|
أولا: إحيــــاء فقه المراجعات:
فلابد من التفرقة بين النص الشرعي (الكتاب والسنة) كنص لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه, وبين الرؤى والاجتهادات المفسرة لهذا النص, فالنص تنزيل إلهي أو قبس من مشكاة النبوة: ( تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ), (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى). أما التفسير فهو جهد بشري يحتمل القبول والرد, والأخذ والتعديل طالما أن كل ذلك (التفسير والمراجعة) يتم في إطاره الشرعي الصحيح الذي حدّه العلماء للتأويل المقبول.
فالجهد البشري مهما بلغ ونما هو جهد نابع من تصورات الإنسان وإدراكه, وهذه تتعرض للتطوير والتعديل والنماء, فتصوره وإدراكه لا يتوقفان, وهذا ما يجعله يعيد تشكيل فكره ووعيه مع هذا التغير والتعديل والنماء.. بل وتتحكم العوامل الخارجية في صياغة هذه المقولات وتلك الاجتهادات, فاجتهاد الشافعي في مصر ليس اجتهاده في العراق, فالبيئة تغيرت فتغيرت معها الاجتهادات القابلة للتغيير.
ولكن ها هنا ضوابط لابد منها حتى لا يصبح فضاء الفتوى والاجتهاد حرما مستباحا يلج فيه كلّ دعيّ دخيل هدفه الإفساد والإصلاح وهي:
1. الاجتهاد موكول إلى أهل العلم والدراية المستجمعين لآليات العلوم الشرعية.
2. الاجتهاد له ضوابطه وآلياته المحدودة والمرقومة في كتب العلم المختلفة.
3. الاجتهاد له منطقته التي يجوز فيها الاجتهاد, أما الثوابت التي تمثل أسس الإسلام وأركانه فلا اجتهاد فيها, فلا يخرج علينا مدعي بدعوى استبدال العلمانية بالشريعة بدعوى تغير الأزمان! فهذه دعوى مرفوضة.
4. الاجتهاد المقصود به بذل الجهد واستفراغه لاستكشاف كل المعاني التي يحتملها النص بدلالاته المختلفة, لا تعطيل النص. وفقه المراجعة هو علامة دالة على الحيوية والعافية, وليس كما يظن البعض أنها سبة يجب الاحتراز منها.
بل أننا إذا نظرنا على المستوى الفردي سنجد أن الإسلام قد عظّم شأن المحاسبة ورفع شأنها, فعمر رضي الله عنه يقول: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا, وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم). وابن القيم رحمه الله يوضح ويفصل فيقول: (وقال بعض العارفين: متى رضيت نفسك وعملك لله فاعلم أنه غير راض به, ومن عرف أن نفسه مأوى كل عيب وشر, وعمله عرضة لكل آفة ونقص, كيف يرضى لله نفسه وعمله..) [مدارك السالكين1/34].
فالعمل البشري عرضة لكل آفة ونقص فلابد من التوقف والمحاسبة.
كذا.. على المستوى الجماعي لابد من التوقف والمحاسبة.. ولا تعني المراجعة الإدانة المطلقة لكل ما سبق, فقد تكون الرؤى والاجتهادات السابقة مناسبة ومتناسقة مع الزمن الذي صيغت فيه, ثم طرأ تغير الزمن فاستوجب معه تغير الاجتهاد فالفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان كما يقول العلماء والمحققون, فاجتهاداتنا التربوية والفكرية والدعوية كلها اجتهادات لصيقة بالبيئة التي صيغت فيها, والزمن الذي تبلورت فيه، فإذا تغيرت البيئة، وتطور الزمن, فأي معنى على ثباتها بل وجمودها.
فمثلا الوسائل الدعوية التي كانت تستخدم منذ عشرين عاما كانت محدودة.. أما اليوم فقد تطورت وسائل (الميديا) تطورا مذهلا, وتعددت الوسائط الإعلامية تعددا يفرض على الداعية أن يطور وسائله بما يجعله يستوعب وسائل عصره.
إن إحياء فقه المراجعات يتيح لنا العمل على بناء منظومة فكرية جديدة تستوعب التغييرات الحادة الحادثة في المشهد العالمي فانهيار الشيوعية (على المستوى الأيدلوجي والمستوى التطبيقي) قد خلف واقعا فكريا جديدا تحاول فيه المنظومة الغربية تسييد منظومتها الفكرية على العالم وخاصة الإسلامي منه من خلال فرض الديمقراطية والليبيرية وتوابعهما, والترويج لأفكار الحداثة..
والفكر الإسلامي مطالب بالقيام بحركة فكرية واسعة لتفكيك هذه المنظومات الفكرية, وتشيد منظومة فكرية إسلامية, وكما يقول الدكتور/أحمد الراوي (الوعي الإسلامي - محرم 1427هـ): (ومن هنا يطرأ الإحساس بأن المنظومة القيمية الغربية الحديثة تتفكك لحساب محاولات تفسيرية جديدة, أو بفعل مراجعات (ما بعد الحداثة) ومداولاتها.. وما يعنينا في هذا السياق هو ما يمكن استنتاجه من خلال ذلك من أن المشهد الفكري والفلسفي الإنساني مقبل على حال من الفراغ, أو أنه على الأقل يجتاز منعطفا كبيرا.. وتداعيات المرجعات الفلسفية الراهنة في الفضاء الغربي تستدعي إعمال النظر, وخصوصا من قبل المعنيين ببلورة مشروع حضاري إسلامي قادر على طرح خيارات إنسانية أصيلة, ولا أقول بديله وفق نهج تكاملي يتعامل بشكل بناء مع الجوانب الإيجابية مما هو قائم اليوم فيعززها, ويتولى في الوقت عينه طرح الحلول للجوانب السلبية الملموسة..).
عودة الى قضايا معاصرة
|