|
الأمل, أهم دروس الهجرة النبوية بقلم/ محمد بكرى
يُحكى أن قائدا ً هُزِمَ في إحدى المعارك.. فسيطر اليأس عليه وذهب عنه الأمل.. فترك جنوده وذهب إلى مكان خال في الصحراء وجلس إلى جوار صخرة كبيرة.. وبينما هو على تلك الحال رأى نملة صغيرة تَجُرُّ حبة قمح.. وتحاول أن تصعد بها إلى منزلها في أعلى الصخرة.. ولما سارت بالحبة سقطت منها فعادت النملة إلى حمل الحبة مرة أخري.. وفي كل مرة كانت تقع الحبة فتعود النملة لتلتقطها وتحاول أن تصعد بها.
وهكذا.. أخذ القائد يراقب النملة باهتمام شديد ويتابع محاولاتها في حمل الحبة مرات ومرات.. حتى نجحت أخيرًا في الصعود بالحبة إلى مسكنها فتعجب القائد المهزوم من هذا المنظر العجيب.
ثم نهض القائد من مكانه وقد ملأه الأمل والعزيمة فجمع رجاله وأعاد إليهم روح التفاؤل والإقدام وأخذ يجهزهم لخوض معركة جديدة.. وبالفعل انتصر القائد على أعدائه وكان سلاحه الأول هو الأمل وعدم اليأس الذي استمده وتعلمه من تلك النملة الصغيرة.
ولعلك الآن أيها القارئ الكريم تتسأل: وما علاقة هذه الواقعة بالهجرة؟؟
نقول لقد أظلمت الدنيا في مكة أمام المستضعفين الذين أعياهم ما لاقوه في صحراء مكة حيث مكابدة صنوف الألم والأذى بين مطاردة وتشريد.. وحصار وتضييق وتنكيل وتعذيب.
وعندها تفجر ينبوع الهجرة ليعطى بصيص الأمل بأن ليل المحنة لن يطول.. فعند اشتداد الظلمة تبدو تباشير الصباح.. وهكذا ينبغي أن يحمل الدعاة إلى الله هذه الحقيقة بين أضلعهم وتراها بصائرهم.. فلا يتسرب اليأس إلى نفوسهم.
فالذي ييأس عند الضر من رحمة الله وعونه يفقد كل نافذة مضيئة.. ويحرم كل نسمة رخية.. ويسلب كل رجاء في الفرج.. ويستبد به الضيق.. ويثقل على صدره الكرب.
أما من يحسن الظن بربه ويثق في موعوده فيحدوه الأمل وقد علم أنه ليس كل حال يدوم.. فدوام الحال من المحال.. والأيام بين الناس دول.. فما أحوج الدعاة إلي استشراف الخير اليوم وقد رأوا الأيام والسنين تمر.. والأحداث والخطوب تتوالى.. وما تزال جراح أمتنا تنزف ومآسيها تتوالى وظلمتها تشتد.. فلا يخفى على ذي عينين تكالب أعدائها واستشراء الوهن بين أكثر أبنائها.. ولكن العاقل لا يشك أن المستقبل لهذا الدين وسيبلغ ما بلغ الليل والنهار.. وحدث الهجرة يشهد بذلك:
قارن أيها القارئ الكريم بين المشهد الذي خرج به رسول الله (صلى الله عليه وسلم) طريدا ليس معه إلا ربه ثم صاحبه تدمع عيناه الشريفتان وهو ينظر إلى مكة قائلا ً: "إنك لأحب بلاد الله إلى الله.. وأحب بلاد الله إلىّ ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت"
ثم انظر إليه (صلى الله عليه وسلم) يدخل إليها في عشرة آلاف وهو يطأطئ رأسه تواضعا.. أرأيت سراقة بن مالك وهو ينطلق بفرسه هنا وهناك لعله يدرك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وصاحبه طمعا ً في مكافأة رصدتها قريش لمن يأتي بهما ثم هو هو سراقة الذي ألبسه الفاروق عمر رضي الله عنه سواري كسرى بن هرمز يوم فتح المدائن عام 16 هجرية.
ولله در الشافعي رضي الله عنه إذ يقول:
ولرُبَّ نازلة يضيق لها الفتى
ذرعا ً وعند الله منها المخرجُ ضاقت فلمّا استحكمت حلقاتها
فُرِجت وكنت أظنها لا تُفرَجُ
إن قلب المؤمن لا يعرف اليأس أبدا ً.. كيف وقد تظاهرت نصوص القرآن الكريم والسُّـنَّة النَّبوية المطهَّرة في النَّهي عن اليأس والقنوط من رحمة الله واليأس عن الوصول إلى الغاية المنشودة.. بل جعلت القعود وفتور الهمم وضعفها منافيا ً للإيمان وللغاية التي خُلِقَ الإنسان من أجلها.
قال تعالى "وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ" .
وقال تعالى " قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ".
وقال تعالى "وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ".
وقال تعالى "وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَؤُوساً".
يقول صاحب الظلال رحمه الله "إنَّه لا يقنط من رحمة ربِّه إلا الضَّالون.. الضَّالون عن طريق الله الذين لا يستروحون روحه ولا يحسون رحمته.. ولا يستشعرون رأفته وبره ورعايته.. فأمَّا القلب الندي بالإيمان المتَّصل بالرحمن فلا ييأس ويقنط مهما أحاطت به الشدائد.. ومهما ادْلَهَمَّتْ به الخطوب.. ومهما غام الجو وتلبَّد.. وغاب وجه الأمل في ظلام الحاضر وثقل هذا الواقع الظاهر فإنَّ رحمة الله قريبٌ من قلوب المؤمنين المهتدين.. وقدرته تنشئ الأسباب كما تنشئ النتائج وتغيِّر الواقع كما تغيِّر الموعود".
لقد سيقت سورة يوسف (عليه السلام) وهم في مكة تحت وطأة البلاء والتعذيب لتقول لهم: "إن الله سبحانه قد ابتلى نبيه يعقوب (عليه السلام) بفقد ولديْه: يوسف وبنيامين فحزن عليهما حزنًا شديدًا حتى فقد بصره.. لكن يعقوب (عليه السلام) ظل صابرا ً بقضاء الله ولم ييأس من رجوع ولديه.. وازداد أمله ورجاؤه في الله سبحانه أن يُعِيدَهما إليه.. وطلب يعقوب (عليه السلام) من أبنائه الآخرين أن يبحثوا عنهما دون يأس أو قنوط لأن الأمل بيد الله فقال لهم" : يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ" يوسف: 87
وحقق الله أمل يعقوب ورجاءه.. وَرَدَّ عليه بصره وولديه وكانت الإشارة فيها واضحة بأن يوسف (عليه السلام) الذي تقلبت به الأيام بين بيت أبيه ثم البئر ثم هو في سوق الرقيق ثم القصر ثم السجن ثم بعد هذه الرحلة من البلاء إذا به على عرش مصر.
أين اليد التي ألقت به في البئر يوما؟؟
أليست هي التي جاءته يوما آخر تكفف قوت يومها قائلة " قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ
وقد ختم الله السورة بقوله تعالى " لقد كان في قصصهم عبرة لأولى الألباب .." يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى:
"وفي قصص هذه الأمور عبرة للمؤمنين بهم.. فإنهم لابد أن يبتلوا بما هو أكثر من ذلك ولا ييأسوا إذا ابتلوا بذلك.. ويعلموا أنه قد ابتلي به من هو خير منهم.. وكانت العاقبة إلى خير.
فليتيقن المرتاب.. ويتب المذنب.. ويقو إيمان المؤمنين.. فبها يصح الاتساء بالأنبياء".. مجموع الفتاوى.
إن النفس وهى تتقلب في البلاء ربما يدور في خلجاتها بعض التساؤلات التي تفتح باب اليأس عليها منها ما الحكمة في إدالة الأيام على المؤمنين أحيانا رغم أنهم على الحق وخصومهم على الباطل.
وهنا أفسح المجال للإمام ابن القيم رحمه الله يجيبنا بعذب حديثه وجميل أسلوبه إذ يقول:
"أن ابتلاء المؤمنين بغلبة عدوهم لهم وقهرهم وكسرهم لهم أحيانا ً فيه حكم عظيمة.. لا يعلمها على التفصيل إلا الله عز وجل.
فمنها: استخراج عبوديتهم وذلهم لله.. وانكسارهم له وافتقارهم إليه،وسؤاله نصرهم على أعدائهم ولو كانوا دائما ً منصورين قاهرين غالبين لبطروا وأشروا.. ولو كانوا دائما ً مقهورين مغلوبين منصورا ً عليهم عدوهم لما قامت للدين قائمة ولا كانت للحق دولة.. فاقتضت حكمة أحكم الحاكمين أن صرّفهم بين غَلَبهم تارة وكونهم مغلوبين تارة.. فإذا غُلبوا تضرعوا إلى ربهم وأنابوا إليه وخضعوا له.. وانكسروا له.. وتابوا إليه وإذا غلبوا أقاموا دينه وشعائره وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر.. وجاهدوا عدوه ونصروا أولياءه.
ومنها أنهم لو كانوا دائما منصورين غالبين قاهرين لدخل معهم من ليس قصده الدين ومتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم.. فإنه إنما ينضاف إلى من له الغلبة والعزة.. ولو كانوا مقهورين مغلوبين دائما ً لم يدخل معهم أحد فاقتضت الحكمة الإلهية أن كانت لهم الدّولة تارة وعليهم تارة فيتميز بذلك من يريد الله ورسوله ومن ليس له مراد إلا الدنيا والجاه.
ومنها أنه سبحانه يحب من عباده تكميل عبوديته على السراء والضراء.. وفي حال العافية والبلاء.. وفي حال إدالتهم والإدالة عليهم.. فلله سبحانه على العباد في كلتا الحالتين عبودية بمقتضى تلك الحال لا تحصل إلا بها ولا يستقيم القلب بدونها.. كما لا تستقيم الأبدان إلا بالحر والبرد والجوع والعطش.. والتعب والنصب وأضدادها.. فتلك المحن والبلايا شرط في حصول الكمال الإنساني.. والاستقامة المطلوبة منه ووجود الملزوم بدون لازمة ممتنع.
ومنها أن امتحانهم بإدالة عدوهم عليهم يُمحصهم ويُخلصهم ويُهذبهم كما قال تعالى في حكمة إدالة الكفار على المؤمنين يوم أحد "وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ" إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ * وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين" آل عمران:144ـ139
فذكر سبحانه أنواعا ً من الحكم التي لأجلها أُديل عليهم الكفار بعد أن ثبتهم وقواهم.. وبشرهم بأنهم الأعلون بما أُعطوا من الإيمان.. وسلاّهم بأنهم وإن مسهم القرح في طاعته وطاعة رسوله فقد مس أعداءهم القرح في عداوته وعداوة رسوله.
ثم أخبرهم أنه سبحانه بحكمته يجعل الأيام دولا بين الناس.. فيصيب كلا منها كالأرزاق والآجال ثم أخبرهم أنه فعل ذلك ليعلم المؤمنين منهم.. وهو سبحانه بكل شيء عليم قبل كونه وبعد كونه.. ولكنه أراد أن يعلمهم موجودين مُشاهدين فيعلم إيمانهم واقعا.
ثم أخبر أنه يحب أن يتخذ منهم شهداء فإن الشهادة درجة عالية عنده ومنزلة رفيعة لا تنال إلا بالقتل في سبيله.. فلولا إدالة العدو لم تحصل درجة الشهادة التي هي من أحب الأشياء إليه، وأنفعها للعبد.
ثم أخبر أنه سبحانه يريد تمحيص المؤمنين.. أي: تخليصهم من ذنوبهم بالتوبة والرجوع إليه، واستغفاره من الذنوب التي أديل بها عليهم العدو.. وأنه مع ذلك يريد أن يمحق الكافرين ببغيهم وطغيانهم وعدوانهم إذا انتصروا.
ثم أنكر عليهم حسابهم وظنهم دخول الجنة بغير جهاد ولا صبر.. وأن حكمته تأبى ذلك.. فلا يدخلونها إلا بالجهاد والصبر.. ولو كانوا دائماً منصورين غالبين لما جاهدهم أحد ولما ابتلوا بما يصبرون عليه من أذى أعدائهم.
فهذا بعض حًكمًه في نصرة عدوهم عليهم وإدالتهم في بعض الأحيان.
إن ما يصيب المؤمن في هذه الدار من إدالة عدوه عليه وغلبته له وأذاه له في بعض الأحيان أمر لازم لابد منه وهو كالحر الشديد والبرد الشديد والأمراض والهموم والغموم فهذا أمر لازم للطبيعة والنشأة الإنسانية في هذه الدار حتى للأطفال والبهائم لما اقتضته حكمة أحكم الحاكمين.
فلو تجرد الخير في هذا العالم عن الشر والنفع عن الضر واللذة عن الألم لكان ذلك عالما ً غير هذا.. ونشأة أخرى غير هذه النشأة.. وكانت تفوت الحكمة التي مُزج لأجلها الخير والشر والألم واللذة، والنافع والضار.
وإنما يكون تخليص هذا من هذا وتمييزه في دار أخرى غير هذه الدار كما قال تعالى "حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ"
فالأمل والثقة بالله وحسن الظن به سبحانه.. وليكن ظننا دائما كما أقسم الرسول (صلى الله عليه وسلم) والله "ليتمن هذا الأمر.. حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا الله.. أو الذئب على غنمه.. ولكنكم تستعجلون" رواه البخاري كتاب المناقب.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين
عودة الى دروس في الدعوة
|