|
يوميات مواطن عادي (134) مكأفاة نهاية الخدمة بقلم أ/ صلاح إبراهيم
هي هدية رمزية يقوم بتقديمها المجتمع الصغير أو الكبير الذي يعمل في حقله العامل.. أياً كان نوع هذا العمل.. وغالباً ما يعبر عن جودة أو رداءة أداء العامل.. ومدى إجادته للتعامل الإنساني مع الناس في خلال عمله.
وقد حضرت كثيراً من حفلات التكريم أو الوداع أو التأبين حسب الأحوال.. وكنت أرصد أيضاً نوعيات الهدايا والتي كانت تعبر عن كثير من المشاعر الإنسانية.
فالموظف المنقول إلى جهة أعلى بترقية تكون هداياه فاخرة.. حتى لو كان مرتشياً أو مكروهاً.
وقد رأيت أحد المديرين في حفلة ترقيته وترك موقعه إلي موقع أعلى.. وقد ملأت هداياه عربة من عربات النقل الكبيرة.
وحضرت حفلة خروجه للمعاش بعد شهور قليلة وقد تهرب أكثر الحضور منه.. وكانت الهدايا لا تثقل دراجة..رغم أن الرجل كان خدوماً ومحبوباً وابن ناس.
وهناك هدايا تلقى خلف العامل تتمثل في القلل القناوي والشريفي.. نسبة إلى حي الفخرانية في ديروط الشريف.
ولكن الأخ منتظر الزيدي اخترع هدية أو مكأفاة لنهاية الخدمة لم يسبقه إليها أحد.. "وطبعاً الجميع عرف الإجابة ورفع يده".
وكانت الهدية لائقة بصاحبها.. وهو موظف كبير بدرجة رئيس دولة تحكم العالم وهو الرئيس بوش.
فقد كان بوش أغبى رئيس حكم الولايات المتحدة الأمريكية فحنى ظهرها وقتل اقتصادها.. وورطها في حروب لم تخدم سوى مصالح إيران وإسرائيل.
وكان رجلاً ضيق الأفق شكاكاً مصاباً بالوسواس القهري.. لدرجة أنه تخيل أنه نبي يوحى الله إليه.
وتعدى هذه الدرجة فنصب نفسه إلهاً للحرب.. وحيث أنه إله فلم يهتم باختيار مستشاريه لدرجة أنه اختارهم أغبى منه.. فالمهم عنده الموافقة والانتماء الحزبي.. وكان متعصباً يفخر بتعصبه فلا ينكره ولا يستره.. ولم تردعه استقالة واحد من أكفأ وأنظف العناصر حوله مثل كولين باول رئيس الأركان.
وكانت المكأفاة فردتي حذاء ألقاهما المنتظري.. ولكن جسم بوش الرياضي ورشاقته وقوة رد الفعل عنده.. مكنوه من تفادي الضربة.
ولم يعلق الرجل على الموضوع وهذا الشيء يحسب له.. ولكن طائفة العملاء تولت الأمر إذ أوسعوا الرجل ضرباً ولكماً وكدماً.. وكأنه لص أحذية ضبط في جامع جميع رواده من الفقراء و المعدومين والعدوانيين.
كان لكل من هؤلاء الناس فلسفته الخاصة.. فمن كالوا الضرب للمنتظري اعتبروه أهان ضيف بلادهم.. وكأنهم يقولون:
"صحيح أنه خرب ودمر وقتل وشرد.. ولكن الرجل يا ولداه جاء إلى باب الدار وضيف الكرام مجار".. ويذكرون أن الملك الحلاحلا قتل عندما أرادت والدته إهانه أم الشاعر عمرو بن كلثوم.. والجميع يذكر المعلقة الشهيرة والتي مطلعها:-
ألا هبي بصحنك فاسبقينا ولا تسقي الخمور الأندرينا
فإنا نورد الرايات بيضاً ونصدرهن حمراً قد روينا
ومعارضيهم اتهموهم بالعمالة والخيانة.. وأنهم قد قبلوا كلام الرجل الذي رغم ما ساقه على البلاد من وبال لم يعتذر.. بل جاء يفخر ويعتبر ما فعله في العراق إنجازاً للبشرية والتقدم والرخاء والخراء.. وغير ذلك.
وقال المعارضون أيضاً أن بوش عدو وقد عامله الزيدي بما يستحق.. وعمل بقول الرسول ( صلى الله عليه وسلم):
"أكبر الجهاد كلمة حق عند سلطان جائز"
وقد جمع الزيدي بين القول والفعل.. إذ أنه صدع بكلمة "يا كلب" بأعلى صوته وهو يرجم الرجل بالحذاء.. ولكن عمنا بوش لم يأخذ في باله.. فقد ألقى المحامي حذاءه وهو تفاداه.. ويا دار ما دخلك حذاء.
وظن الناس أن المدعو بوش بارد وهذا ظن خاطئ.. فالرجم بالحذاء في الثقافة الغربية لا يمثل إهانه مثلما نعتبره نحن في الشرق.. ولعل ذلك يرجع إلى طبيعة الحذاء واستخدامه في كلتا الثقافتين.
فالحذاء في الشرق يتعرض للأوساخ والطين والقاذورات في طرقنا الجميلة.. ورغم ذلك يتمسك به صاحبه ويتعهده بالإصلاح.. حتى إذا لم يعد يصلح لشيء باعه.
وقد يحضر ضيف بالحذاء وقد حمل من الروائح ما يزعج بلدة بكاملها.. فإذا لفت نظره إلى ذلك وأطاع وخلع الحذاء.. وددت أنك بلعت لسانك ولم تطلب منه هذا الطلب الذي زادك عذاباً على عذاب.
أما الحذاء في الغرب فلا يكاد يمس الأرض.. فهو ينتقل بين البسط في وسائل المواصلات والسيارات الخاصة الفاخرة والمنازل النظيفة.. حتى إذا مس الأرض وجدها تلمع كالمرآة.
ويذكر في ذلك الحذاء الذي كان سبباً في زواج أستاذي/ أحمد بهجت من زوجته الأستاذة/ سناء فتح الله.
إذ قال الأستاذ/ أحمد بهجت: "حذاء زوجتي أول ما لفت نظري إليها"
فردت الأستاذة سناء قائلة: " كثيرون أعجبهم الحذاء.. لكن بهجت كان جاداً جداًَ"
ويبدوا أن الحذاء شغل الناس كثيراً فهناك المثل العربي "رجع بخفي حنين".. ويضرب للطماع الذي يخدعه النصاب.. أو للمنبت الذي لا ظهراً أبقى ولا أرضاً قطع.
وهناك المثل:
"ضرب ضرب غرائب الإبل بكعب الحذاء"
وهناك الشعر العربي:
قوم إذا ضربت بالنعال وجوههم شكت النعال بأي ذنب تضرب
وهناك المثل الشعبي "حذاؤه خير منه".. للتافه الذي يلبس حذاء جميلاً.
ومن الغريب أن "تولوستوي" تنازل عن أرضه الشاسعة ووزع أمواله على الفقراء وترك الأدب أيضاً وعمل اسكافياً.. وقال قولته الخالدة:
"إن أقل اسكافي أنفع الناس من كل أدباء الأرض مجتمعين"
وقد تذكرت ذلك عندما تكلم مغمور عن روايته المستفزة التافهة والتي لم يعرف حتى كيف يصوغ عنواناً مناسباً لها.. فقال الرجل لا فض فوه: " روايتي عمل إبداعي عظيم"
وقد رأينا أحد الأستاذة في مدرسة إعدادية يترك عمله وحصصه ليصلح بنفسه حذاء زميلته.
وكان الحذاء سلاحاً قاتلاً قتلت به شجرة الدر زوجها.. وقتلت به.
وفردة الحذاء دلت الأمير على الجميلة بعد أن كادوا أن يخدعوه بغيرها.
وفي قصة مدينتين اختار ديكنز صناعة الأحذية للدكتور مانيت لتكون الرواية أكثر حبكة.
وفي العصر الحديث لاحظ أشهر مصممي الأحذية في باريس إنشغال إحدي العاملات في طلاء أظافرها باللون الأحمر.. فأخذ الزجاجة ليسكبها على الأرض فوقعت على كعب الحذاء الذي يصنعه فوجده جميلاً.. فاتخذها موضة.. ومن يومها ووجوه الرجال في الأرض.
والحذاء في العراق اسمه كوندرا.. وعندما اختار بوش وزيراً لخارجيته اختار الست كوندرا.. وقد سيرته الست كطفل.. ورسمت له من السياسات ما أرهق أمريكا وهدد ميزانيتها.. وكره فيها طوب الأرض.
ويكفينا منه غلاً أنه أعلن العداء على كل الشعوب الإسلامية حين رفع الإنجيل وأعلن أنه سيخوض حرباً صليبية.
ووعد الفلسطينيين مواعيد عرقوب.. وقد حان الموعد وراء الموعد ولم يتحقق للفلسطينيين حتى الأحلام السعيدة.. فهم لا ينامون أصلاً.. فبين الجوع والسهد الضرب بأحدث الأسلحة فتكاً.
وانتهى حكم بوش وجاء أوباما بالوجه البشوش والكلام المعسول.. ولم يتحقق شيء.
فإذا سألت:
أين خارطة الطريق؟
أين إعلان الدولة الفلسطينية؟
أين اتفاق أوسلوا؟
أين اتفاق واي ريفر؟
أين تفاهمات تنت؟
أين الديمقراطية في العراق؟
أين تعمير أفغانستان؟
أين الاعتذار والانسحابات؟
تجد الإجابة:-
لقد أخذ العرب كل حقوقهم برجم المنتظري بوش بالحذاء.
وغداً سوف يجئ اليوم الذي نسأل فيه أين أمريكا نفسها؟
فإن دوام الظلم مستحيل
فيا ست أمريكا:
"إما اعتدلت.. وإما اعتزلت"
الثلاثاء الموافق
21-9-1431هـ
31-8-2010م
| الإسم | أسماء |
| عنوان التعليق | أجمل مكأفاة نهاية الخدمة |
| هذا المقال من أجمل المقات التي كتبها أ/ صلاح إبراهيم.. الذي يستحق منا جزيل الشكر
ويجب أن لاننسى أجمل مكأفاة لبوش أجمل جزمة من أصول مصرية.
وفي رأي هذه أجمل مكأفاة نهاية الخدمة وهو أحسن من مافيش
|
عودة الى قضايا معاصرة
|