلمة.. فإن لم تقم هذه الدولة بتطبيق هذه الأحكام فلا يجوز للأفراد ولا للجماعات تطبيق هذه الأحكام.
ـ أما الأحكام التي تخاطب أفراد الأمة كلها حكاماً وغير حكام فهي الأحكام التي في مقدورهم إنفاذها ولها عشرات الأمثلة مثل الأمر بالصلاة والزكاة والزواج والطلاق والبيوع والحج والصيام .
لو أن الأفراد والجماعات مثلاً حاولوا تطبيق الأحكام الخاصة بالحكام نظرا لعدم تطبيقها لساد الهرج والمرج وعمت الفوضى و فشى الفساد .. فهل يستطيع الفرد أو الجماعة تطبيق حد السرقة على أي أحد سرق .. إن ذلك يحتاج لأشياء كثيرة من القدرة على ضبط الجناة دون منازع أو معارض ثم دفعهم للقاضي المسلم الذي تتوفر فيه شروط الاجتهاد ثم إحضار الشهود ثم تنفيذ الحكم والقدرة على إنفاذه ..
ـ ليست القدرة تعني قدرتك على قطع يد السارق ثم الفرار من أقربائه و من الشرطة ومن الجميع .. هذه ليست هي القدرة المنوط بها تنفيذ الأحكام الشرعية والتي تحدث عنها الفقهاء في كتبهم .. ولكن المقصود بالقدرة من التنفيذ في مثل هذه الأحكام وما شابهها قدرة المتمكن الذي لا ينازعه من في مثل قدرته أو من هو أعلى منه وأقدر ..
وهذه القدرة التي تحدث عنها الفقهاء في كتبهم لا توجد هذه الأيام إلا في الحكام ونوابهم .. ولو قام تنفيذ هذه الأحكام بنية طيبة بعض الأفراد أو الجماعات لوقع من الاضطراب والتقاتل والتدافع والفوضى ما لا تتم معه الأمور على الوجه الشرعي المقصود .. فضلاً عما يوجده ذلك من الفتن التي تزيد مفاسدها أضعافاً مضاعفة فوق المصالح التي كان يبغي تحصيلها .
ـ ما سبق من تقرير المعنى السابق ينطبق على حكم الجزية إذ أن حكمها في القرآن الكريم يتوجه الخطاب فيها للحكام الممكنين ولا يوجه الخطاب فيها إلى آحاد الناس أو إلى الجماعات والحركات الإسلامية فالجزية ليست حقًّا ماليًّا لبعض آحاد المسلمين على بعض أهل الكتاب يحاولون استخلاصه كيفما اتفق بل إن أخذها تكليف شرعي تخاطب به الدولة المسلمة ممثلة في سلطتها السياسية فإن لم تقم به الدولة فلا يجوز لآحاد ولا لجماعات القيام به .
ــ يجوز للحاكم المسلم أن يأخذ من أهل الكتاب الجزية باسم الزكاة مثل المسلمين وبقدر الزكاة أو ضعفها كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه مع نصارى بني تغلب الذين رفضوا دفع الجزية بهذا الاسم لأنهم أنفوا من اسم الجزية فصالحهم عمر على ذلك .
وقد نقل ابن القيم ذلك عن كثير من الأئمة وقال : ( فهذا الذي فعله عمر رضي الله تعالى عنه وافقه عليه جميع الصحابة والفقهاء من بعدهم ) .
يقول الشيرازي في المهذب : ( فإن امتنع قوم من أداء الجزية باسم الجزية وقالوا : نؤديها باسم الصدقة ورأى الإمام أن يأخذها باسم الصدقة جاز ) يقصد بالصدقة هنا الزكاة .
عودة الى المبادرة
|