|
النيــل.. يرفـع رايـة العصـيان للشاعر/ فاروق جويدة تقديم/ هشام النجار
من هذا ؟
من يكون ؟
من ذا يتحدث هنا بتلك النبرة العالية.. وتلك الثقة الحزينة وهذا الكبرياء الذبيح ؟
إنه النهر.
وأي نهر ؟
دعوه أرجوكم.. أتركوه يذكرنا بأفضاله وأمجاده ومكانته.
لا تقطعوا عليه حديثه العذب بنفايات أعراضكم عنه.. وتلويحكم بأيدي الاستهانة.
ولا تلقوا على شاطئه بقايا اهتماماتكم الصغيرة الحقيرة المهينة.. ثم تمضوا وتتركوه وحيدا.
ابقوا على كورنيشه.. واصطفوا متقابلين بالملايين على شاطئيه من أعلى نقطة في الشمال إلى أقصى نقطة في الجنوب.
اسبحوا بمراكبكم وسفنكم ويخوتكم الفارهة في مياهه.
امتزجوا به وعانقوه حتى لا نرى مياهه من وجوهكم.. ولا وجوهكم من مياهه.
التفوا حوله وشبكوا أياديكم.. وأنصتوا لحديثه فالأمر خطير .
والنبرة العالية.. والثقة الحزينة.. والكبرياء الذبيح.. وراءها خطب جلل يراه النيل ولا نراه.. ويترقب قدومه ونحن غارقون في الغفلة..غافلون عن الغرق القادم .
لا تظنوه يتعالى ويتفاخر ويتعاظم ويمن عليكم.. بل هو يحدد مواقع الحزن على خارطته الممتدة صعودا وهبوطا في قلب الوطن .
لا تظنوه مغرورا يمدح نفسه ويضخم ذاته.. بل يسطر مقدمة الحضور الطويلة لتشعروا بعدها بفداحة الغياب .. إذا غاب.. بل يصدمكم بوجوده لتشعروا بوخز الفقد.. بل يتدفق عليكم بأمواجه وفيضه لتشعروا بهول النضوب ومصيبته وعاره وخيبته .. إذا نضب .
النيل يختزل تاريخه ويختصر أمجاده وبطولاته ويلوح من بعيد لأزهار الماضي المجيد.. ليضعنا فجأة أمام أسئلته المشروعة..ليطرح علينا الأسئلة الدامية التي اختلطت بمائه الأبيض الصافي .
ليسألنا كأنه يعرينا ويفضحنا :-
كيف ارتضيتم محنتي وهواني ؟
ليسأل كأنه ينبش عن بقية عزم في صدورنا.. ويفتش عن رائحة وفاء في عروقنا:
هل ينتهي صخبي وتخبو أنجمي .. وتكف أطياري عن الدوران ؟
أنه لا يحدث نفسه.. بل يسألنا:
ماذا أنتم فاعلون إذا انتهيت واختفيت وانزويت وأكلني النسيان ؟
النيل يرفع راية العصيان.. لكنه لا يتوقف عن المجيء.
النيل يعتصم لكنه لا يتمرد ويضرب عن العمل.
وسيظل يطل من خلف الحدود.. وربما تبدو عليه مرارة الحرمان.
أنه فقط يرفع الراية لنقرأ عليها هواجسه ومخاوفه.. وشكاياته الأليمة أسفل ملامح وجهه الحزين .
فهل نفيق قبل فوات الأوان ؟
وهل نلبى النداء؟
وهل ننقذ أنفسنا وحياتنا بإنقاذ نيلنا؟
هذا هو السؤال.. وتلك هي القصيدة حتى السطر الأخير الذي ما تمنينا بلوغه.. ولا أظن النيل تمنى النطق به بقلم شاعرنا الكبير فاروق جويدة :
رحل الزمان وما برحت مكانــــي ..
فأنا الخلود وما لديكــــــم فـــــان
سجد الزمان على ضفـــافي رهبة
واستسلمــــــت أمم على شطانـــي
لم يركع التاريخ إلا في يــــــــدي
لم تسمع الدنيا سوي ألحـــانــــــي
أنا من جنان الله أحمل سرهـــــــا
وكم انتشيتم من رحيــق جـنانــــي
مهد الخليقة كان سرا في دمــــــي
ومواكب التاريخ من أعــــــوانـي
نام الزمان علي ضفافي آمنــــــــا
وبقيت وحـدي كعبـــــة الأوطـــان
لا تسألوا كيف انتهي سلطانـــــــي
وتكسـرت في غفلــــــــة تيجــــاني
لم تحفظوا عهدي وخنتم رايتــــــي
حين استبحتم حرمــــــة الإنســــان
لم تحفظوا مائي فصـار خطـــــــيئـة
حقت عليها لعنـــــــــة الرحمـــــن
***
الله سطرني علي وجـــــــــه الوري
نهرا يصــــــــلي بعــــــــد كل أذان
في كل أرض للمـآذن صرخــــــــة
وبكل ركن رتلــــــــوا قرآنــــــــي
أنا وحي هذي الأرض سر وجودهـا
والله كرمنـي بكـــــــل زمــــــــــان
عندي من الصلبان ألف تميمـــــــة
ملأت بنور هلالــــها وديانـــــــــــي
كم لاح وجــه الله بين ربوعهـــــــــا
سجد الزمان وكبـر الهـــــــرمــــان
فحملت للدنيا رسالـــة خالقــــــــــي
ورسمت نهر الحــــــب والإيمــــان
منذ استبحتم حرمـــة الشطـــــــان
جحــد الرفاق وخانني جيـــــرانـــي
أنا لم أكن نهرا وضـل طريقـــــه
بل كنت دمـا ذاب فـي شريــــــــان
أنا لم أكن في الأرض ماء جاريا
بل كنت قلبا ضمـــــه جســـــــــدان
في مصر شريان يذوب صبابــــة
والعشق داء في ربـي الســـــــودان
***
وحدت أوطانـا.. جمعت عشائرا
والكل في عشق العـلا إخوانــــــي
ألما بين يدي عهد مسالــــــــــم
فإذا غضبـت فإنـــــــه بركـــــــاني
سجد الفراعنة العظـام علي يدي
وتزاحمــــــــت أمـم علي سلطـاني
كان الوجود خرائبا منسيـــــــــة
شيدتها بشوامــخ البنيــــــــــــــــان
في كل شبر كنت أغرس نخلة
وعلي الضفاف يتيه سحـــر جـنانـي
أهديتكم دربا طويــلا للعــــــــــلا
ديني.. وعلمي.. نخوتي.. وبياني
واخترت أن أبقي رسولا للهــــوي
بين الأحبة.. واسألوا شطآنـــــــــي
في كل ركن عقد فــل عاشـــــــق
وحبيبة رحلت.. وطيـف حنــــــان
***
يوما غرست علي الضفاف مهابتي
ورفعت في قمم الجبـال مكانــــــي
ماء طهورا للصلاة فــــإن بــــدت
عين الخيانة أشعلــت نيرانـــــــــي
في واحتي تبدو الطيــــور أليفــــــة
لكنــها أســــد علي العــــــــــدوان
كم صرت نارا حين راوغنـي العدا
ورأيت طيف الغــدر في سجـانــي
من باع إيمانـي وخان فضائلــــــي
وأعادنـي للشـرك والبهتـــــــان؟!
كيف ارتضيتم محنتي وهوانـــــي؟!
فتــمردت خيلــــي علي فرســانــي
هل يسكن القلب العنيــد إلي الثـــري
وتلفني في وحشــة أكفـــــــــاني؟!
هل يصبح الماء الجسور وليمـــــــة
للشامتين علي ثــــري جثمــــاني؟!
هل يخفت الضوء العتيق.. وتختفـي
فوق السنابل فرحــة الأغصــان؟!
هل ينتهي صخبي.. وتخبو أنجمــي
وتكف أطيـاري عن الـــــدوران؟!
أو تجلسون علي شواطي نيلكــــم
تترنحون كعصبـــة الشيطــــــان؟!
ماذا سيبقي للحيــــــاة إذا اختفـــــي
وجهي.. وسافر في دجى النسيان؟!
أأكــون تاريخـا.. تــواري باكيـــــا
بين السفوح ولوعة الأحـــــزان..؟!
***
من ألف عام كنت أركض شامخـــا
بين الجموع يحيطنــي فرســـــاني
والآن ترصدني الوجوه فــــــلا أري
غير الخنـــوع وخســـة الكهـــــان
فالجالسون علي العروش تسابقــــوا
عند الفـرار وأحرقـــوا شطـــــآنـي
قد علموني الصمت.. صرت كدميـة
سـوداء شاخصـــة علي الجــــدران
والآن أقرأ في دفاتـــر رحلتـــــي
فأري الجحـــود.. وجفــوة الخـلان
ماذا جنيتــم من ســلام عاجـــــــز
غير الهوان.. يسوقنا لهــــــوان؟!
تتراقصــــــون لكــــــل ذئب قادم
وتراوغون.. كرقصة الحمــــلان!
وتهــرولون إلــي الأعــــادي خلســـة
خلف اللصوص.. وباعة الأوطان!
خنتم عهـود الأرض.. بعتـــم ســرهـا
للغاصبين بأبخــس الأثمـــــــــــان
من باعني أرضــــا وخــــان قداسـتـــي
من دمر التاريخ في وجدانـــــــي؟!
يتزاحم الكهــــان حـــــول مضاجــعـــي
يتعانقــون علي ثــري أكفانــــــــــي
وحدتكم زمنـا فكنتـــم ســــــــــــــــــادة
للعالمين علي هــــدي سلطانــــــــي
والآن صرتــم لعبـــــــــــة يلهو بـهــــا
شر العباد.. وعصبـــة الكهـــــــان
ما اخترت أرضي.. ما اصطفيت زماني
لكنـــه قـدري الذي أشقانـــــــــــــي
فلقد تبدلـــت الليـــــــــالي بيننــــــــــــا
ورأيت عمرا جاحـــــدا أدمانـــــــي
***
يا أيها الوطن العريق قـم.. انتفــض
واكسر كهوف الصمت والقضبـــان
أطلق أســود النيـــــل من ثكنــاتها
واهدم قلاع البطـش والطغيــــــان
في الأفق شـــي لا أراه وإن بـــدا
خلف السحاب كثـــــورة البركــــان
يعلو صهيل المـاء.. يصـرخ حولنا
يتزاحم الفرســان.. في الفرســـــان
تهتــــز أرض.. تستغيث مواكـــب
ويهـرول الكهـــان.. للكهــــــــــان
وأنا أطـل علي الربــــوع معاتبــــا
أشكو إليــهــا محنتــي وهوانـــــــي
منذ استبحتم حرمــــة الشطــــــآن
صدئت علــي أطلالكــم تيجانـــــــي
حتى عيون الناس ضــــل بريقهــا
ما بين ليــل القهـر والهذيـــــــان
***
سأزوركم في كــــل عـام كلــمـــا
حنت حنايــــا الأرض للفيضــــان
أتسلق الأفـق البعيـــــد لكـــــي أري
خلف السدود شواطئـي وجنانــــي
أنا لن أكف عن المجــــئ لأننـــي
كـــالأرض ما كفـت عن الـدوران
سأطل من خلــــف الحـدود وربمــا
تبدو علي مـرارة الحرمـــــــــان
عودوا إلي الحب القديم.. وعلمـــوا
أبناءكم أن يحرسوا شطـآنـــــــــي
أعطيتكم عمري.. وهانت عشرتي
والآن ارفع راية العصيان
لو كنت أعلم ما طواه زمانـــــــــي
لاخترت أرضا غيركـم أوطانــــي
الأربعاء الموافق:
2/8/1431هـ
4/7/2010م
عودة الى ديوان الشعر
|