|
من وصايا الوداع.
ـ الاهتمام بالجزئيات دون الكليات .. و منها تحويل الفروع الفقهية إلى أصول .. و منها تحويل الخطأ إلى خطيئة .. و منها تحويل الخطيئة إلى كفر و منها تحويل المندوبات إلى فرائض .. وتحويل المكروهات إلى محرمات .. ومنها سوء الظن بالناس جميعاً والنظر إلى سلبياتهم دون إيجابياتهم و النظر دوماً إلى نصف الكوب الفارغ و أن يجعل الأصل في المسلمين السوء و الضلال .. و منها ترداد ( هلك الناس ) و من ردد ذلك و اعتقده و عاش فيه و معه ، حق عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا قال الرجل : هلك الناس فهو أهلكهم ) و هو من أعظم أحاديث الرسول صلى الله عليه و سلم التي تنم عن عبقرية في النفس البشرية سبقت الطب النفسي بعدة قرون .
ـ إن محاولة حسم الخلافات الفقهية الفرعية التي لم تحسم طوال تاريخ المسلمين هي محاولة فاشلة .. ومن أدراك أن الاختلاف في الفروع ضار ؟! إنه نافع ويثري الحياة الفقهية ويعالج قضايا عملية ومجتمعية كثيرة ، ونحمد الله أن كل من يفهم في الدين يعرف أنه كلما عظمت المسألة أو عظمت قيمة القضية كلما قل الخلاف حولها ، وكلما قلت أهمية المسألة كثر الخلاف الفقهي حولها . فأركان الإسلام وأسسه وقواعده وعقيدته لا خلاف حولها ولكن الخلاف في الفروع الفقهية الاجتهادية وهذا يَسَعُنا فيها جميعا ما وَسِع السلف الصالح من الخلاف حولها .
ـ لا تكونوا من الذين لا هم لهم سوى الرغبة في إلغاء مذاهب الأئمة الأربعة مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد.. ولا نقاش لهم إلا عن : هل من الأفضل للمسلم التمذهب أو عدم التمذهب ؛ في الوقت الذي تعاني فيه أمة الإسلام من ترك الفقه الإسلامي بالكلية والبحث عن الفقه الوضعي الذي تطور إلى درجة كبيرة .بفضل رعاية الغرب له واهتمام دولهم به حتى سمعنا عن القانون الجوي والقانون البحري وقانون الفضاء .. إلخ . وهل من الحكمة إلغاء مذاهب الأئمة العظام الذين تلقتهم الأمة كلها بالقبول والرضا والتعلم على أيديها طوال خمسة عشر قرناً من الزمان .. فليس من الحكمة إلغاء عطاء السابقين .. ولكن الحكمة أن نقتبس ونستفيد منه في حل المشكلات المعاصرة ليتطور الفقه الإسلامي مع مستجدات العصر ويبحث في مشكلاته .. و الحمد لله أن الفقه الإسلامي يتميز بالمرونة التي تؤهله لمواكبة آليات العصر الحديث وحل مشكلاته ، ولكن العيب فينا وليس في الفقه
ـ كما أن الفرد يتعلم من أحداث أَمْسِه لِغده ، فإن الأمم والدول والجماعات تأخذ من ماضيها لحاضرها ، وتستفيد من صوابها وخطئها ومن انتصاراتها وهزائمها ، وقد تستفيد من خطئها أكثر من صوابها ومن هزائمها أكثر من انتصاراتها فمع الهزائم تكون الانكسارية لله والقرب منه ومحاسبة النفس على الصغيرة قبل الكبيرة أما الانتصارات ونشوتها فهي تغري الأمم بالعظمة والعصمة والركون إلى النصر وتحويل السيئات إلى حسنات وستر القبيح .
كونوا كالشجرة المثمرة إذا رماها الناس بالحجر رمتهم بالثمر .
أدوا زكاة قدرتكم و زكاة القدرة هي العفو و ليس البطش .
ـ لقد ظُلمتم كثيرا في السجون ، و من ذاق مرارة الظلم عرف قيمة العدل .
عليكم بالإحسان إلى الناس جميعاً ، المسلم والكافر ، الطائع والعاصي ، القريب والبعيد ، الصالح والطالح ، المحسن والمسيء .. و الإحسان درجة فوق العدل ، فإذا قصرت في الإحسان نزلت إلى مرتبة العدل ، فتحقق السلامة لدينك وعرضك .. فالداعية عليه أن يتخلق بأخلاق القرآن متأسياً في ذلك بسيد الدعاة إلى الله رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان خلقه القرآن ، و أن يعيش في رحاب أسماء الله الحسنى ومن أسمائه سبحانه وتعالى : ( المُحسن ) و كلما عشتم مع هذا الاسم العظيم بقلوبكم وجوارحكم كلما سعدتم في حياتكم .
ـ لقد جربنا قبل ذلك مواجهة الشر بالشر ومواجهة السيئة بالسيئة ومواجهة العدوان بالعدوان ، فما أغنانا ذلك شيئاً .. فلنجرب منذ اليوم مقابلة السيئة بالحسنة ، ومواجهة المنكر بالمعروف ، ومواجهة الشر بالخير ، ومقابلة الإساءة بالإحسان .. وعلينا أن نجرب منذ اليوم تلك الآلية العظيمة في كسب الأصدقاء ( وَ لَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) [فصلت : 34] إنه ليس مجرد وَلِيّ فحسب ، و لكنه ولي حميم .
عليكم بالتواضع مع الناس جميعاً, فالداعية بغير تواضع كالشجرة العقيمة التي لا تثمر.
ـ ومن أعظم أحاديث رسولنا صلى الله عليه وسلم التي قَصَّرنا في العمل بها ( لا يشكر الله من لا يشكر الناس ) .. فشكرك لكل من أسدى إليك معروفاً هو شكر لله سبحانه ، وجحودك لكل من أسدى إليك معروفاً هو جحود لنعمة الله سبحانه وتعالى ، وكلما رأيت الإنسان يشكر الناس الذين أسدوا إليه المعروف كلما تيقنت عميق صلته وقربه من الله وكلما رأيت الإنسان يجحد الناس الذين أحسنوا إليه فاعلم يقينا أنه يعامل ربه كذلك بمثل هذا الجحود بل أكثر .. إنها أشبه بالمعادلات الإيمانية .. ماذا ستكلفنا كلمة جزاك الله خيرا أو شكرا ، و كلمات الامتنان الأخرى إذا أسعدنا بها قلوب من أسعدونا وسعوا في تفريج كربتنا أو كانوا كرماء معنا وقت المحنة ومحسنين لنا وقت البلاء .
ـ أولى الناس أن نحفظ جميلهم في هذه المحنة وبعدها هم أمهاتنا و أبائنا ثم زوجاتنا ثم أبناؤنا ثم إخواننا ثم أشقاؤنا ، فهم على الترتيب الذين تحملوا بل حملوا عنا عبء أكثر من عشر سنوات عصيبة كل يوم فيها أثقل من دهر .
ـ شكرا لكل من أجرى الله علي يديه التوسعة والفرج في هذا السجن وغيره من السجون .. شكراً للذين حملوا على عاتقهم مبدأ الحوار مع الجماعة الإسلامية.. شكراً لكل من حول القتل إلى صلح ، وحول الكارثة إلى هدوء وصفاء .. شكراً لكل من عبر معنا وبنا هذه المحنة الفظيعة التي لم تشهد البلاد لها مثيلاً .. شكراً لكل من ساعدونا على كل خير فعلناه ونفعله في هذه المبادرة .. شكراً لكل من أنقذ مصر من مستنقع الدماء وأعاد الكرامة الإنسانية والدينية للمعتقلين بعد طول إهدار .. شكراً لكم يا من استجبتم لمنطق الحوار وقدمتموه على منطق القتال ، وقدمتم منطق التفاهم على منطق التصفية الجسدية .
ـ أنتم الورود الجميلة في مجتمع مسلم محب للدين بفطرته .. وهذا المجتمع يحتاج إليكم و لا يستغني عنكم أبدا و لا تستغنون عنه أبدا فأنتم منه وله .
احذروا المزايدة فإنها تضيع الممكن في طلب المستحيل .
ـ ليس مهمة الحركة الإسلامية هي عناد الحكام أو عوام الناس ، وكلما قالوا : شرقاً .. قلنا : غرباً . حتى لا نُتَهم بنفاقهم ومداهنتهم ، وكلما قالوا : شمالا . قلنا : يميناً .. ولكن نحن دعاة إلى الله ، وهداة إلى طريق الحق ، لا نكلف أحداً بما لا يطيق ، ولا نطلب من أحد ما لا يستطيع ، ولا نطلب من الناس ما يعنتهم أو يشق عليهم ، ولا نعارضهم لمجرد المعارضة ، ولكن إن كان في قولهم وفعلهم الصواب والحق أيدناه ودعمناه ، وإن كان في قولهم غير ذلك أنكرناه ورفضناه ابتغاء وجه الله وليس ابتغاء شهرة أو جاه .. وإن أصابوا الحق حمدنا ذلك وذكرناه ، وإن كانوا غير ذلك وضحنا وبينا بما يليق ويشرع ويحسن في دين الله ، فإن قبل الناس نصحنا شكرناهم ، وإن رفض الناس نصحنا عذرناهم ودعونا لهم بالهداية ، ولا يسألنا أحد خطة تعظم فيها حرمات الله إلا أجبناهم إليها .. ولا يسألونا خطة تحفظ هوية الأمة وتحقن فيها دماء الأمة وتجمع شملها وتقوي كيانها في مواجهة محاولات إسرائيل للسيطرة السياسية أو الاقتصادية أو العسكرية على المنطقة إلا أجبناهم إليها .. وليذكر الجميع أننا الذين سعينا مرارا وتكرارا لوقف نزيف الدماء منذ عام 1993 .. إننا نعيش في هذه اللحظات مع هدى النبي صلى الله عليه وسلم حينما وقف عند مشارف مكة عند الحديبية وهو يقول : ( والذي نفسي بيده لا يسألونني خطة تعظم فيها حرمات الله إلا أجبتهم إليها ) .. و يعلق على ذلك أحد فقهاء الإسلام قائلاً : ( إذا طلب قوم كائناً من كانوا أمرا يعظمون فيه حرمة من حرمات الله أجيبوا إليه و أعطوه و أعينوا عليه و إن منعوا غيره .. فيعانون على تعظيم ما فيه حرمات الله لا على أي شيء آخر ، و يمنعون مما سوى ذلك فكل من التمس المعاونة على محبوب لله تعالى مُرْضٍ له أُجيب إلى ذلك كائناً من كان ما لم يترتب على إعانته على ذلك المحبوب مبغوض لله أعظم منه و هذا أدق المواضع وأصعبها و أشقها على النفوس و لذلك ضاق عنه الصحابة ما ضاق و قال عمر بن الخطاب ما قال )
ـ الفكر هو إعمال العقل للقيام بالأعمال الذهنية لاستنباط الحكم و الخروج بالرؤى والتصورات الصحيحة المناسبة للواقع ، و الفكر بهذا الوصف يخرج من ذهن بشرى ينظر للواقع و المنهج الذي يعمله في هذا الواقع .. فإن كان الذهن البشري إسلامياً ، و أن كان الذهن البشري علمانياً كان الفكر علمانياً ، و أن كان الذهن اشتراكيًّا كان الفكر اشتراكيًّا .. و إذا كان الفكر هو عمل الذهن البشري فالخطأ وارد في حقه ، ولذلك لم يقل أحد إن قول الأصولي أو المجتهد حجة على أحد وذلك لأنه غير معصوم من الوقوع في الخطأ . فالفكر الإنساني لا قدسية له ، ولكن القدسية هي للكتاب والسنة وأحكام الإسلام القطعية المجمع عليها.
ـ قد يقول البعض : كان ينبغي علينا أن نوقف مراجعتنا لأنفسنا حتى يراجع الآخرون أنفسهم .. و نحن نقول : هذا خطأ لأن الأطراف الأخرى لها موازينها وقواعدها وسياساتها التي تحكمها ولا تنفك عنها ، و نحن مسئولون فقط عن أخطائنا ومسؤلون أمام الله عن أنفسنا : ( كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ ) [النساء : 135] .. إن المهم أن ننجو بأنفسنا و ليفعل كل طرف ما يفرضه عليه دينه وضميره ، و لن يسأل يوم القيامة أحد عن أحد ، و نحن نضع كل طرف أمام مسئوليته الدينية و الوطنية و القانونية و الإنسانية
ـ هناك بعض غلاة العلمانيين يريد تحويل هذه المراجعة من شيء محمود حسن إلى تكأة لتخطئه الإسلام ذاته .. وهذا موقف انتهازي بغيض يحول الخير إلى شر ويحول الصلاح إلى فساد .. فنحن نراجع مواقفنا على موقف الإسلام ونراجع أنفسنا على هدي الكتاب والسنة ، وليس على هدي مذهب اشتراكي وليبرالي .. فسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي يحاربها بعض العلمانيين هي الضياء الذي أنار لنا الطريق للمراجعة .. فليس الخطأ في الكتاب ولا في السنة ولكن في اجتهاد في قتال غير صحيح لأنه نزل الأحكام الشرعية على واقع لا يناسبها ولا يتفق معها ، ثم إنه لابد من تحديد طبيعة الخطأ ، فالكفر خطأ والمروق من تكاليف الشرع خطأ و فعل الحرام خطأ ، و الذي ينظر في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ثم يخطئ في اجتهاده يكون قد أخطأ أيضا ، فلا يستوي مع غيره .. فالذي نتحدث عنه هو خطأ اجتهاد وليس خطأ هوى أو عناد .. والحق أن الإنسان إذا اكتشف خطأ في قول قاله أو موقف فعله أن يراجع نفسه ويقول : لقد أخطأت في كذا وكذا ، لأن الحق أحب إليه .. وقد جاء أن سعد بن إبراهيم قد قضى في قضاء برأيه ثم بلغه قول لرسول الله صلى الله عليه وسلم يخالف قضاءه في هذه القضية ، فشاور صاحباً في ذلك ، فقال له : لقد اجتهدت ومضى حكمك . فقال سعد : ويحك أأمضى قضاء سعد بن أم سعد ولا أنفذ قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بل أرد قضاء سعد بن أم سعد ، ثم دعا بكتاب القضية فشقه.
لا يكن حظك من الفقه والعلم معرفة الفريضة والسنة لترك السنة .
لا يكن حظك من العلم معرفة المباحات لتعيش حياتك كلها دون هدف سام تسعى إليه ، أو غرض نبيل عظيم تسعى لتحقيقه ..
ـ لا يكن حظك من العلم معرفة المكروه من المحرم لتأتي كل المكروهات بحجة أنه ليس حراماً ، وترتع حول الحمى ومن رتع حول الحمى أوشك أن يقع فيه ، ومن أكثر من المكروه وقع في الحرام .
إذا كانت هذه الأيام قد منحت لنا أبواباً ، وهيأت لنا أسباباً للفرج ، فلا ننسى أننا لا نتعلق بالأسباب وإنما نتعلق برب الأسباب .. وقد رسخت الشدائد في قلوبنا هذه العقيدة العظيمة .. ومع تعلقنا برب الأسباب يجب أن تكون ثقتنا في وعده عظيمة راسخة .. والفرق بين الثقة في الله والتعلق بالأسباب واضحة ، فالواثق في الله مطمئن ، مستبشر دائما على كل حال ، والمتعلق بالأسباب متقلب الحال مع وجود الأسباب وزوالها ..
عودة الى المبادرة
|