|
سلسلة الحركة الإسلامية على هامش المراجعة
(3) حتى لا تصبح الحركة الإسلامية نسيا منسيا..
لكل شيء إذا ما تم نقصان فلا يغر بطيب العيش إنسان.
هذه حقيقة بديهية, بل وسنة كونية, لا تخطوها العين, بل ترشد إليها وتدلل عليها الحوادث التاريخية, فما تم شيء إلا ونقص, فالإنسان عندما يستوي عوده في الأربعين تبدأ مرحلة الهبوط والتراجع, والدول والأمم عندما يشتد عودها, وتقوى شوكتها وتستفحل قوتها, تدخل في دورة الانكماش والتراجع.
هذا ما فهمه الصديق رضي الله عنه عندما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا). فبكى الصديق لأنه فطن أنها تؤذن برحيل المصطفى صلى الله عليه وسلم, فالكمال المشار إليه في الآية يعقبه نقصان, ومبدؤه رحيل رسول الله صلى الله عليه وسلم, تذكرت هذا المعنى وأنا أتفرس الأحداث من حولي وأتأملها.. فخريطة الحياة السياسية تتغير وتتبدل.. والقوى السياسية لا تستقر على حال.. تتأرجح بها صروف الدهر ما بين صعود وسفول.
وانظر إن شئت.. إلى قوى اليسار في بلادنا التي كانت ملء السمع والبصر خلال الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي وكانت تهيمن على المواقع الثقافية والإعلامية, وما كان يظن أحد وقتئذ أن حالها سينتهي إلى التهميش والموت شبه الإكلينيكي بل ولا تزرف عليها الجماهير دمعا, ولا تلطم بسببها خدا , وهي التي ادعت أنها صوت الجماهير, ونبضها.. وقد يأتي اليوم الذي تشيع فيه إلى مرقدها الأخير بلا نائحة ولو حتى مستأجرة.
وحتى لا يبدو حديثي وكأنه شماتة من شخص يخالفهم تمام المخالفة في أفكارهم ورؤاهم.. فلندعهم يتحدثون...
يقول البدري فرغلي (القطب اليساري البارز- الدستور 1/2/2006م): (بينما تدق طبول اليسار بالانتصار في عرين الأسد الأمريكي, يقدم لنا زعماء اليسار في مصر النموذج السيئ لزعامة الشعب المصري, بل أصبح بعضهم يطارد من قبل الجماهير الفقيرة التي من المفروض أنهم يدافعون ويضحون من أجلها, وحكاية اليسار المصري أنه يقبل بأرخص الأسعار, وهو يرى أنها قيمته الحقيقية).
والحركة الإسلامية تعيش اليوم فترة الغيث بعد سني العجاف الماضية, وقد أقبلت الناس على الإسلام من جديد.. آية ذلك نتائج الانتخابات في مصر وفلسطين وغيرهما, وقد اختار الناس أصحاب المشروع الإسلامي, وما نراه من إقبال الناس على الإسلام فكرا وسلوكا.. كل هذا وغيره يبرهن على أن الحركة الإسلامية بدأت تسترد عافيتها ككبرى الحركات الإصلاحية الاجتماعية, لا نريد من هذه اللحظات السعيدة أن تنسينا أن لكل شيء إذا ما تم نقصان.. وعلينا أن نقف مع أنفسنا وقفة تأمل وترشيد حتى نحافظ على ما تحقق بل وننميه, كي لا تصاب الحركة بأمراض الشيخوخة, ويطويها الزمان, وتصبح نسيا منسيا..
إنه استشراف للمستقبل من أجل تقوية حاضرنا, وتدعيم ركائزنا واستنباط الدروس النافعة المفيدة لمواصلة مسيرتنا وتجنب العطب والخلل.
فهذه عشر نقاط مقصود بها رسم ملامح الوعي والرشد في مسيرتنا لا نقول أنها حصرية ولكنها علامات وإرشادات لمن أراد أن يواصل تدعيم المسيرة بما يحفظ عليها رونقها وبهاءها, والأهم.. صفاؤها الديني والفكري, وعافيتها العقلية والروحية.
عودة الى قضايا معاصرة
|