|
تفويض الأمر لله.. وانتظار فرجه دروس من المحنة: بقلم أ/ دياب صقر
الحياة مدرسة مليئة بالمواقف الحلوة والمرة.. قدر الله أن لا يدوم لها حال.. والمرء متقلب بين تغيراتها.. تارة في سعة وسعادة واستقرار.. وتارة في ضيق وضائقة واضطراب.
ومن رحمة الرحمن جل وعلا أن جعل هذه التغيرات حتى يثوب العبد لربه.
إما صابرا محتسبا راضيا بقدره.. فيقترب من ربه بالتضرع والدعاء وينتظر فرجه ورحمته.
وإما شاكرا لنعمه وسعته وفضله فيشكر ربه على ذلك.
والكل بلاء من الله واختبار للعبد.. ليشكر.. أم يكفر؛ يقول تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ).
واللبيب من عباد الله يرى رحمة الله به ولطفه في كل قدر يكتب عليه ويقع به.. ويعلم تماما أن ذلك خير له.. ولكنه لا يدرك حكمة الله في ذلك.
وربما تتجلى هذه الحكمة بعد مرور البلاء وحلول الفرج من الله تعالى بعد تمحيصه واختباره.. فيسجد لله شكرا أن ثبته على الحق والإيمان ولطف به ويشكر ربه قولا وفعلا تحقيقا وتطبيقا.
يشكر ربه سبحانه لأنه أغلق طريق اليأس حتى لا يتسرب إلى قلبه.. وفتح له باب الأمل وانتظار فضل ربه ورحمته.. ويعلم أن الله لا يعجل بعجله عباده.
فربما يتعجل العبد بأمر ظاهرة الخير ويكون فيه هلاكه.. فيرحمه ربه بتأخيره عليه رحمة به.. ويشكر ربه أن وفقه للصبر عند الصدمة الأولى ورطب لسانه يلهج بذكره وحمده عز وجل.. فيحمد ربه ويسترجع ويحوقل ويترك أمره لخالقه راضيا بقدره وسعيدا بقضائه.
ولا بأس أن ينفس عن نفسه بحزن القلب ودمع العين بلا سخط ولا صخب ولا جزع.. ويشكر ربه لأن مصيبته لم تكن في دينه.. ولم تكن أكبر من ذلك.
كانت تلك المشاعر الإيمانية مهيمنة على قلوبنا في محنتنا الطويلة الثقيلة برحمة الله.. والتي لم تكن لها من دون الله كاشفة.. ولكن كان حسن ظننا بالله وثقتنا فيه سبحانه بمثابة شعاع أمل عريض فكان الله عز وجل يسوق لنا كثيرا من الرحمات التي لا تحصى في تلك المحنه العصيبة.
ومن هذه الرحمات: [نزول السكينة في قلوبنا والرضا وعدم اليأس من فرج الله] وكان كثير من الإخوة يرى رؤى طيبة مبشرة فيقصها على إخوانه فيستبشروا بها وتهون عليهم ألم المحنة.. والعجيب أن بعضها كان يتحقق كفلق الصبح.
فالذي ينتظر فرج الله وإن طال فهو عبد يثق في قدرة الله وعلمه وحكمته فيفوض الأمر لله ويحسن الظن فيه.. وهذه الأمور من صميم عمل القلب وعقيدة المسلم.. وهى تقوى التوكل على الله والاعتصام به وهذان مصدرا الوقاية من السوء والمكر كما قال الله عز وجل عن مؤمن أل فرعون:
(وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ* فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ).
إن تفويض الأمر لله وحسن التوكل عليه وانتظار فرجه قربى عظيمة لله.
وحين يرى الله عز وجل رضا عبده بقدره.. وصبره على قضائه.. واحتسابه للأجر والمثوبة.. يبدل الله عسره يسرا وضيقه فرجا.. ثم يفتح عليه ويعوضه خيرا مما فقده في بلاءه.. ويرضيه.. ثم يمكن له.
ولقد اشتهر عن الإمام الشافعي تلك المقولة الذهبية حين سئل:
أيبتلى المرء أم يمكن؟!!.
فقال:
لا يمكن حتى يبتلى.
والبلاء كفارة للذنوب.. وهو رحمه من الله للعبد حتى لا يلقى بها ربه يوم القيامة فيجازيه عليها أن لم يعف عنه.
وهو نقاءً للسريرة.. وصفاءً للنفوس.. وتمحيصاً للقلوب.. ورفعا للدرجات.
وإذا تمعنت في قصة نبي الله يوسف عليه السلام تجد أن السجن كان بداية تمكينه.. والفتح الرباني العظيم الذي تفضل سبحانه به على نبيه الكريم الذي صبر وصدق ورضي وثبت برحمة الله على قدر الله.
فقد ابتلى عليه السلام بأمور غير مخير فيها كإلقائه في الجب.. وحرمانه من والده وبيعه بأبخس الأثمان.. وكانوا فيه من الزاهدين.. ودخوله السجن من بعد ما تبين لهم الآيات وعلمهم ببراءته.. فصبر على كل ذلك صبرا جميلا.. وهذا النوع من البلاء ليس للعبد فيه سوى الصبر.
وابتلى أيضا بما هو مخير فيه وله فيه إرادة الفعل أو الترك.. كمراودة امرأة العزيز له.
وهذا أشد عليه من الابتلاءات السابقة لتوافر الدواعي مع غيبة الرائي.. واستمرارية الإلحاح ممن هو في بيتها وبيدها مقاليد الدولة والحكم والسلطة.. فضلا عن أنها ذات جمال.. وهو في عنفوان شبابه ويعتبر مملوكا ً لها آنذاك.. لكنه اتقى ربه واستعاذ به.. ولجأ إليه.
وتكررت المطالب عليه بصورة فجه على مرأى ومسمع من النسوة اللائي أنكرن ذلك على زوجة العزيز من قبل.. لكنه صبر وثبت حتى تمنى السجن خير له من الوقوع في هذا المستنقع الآسن.. وتوجه إلى الله وتضرع إليه أن يصرف عنه هذا الكيد وهذا البلاء الشديد.
وتداركته رحمة الله (فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).. وكان المخرج من ذلك هي تقوى الله.. كما كان المخرج من النوع الأول من البلاء هو الصبر لذلك جمع نبي الله يوسف عليه السلام الأمرين في آية واحده قائلا ً (إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ).
وهذا نبي الله أيوب العبد الصابر والنبي الكريم الذي صارع المرض أعوام طوال بصبر ورضا.. حتى أثنى الله عليه بقوله: (إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ).
وكشف الله عنه البلاء فعافاه من مرضه وأمره أن يركض برجله الأرض فانبع له ماءا زلالا طهورا وقال له: (هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ) فشرب واغتسل.
وأحاطه الله عند غسله بجراب من ذهب وأنزل عليه جراداً من ذهب.. فاخذ نبي الله أيوب عليه السلام يجمع هذا الجراد في ثوبه فقال له الله:
يا أيوب ألم أغنك عن ذلك.
فقال: نعم.. ولكن لا غنى لي عن فضلك يا رب.. ورد الله عليه ماله.. وأتاه أهله ومثلهم معهم.. رحمة منه.. وذكرى لأولى الألباب.
وهناك نماذج من سلف الأمة الإسلامية ضربوا أروع الأمثلة وأسمى النماذج في الثبات والصبر لله وفى الله.. وفتح الله عليهم ومكنهم ولا يسع المقام لذكرهم فكتب السلف زاخرة بمناقبهم.
وفى عصرنا هذا رأينا شبابا وشيوخا ابتلوا في سبيل دعوتهم بالسجن عشرات الأعوام.. فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا.. بل صبروا واحتسبوا لله وفى الله وفرج الله عنهم وفتح عليهم.
ولو سطروا تجاربهم في هذه المحنة العصيبة لصارت نماذج يقتدي بها ويستشهد بها ويضرب بها المثل.
وأتمنى أن يكتب أصحاب هذه التجارب سيرتهم ويدونوها للتاريخ.. كما دونها السابقون سواء من السلف أو من أبناء الحركة الإسلامية المعاصرة الذين سطروا رحلتهم المشرقة بأحرف من نور.. جديرة بأن تكتب على صفحات القلوب وستظل حيه في ذاكرة الزمان.
الأحد الموافق
13-8-1431هـ
25-7-2010م
| الإسم | الفارسى |
| عنوان التعليق | تفويض الأمر لله.. وانتظار فرجه |
| بارك الله فيك ياشيخ وتكون محنتك فى ميزان حسناتك واعلم ياشيخ ان مع العسر يسر وبعد كل ضيق فرج السلام عليكم الفارسى |
| الإسم | الصقر |
| عنوان التعليق | تفويض الأمر لله.. وانتظار فرجه |
| ادعو الله ان يكون هذا العمل فى كفت حساناتك وان يكون هذا العمل بداية خير لك ( سيد الصقر) |
| الإسم | محمد صفوت سعودي كيلاني |
| عنوان التعليق | تفويض الامر لله من اجل العبادات |
| قالها مؤمن فرعون موقنا بها قلبه فكانت الاجابة السريعه فوقاة الله سيئات ما مكروا وحاق بال فرعون سوء العذاب وقالها ربنا جل في علاه لنبيه لما قالوا له هل لنا من الامر شئ قال له ربه قل ان الانر كله لله فما اجمل وما اعظم تلك العباده عندما يخرج الامر عن يديك فقل وافوض امري لله فهو صاحب الامر وما وما ضعفت الامه وما وهنت الا لما ظنت ان الامر بيديها ونسيت ان الانور دقيقها وعظيمها بيدي خالقها فاللهم انا توكلنا عليك وفوضنا امرنا اليك فرد الينا اراضينا السلبيه واحفظ وصن اعراضنا وردنا الي دينك ردا جميلا فاانت ولي ذلك والقادر عليه |
| الإسم | محمد تيسير |
| عنوان التعليق | فتح الله عليك |
| الشيخ الفاضل الحبيب / أبو عمرو
جزاكم الله خيرًا على هذه اللمسات الإيمانيه الطيبه وفتح الله عليك ، ونتمنى ان نقرأ المزيد والمزيد من إبداعاتك علي الموقع لنتذكر الأيام الجميله التى جمعتنا بحضرتك |
| الإسم | دياب صقر |
| عنوان التعليق | شكر وعرفان |
| اشكر جميع اخوانى 00واسال الله ان يرزقنا واياكم القبول والرضا 00واخص بالشكر الاخوة الاكارم الفارسى والصقر والشيخ محمدصفوت والاستاذالمربى الشيخ محمد تيسير صاحب الفضل ورفيق محنتى وارجو منك ياشيخ تيسير ان تكتب تليفونك ----وكل عام وحضراتكم بخير0وان يهل علينا شهر رمضان الكريم باليمن والبركه والعافيه والسعاده0000 وان يجعله شهر نصر وتمكين للامة الاسلاميه00 وان يحرر فيه المسجد الاقصى المبارك00امين |
عودة الى الطريق الى الله
|