|
وكما يقول د./ صلاح الصاوي:
(إن آفة الآفات وعلة العلل في العمل الإسلامي المعاصر تتمثل في شد أصرة التآخي على ما دون الكتاب والسنة من الآراء والاجتهادات, وفي ذلك تشقيق للأمة وتغرير باجتماع كلمتها وأهل هذا الأصل خارجون عن السنة والجماعة, داخلون في الفرقة والبدعة)أ.هــ .
فهذه هي أولوية أهل السنة المعقودة في ميدان الاجتماع ... فأين نحن منها؟
وما يلقن للناشئة في بدء سيرهم أمور تحزن القلب, وتدميه وتبعث الأسى على النفس. فيجب معاودة النظر في مثل هذه المفاهيم المغلوطة وإحلال المنهج السوي مكانها, ولن يكون ذلك إلا بإحياء أدب الاختلاف قولاً وعملاً, فكراً وسلوكاً نظرية وتطبيقاً وأن تربي الأجيال الصاعدة على هذا الأدب الرفيع, وأن يُعَلَّموا ويلقنوا أن: (تفاوت الأنظار في مجاري الاجتهاد ليس هو المحذور ابتداء, ولكن المحذور ما قد يفضي إليه ذلك لدى بعض الناس من التعصب والتفرق والاختصام وهذه النظرة هي التي تحدد ابتداءً منهج التعامل مع هذه الفتنة وترسي أسس معالجتها في إطار من الشريعة والواقعية ...)
وأن تربي الأجيال بل الحركة جمعاء على سيرة سلفنا الصالح في اختلافهم، فهذه نتفٌ توضح أدبهم الجم في تعاملهم مع بعضهم البعض, رغم اختلاف اجتهاداتهم, وتنوع أرائهم:
يقول الشافعي رحمه الله: (مالك بن أنس معلمي, وعنه أخذت العلم, وإذا ذكر العلماء فمالك النجم, وما من أحد أَمَنُّ عليَّ من مالك بن أنس).
وكان يقول رحمه الله: (الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة).
وعن عبد الله بن الإمام أحمد قال: قلت لأبي: (أي رجل كان الشافعي, فإني أسمعك تكثر الدعاء له, فقال يا بني كان الشافعي رحمه الله كالشمس للدنيا, وكالعافية للناس، فانظر هل لهذين من خلف أو عوض ؟!!).
وعن صالح بن الإمام أحمد قال: (لقيني يحيى بن معين: قال أما يستحي أبوك مما يفعل, فقلت: وما يفعل؟ فقال: رأيته مع الشافعي راكب, وهو راجل آخذ بزمام دابته فقلت لأبي ذلك, فقال إن لقيته فقل: يقول لك أبي: إذا أردت أن تتفقه فتعالى فخذ بركابه من الجانب الأخر) فهؤلاء هم أئمة المذاهب تشعبت بهم الفروع وذهب بكل واحد منهم مسلكاً سوى الآخر, ولكن جمعتهم راية الألفة والمودة وأخلاق الحب والتقدير.
إن هذه المسالك التربوية الخاطئة هي التي أفرزت لنا شباباً تراه غض الإهاب, حاد اللسان, لا يتورع عن رمي كبار الدعاة وفحول العلماء بالبدعة والجهل, والتفريط والإفراط ؟!
فعلى عاتق من يقع وزر أمثال هؤلاء؟!
ولماذا نحرق أنفسنا بأيدينا؟
ولماذا لا نعمل على ترشيد فورة الشباب وثورته، بدلاً من إعطائها الصكوك لتحطيم الرموز, وتدميرها؟!!
لا ندعي العصمة لأحد، ولا نرفع أحداً إلى مقام التقديس حاشا لله، فكل يؤخذ منه ويرد عليه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه التوقير والاحترام، ودعاء المؤمنين:
(رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ).
3– إحلال التدابر مكان التواصل ... وإتباع سياسة التجاهل:
إذا كان الإسلام قد ندب إلى سياسة الحوار البناء من أهل الكتاب (وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ), (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ), فإن إقامة مثل هذا الحوار بين أهل الإسلام أوجب وآكد.
وهذه الحوارات المنشودة والمرجوة تسهم إسهاماً عظيماً في إذابة الجليد المتراكم بفعل عوامل الزمن والأحداث وتساعد على تقريب وجهات النظر في كثير من المسائل محل الخلاف بل وتؤدي إلى تجسير الهوات, وردم الفجوات.
هذه كلها أمور لا يتنازع فيها اثنان, ولا يملك أحد إزاءها إلا التسليم والدعاء بالتوفيق.
ولكن إذا نظرنا إلى ما يحدث بين فصائل الحركة سنجد أموراً تترك الحليم غضبان, والعاقل حيران. ففي الوقت الذي تسرع فيه الحركة إسراعاً يصل إلى حد الهرولة إلى إقامة الحوارات مع التيار العلماني (وهي خطوة لا غبار عليها إيصالاً للدعوة وأعذارا لله) نجد عجباً فيما بين الحركة وبين نفسها فالتدابر هو الشعار المرفوع (ولو عملياً) والتجاهل هو السياسة المتبعة التي لا تخطؤها العين.
وكأنه لا توجد رابطة من إيمان تجمع هذه الفصائل..
وكأنه لا يوجد همٌّ مشترك يؤرق مضجع الجميع بلا استثناء..
وكأننا قد بتنا نغفل عن نداء الرحمن..
(وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ) ... (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) ...
أكــــــلُّ الــــــرؤوس ســــــــــــــــواء
أقـــلــــب الــغــــير كقلـــب أخيك
أعــــــــيــناه عــــيـــنا أخـــــــــــيـــك
وهـل تتســاوى يدٌ سيفها كان لك
بـــيــــــد سيـــــفـــــــها أثكــــــــلــك
وهذه المأساة إنما نسجت بسبب سياسة الإقصاء التي تسللت إلى نفسيات العاملين للدين تجاه بعضهم البعض, وهو الأمر الذي سنتناوله بالحديث ـ قريباً بإذن الله ـ مما أدى إلى نفور كل فصيل من الأخر.
عودة الى قضايا معاصرة
|