|
إلزام المعلم بالدبلومة التربوية .. بين الشكل والمضمون تحقيق / بخيت خليفة
فجأة تذكرت المؤسسات التعليمية في مصر.. والمتمثلة في وزارة التربية والتعليم والأزهر الشريف.. أن معظم مدرسيها من غير خريجي كليات التربية .. يعني أنهم غير تربويين .
يعني أنهم ربما لا يصلحون لتربية التلاميذ.
يعني ولو استرسلنا في هذا الأمر لقلنا أن معظم المعلمين خيراً لهم أن يعودوا لمنازلهم.
ماذا فعلت الحكومة الرشيدة.. قامت بإلزامهم بالحصول على دبلومة التربية .. وطبعاً ربطت ذلك بالحصول على زيادة الكادر الموعودة.. أو جنة التثبيت الخيالية.
والمعلوم أن خريجي كليات التربية هم الأقل تقريبا ً بين المعلمين .. خاصة في الفترة الأخيرة.. فالأزهر مثلاً يدرس فيه خريجو كليات الشريعة وأصول الدين والدراسات الإسلامية .. إضافة إلى الآداب في العام والتجارة والعلوم والحاسب الآلي والخدمة الاجتماعية وكثير من التخصصات الأخرى.
ورغم أننا نشجع على التطوير والتحسين في جميع أوجه التعليم في مصر.. إلا أنني أسجل هذه الملاحظات على هذه الدبلومة .
أولاً: كعادة التخطيط في مصر.. يوصف بالتخبط والعشوائية والتقليد الأعمى فقط.
فكيف تقوم بتعيين معلم وتقر بصلاحيته للتدريس.. ويحصل على تقارير سنوية ربما بامتياز.. ثم بعد عدة سنوات تعود وتقرر ضمناً أنه لا يصلح للتدريس .. ولابد من إعادة تقييمه وتعديله بالدبلومة التربية .
ثانياً: التعليم بصفة عامة والمعلم بصفة خاصة يتعرضان في العقود الأخيرة لأكبر هزة وأخطر إدارة وتوجيه .. وأخشى أن أقول أن ذلك مقصوداً .
فإذا كنا لا نستطيع أن نزرع أرضنا بالقمح ونحقق الاكتفاء الذاتي لسياسات إلزامية معروفة.. فليس ذلك بعيداً في شأن التعليم.. ويشهد على ذلك محصلة التعليم.. ويؤكده التصنيف الذي تحصل عليه الجامعات المصرية عالمياً.
ناهيك عن تدني مستوى البحث العلمي في مصر.. رغم أن السادة المسئولين عن التعليم لا يملون من ترداد أن "التعليم قضية أمن قومي" .
ثالثاً: أصبح المعلم قيمة اجتماعية لا تذكر عندما أهانته الحكومة عبر رواتب هزيلة .. دفعته لأن يتخلي كرهاً عن تفرغه الكامل للتعليم.. ليصبح معلماً حرفياً.
فتجد بين المعلمين المدرس النقاش.. والمدرس السباك.. والمدرس التاجر .. والمعلم ..و.. و.. والذي لا يجد طريقا ً نحو حرفة اكتفي بالدروس الخصوصية التي أكلت أعصابة.. وهكذا.
وهو في ذلك معذور جداً .. فماذا تفعل عشرات الجنيهات في الحياة الطاحنة.
فمن يصدق أن المعلم المتعاقد المتزوج وينتقل من بلد لآخر عبر عدة مواصلات راتبه 300 جنيه.. وربما تقل ولا تزيد.. هل هذا معقول؟؟؟؟!!!
رابعاً: لو قارنا دخل المعلم صانع الأجيال بين أقرانه في الوزارات الأخرى.. لوجدناه في قاع الترتيب .. فراتبه خمس راتب زميله بالضرائب .. أو خمس زميله بالكهرباء.. هل هذا يعقل ؟!!!
فإذا كانت هذه الوزارات كما يزعمون أنها إنتاجية.. تنتج أموالاً أو وقوداً .. فالمؤسسات التعليمية تنتج أهم شيء في البلد .. تنتج القوة البشرية عصب الأمم .
أعود للدبلومة التربوية وأقول:
ربما كان قصد الدولة حسناً في تطوير المعلم.. لكن ذلك لا يعفيها من سوء التصرف.. ولم توفق في الأسلوب .
فبينما رفعت الدولة أجور كل العاملين في الوزارات دون تعقيد أو امتحانات كادر أو دبلومة.. إلا أنها عند المعلم اشترطت سلسلة طويلة ومعقدة لزيادة راتبه بضع جنيهات .. وللأسف كل ذلك كان نظرياً فقط .
بينما يحارب المعلم الحياة الطاحنة ولا يجد وقتاً لأنه يشتغل أكثر من عمل.. ألزمته الدولة بالدبلومة ليعود طالباً.. يعني مصاريف دراسية كل تيرم.. ومواصلات .. ومحاضرات .. ومصاريف نثرية .. ثم امتحانات طويلة وصعبة.. وعاد تلميذا ً ربما يستعير من ابنه الطالب في ابتدائي أدواته من أقلام ومسطرة وبراية وأستيكة.. فيذهب وهو كاره لعمله .. وكاره لما أجبر عليه .
كما قلت أن الفائدة ـ من وجهة نظري ـ كانت قليلة له.. لأنها جاءت كرهاً وجاءت مرتبطة بالمادة.. فشتان بين من يفعل ذلك حباً .. ومن يفعله كرهاً.
من الآثار السلبية لهذا القرار الزحام الشديد عند التقديم والالتحاق لها.. وعند المحاضرات .. وعند الامتحانات .. بل أحدثت أزمة في المواصلات بين المواطنين.. حيث ينتقل آلاف المدرسين عبر المواصلات ذهابا ً وإيابا ً للدبلومة التربوية.
الدبلومة شملت كل المدرسين غير التربويين بدون تصنيف .. فكان من بين الممتحنين مدرسين حاصلين على درجة الماجستير والدكتوراة.. وهو على قدر كبير من العلم والثقافة والخبرة .. وبالرغم من ذلك لم يعف من هذا الامتهان لكرامته.. فكيف يكون حاصلا ً على الدكتوراة ثم يعود ليدرس دبلومة .
التقيت ببعض المدرسين أثناء الامتحانات وسألتهم عن إيجابيات وسلبيات هذه الدبلومة.. فقالوا:
بخيت أبو زيد ـ جرجا ـ مدرس.. قال لي:
الإيجابيات في الخبرة التي يكتسبها المعلم في كيفية التعامل الجيد مع التلاميذ.
لكن السلبيات أكثر بكثير .. فمنها أننا نأتي بعد الخروج من العمل من مراكز شتى لحضور المحاضرات والامتحانات.
كذلك هناك سلبيات نفسية.. فهي أشعرت المدرس بالنقص مقارنة بزملائه التربويين الذين تم تسكينهم على الكادر .
سلبيات زمنية .. فكما ترى لا وقت لدينا لها.. كما أن الذهاب والعودة في الحرارة في غاية المشقة .
سألته عن البديل .. فقال لي:
كان ينبغي أن تكون محاضرات حرة وليست إلزامية.. ويقبل عليها المعلم بكل حب وإرادة للتطوير .
أيمن سعيد ـ العسيرات ـ مدرس.. قال لي:
الإيجابيات هي الحصول على الشهادة العلمية.. والتعرف على بعض الزملاء من المراكز الأخرى.. بجانب بعض الفوائد في الخبرة في التدريس .
أما السلبيات فهي سرعة الحصول على الشهادة .. مقارنة بكم المواد التي تدرس .. فلا يكفيها العام فالوقت ضيق.
وكذلك جود أعباء مادية على الدارس.. وظروف المدرس لا تسمح بذلك .
عدم التكافؤ بين العائد المادي بعد الحصول عليها.. مقارنة بما أنفقه الدارس عليها .
عدم وضوح الهدف الحقيقي من الحصول عليها.. هل هي للتثبيت .. أم للتطوير .. أم لزيادة الكادر.. أم ماذا ؟
ناصر محمدين ـ سوهاج ـ مدرس انجليزي.. قال:
الدبلومة مفيدة للمعلم في تعامله مع الطلاب .. ولكنها لم تأت في الوقت المناسب .. ولم تتح الفرصة لإمكانية تأهيل المعلم تربوياً في هذه الدورة المركزة.. ولو أنها قدمت في صورتها العادية لكان أفضل.
يذكر أن الأزهر قدم لمدرسيه الدبلومة في عام واحد مجاناً بدون رسوم.. لكنها مكثفة.. بينما التحق مدرسو التعليم العام بالجامعات المصرية العامة للحصول عليها.
وفي النهاية رغم كل العقبات التي واجهت المعلم في الحصول على الدبلومة التربوية.. إلا أنني لا يفوتني أن أبعث ببرقية ثناء وتقدير للأزهر.. لأنه شارك المعلم الغرم.. فرفع عنه مصاريف التقديم للدبلومة وهي مبلغ كبير .. ولم يبق عليه إلا ثمن الكتب.
وكذلك تحية لكلية الدراسات الإسلامية للبنات بسوهاج التي استضافت الامتحانات.. فقد قدمت إدارتها كافة الخدمات للمعلمين والمعلمات.
وشكر خاص لكل الأساتذة الذين أشرفوا على المحاضرات والامتحانات.. وشكر خاص للأستاذ الدكتور/ محمود محي رئيس المركز الخاص بالحصول على الدبلومة.. والذي وافق على التسجيل معنا في الإعداد لهذا التحقيق .. لكنه لم يجد الفرصة المناسبة لضغط العمل عليه .
الأحد الموافق
19-9-1431هـ
29-8-2010م
| الإسم | أ\صلاح إبراهيم |
| عنوان التعليق | نضوب الموارد |
| موضوع ممتاز و في العمق و الحكاية يا عم بخيت إن القروش خسعت بعد أن أكلتها القروش و مطلوب دعم للقمح و بالطريقة الظريفة دي نعطل موضوع الكادر شوية و من هنا لموسم القمح القادم يكون المدرس أخد الدبلومة و القمح رخص و يجعله عامر. |
| الإسم | أ\صلاح إبراهيم |
| عنوان التعليق | نضوب الموارد |
| موضوع ممتاز و في العمق و الحكاية يا عم بخيت إن القروش خسعت بعد أن أكلتها القروش و مطلوب دعم للقمح و بالطريقة الظريفة دي نعطل موضوع الكادر شوية و من هنا لموسم القمح القادم يكون المدرس أخد الدبلومة و القمح رخص و يجعله عامر. |
| الإسم | حسين ندا |
| عنوان التعليق | المدرس معلم الاجيال |
| المعلم هو العمود الفقري للعملية التعليمية و المحور الأساسي لها فإذا أردت أن تعرف قيمة التعليم في أي دولة فانظر إلي قيمة المعلم فيها ومن ينظر في بلدنا الحبيبة مصر يري أن المعلم يحصل علي أقل قيمة في كل شئ بدأً بالمرتب إلي المكانة الاجتماعية . تجد المعلم هو محور السخرية التنكيت في الأفلام والمسلسلات المصرية فأصبح الطالب لا يري في المعلم قدوة ولا نموذج .هذا عن قيمة المعلم !
أما عن الدبلومة ، أولا:
فكيف بمعلم راتبه 370جنيها أن يلزم بدبلومة بألف جنيه غير المواصلات و الكتب و غيره .
ثانيا : إن كانت الدولة تريد تحسين العملية التعليمية فلماذا لا تكون الدبلومة منحة للمعلمين المعدومين ؟
ثالثا : كيف يلزم المعلم بحضور المحاضرات و ترك المدرسة في وقت العمل مع وجود عجز صارخ في كثير من المدارس ؟
رابعا : لماذا لا تكون في فترة الأجازة الصيفية ؟
خامسا : هل تنتعش بعض الجهات علي حساب المدرسين المعدمين ؟ و لو أن هناك معلما لا يستطيع توفير مبلغ الدبلومة هل يتم فصله من العمل ؟
الرحمة يرحمكم الرحمن عز وجل !
|
عودة الى قضايا معاصرة
|