|
الصحابي الجليل.. أبي سفيان بن الحارث.
بقلم / عصمت الصاوي
خرج أبو سفيان بن الحارث قاصداً الابواء بين مكة والمدينة ليعلن أسلامه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمل يحدوه في تهلل رسول الله له خرج وهو يمني نفسه بلقاء تأخر قرابة العشرين عاما.. خرج وهو لا يشك لحظة أن الرسول سيفرح لإسلامه ويبتهج بقدومه فما أن وقف بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم وأملى النبي عينيه منه حتى أشاح صلى الله عليه وسلم بوجهه معرضاً عنه فتحول أبو سفيان تلقاء وجهه فأشاح فتحول فأشاح!!!!.. فقالت أم سلمه يا رسول الله ابن عمك لا يكن أشقى الناس بك قال صلى الله عليه وسلم: (كفاني أن قد قال لي بمكة ما قد قال)!!....
عشرين عاما لم تستطع أن تزيل من صدر الرسول إيذاء ابن عمه له.. عشرين عاما لم تكن قادرة على مسح عداء أبي سفيان بن الحارث من قلب ارحم رجل وطأت قدماه الأرض .. فترى من هذا الذي كاد أن يكون أشقى الناس؟؟!!.
انه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب بن عم النبي صلى الله عليه وسلم وترباً من اثرابه.. وقلما أن جمع الود والصفاء رجلين كما جمع أبا سفيان ومحمد صلى الله عليه وسلم فضلا عن كونهم أبناء عم فقد كانا اخوين من الرضاعة وكان أبو سفيان اشد الناس شبها برسول الله صلى الله عليه وسلم وفوق هذا كانت أواصر الحب والصداقة هي الرباط الوطيد والوثيق الذي جمع بين قلبيهما وألف بين عقليهما.
ولقد كان الظن بأبي سفيان أن يكون أول السابقين إلى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم بل وأول المدافعين عن أتباعه صلى الله عليه وسلم, وتأتي الرياح بما لا تشتهي السفن لتقول لمحمد صلى الله عليه وسلم انك لا تهدي من أحببت.. ويشاء الله أن يصاب النبي الكريم في أبي سفيان بن الحارث.
فلما أن ذهب يدعوه إلى الإيمان بالله وبرسالته وهو يمني نفسه برجل من إشراف مكة وكبرائها وهو لا يظن أبدا أن ابن عمه خاذله غير ناصره.. حتى استحالت الصداقة إلى عداوة والرحم إلى قطيعه والإخوة إلى صد وإعراض.. وليته توقف عن رفض الدعوة وعدم قبولها, وإنما وضع لسانه وسنانه في محاربة والرسول ومعاداته ودعوته بل وجند كل طاقاته وإمكاناته للنكاية بالإسلام وأهله.
فما خاضت قريش حربا ضد الإسلام وإلا وكان علما من أعلامها, وليته توقف عند العداء العام للدعوة الجديدة وأهلها ورفض الديانة وردها, وإنما أطلق لسانه في هجاء الرسول الكريم فقال فيه كلاما مفزعا فاحشا موجها, فأي وقع لهذه الكلمات على قلب الرسول وهما خلان الماضي وأتراب الأمس وأخوة اللبن وأبناء العم.. لقد كانت كلماته وعدوانه دون سائر كلمات أهل مكة جميعا وعدوانهم جرحا غائرا في صدر الرسول صلى الله عليه وسلم.
وتمر السنون تلو السنون وما أن يندمل الجرح في صدر الحليم صلى الله عليه وسلم حتى ينكأه أبو سفيان بإيذاء جديد وهجاء جديد فما اندمل الجرح وما رقع الفتق وما وقف النزيف!!, ويشرح الله صدره للإسلام حال قدوم النبي إلى مكة, فإنما فيقوم في توه وقد أخذ ولده جعفر وأخذا يغزان المسير نحو الابواء ورسول الله يقول: (أبو سفيان), فلما اقتربت منه تنكرت حتى لا يعرفني احد فاقتل قبل أن أصل إلى النبي فأعلن إسلامي بين يديه.. وبينما أنا أتنحى عن طريق الجيش وهو يتقدم صوب مكة إذا طلع الرسول في موكبه فتحديت له ووقف تلقاه وحسرت الغطاء عن وجهي فما أن ملئ عينيه مني وعرفني حتى اعرض عني فتحولت إلى ناحية وجهه فاعرض فتحولت إليه فاعرض حتى تخطاني ومضى.
ولما رأى المسلمون إعراض الرسول عني اعرضوا فلقينى أبو بكر فاعرض عني اشد الإعراض فنظرت إلى عمر نظرة استلين بها قلبه فوجدته اشد إعراضا من صاحبه, فلزت بالعباس عمي فقلت: إي عم.. كنت أرجو أن يفرح رسول الله بإسلامي لقرابتي وشرفي في قومي وقد كان منه ما تعلم فكلمه ليرضى عني؟!, فقال: لا والله.. لا اكلمه بعد الذي رايته من إعراضه عنك فاني اجل رسول الله وأهابه.. فقلت: يا عم إلى من تكلني؟, فقال: ليس عندي لك إلا ما سمعت.
يقول أبو سفيان فتملكني الهم وركبني الحزن فذهبت إلى أم سلمه فكلمتها فكلمت رسول الله في شأني فقال صلى الله عليه وسلم: (كفاني أن قد قال لي بمكة ما قد قال)!!.
فازداد همي وحزني وكربي وضاقت علي الدنيا بما رحبت فلقيت ابن عمي علي بن أبي طالب فقال: ائته من قبل وجهه ثم قل لا أقول لك إلا كما قال أخوة يوسف: (قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ), فإنه لا يحب أن يكون احد أحسن منه قولاً, وكانت كلمات علي باب الرجاء العظيم الذي فتح على مصراعيه أمام أبي سفيان بن الحارث فانطلقت قاصدا وجه الرسول فما أن وقفت بين يديه حتى قلت وعيناي تذرفان بالدموع: (قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ), وكانت حروق الكلمات بلسما شافيا لجروح السنوات وقسمت حرب عشرين عاما جملة واحدة تلقتها أعظم نفس بشريه فما ملك إلا إن يجيب: (قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)..
وكانت هذه الكلمات هي الميلاد الحقيقي والجديد لأبي سفيان بن الحارث الذي نزر نفسه وماله فداء لهذا الدين وفداء لهذا الرسول صديق الأمس وحبيب اليوم.. فقد أحب النبي حب ملك عليه كل جوارحه وأركانه.. فلما كان يوم حنين جمعت العرب لحرب النبي ما لم تجمع قط واعدت للقائه وعزمت أن تجعلها القاضية على الإسلام ورسوله.
وخرج الرسول في جمع من أصحابه وخرج أبو سفيان معهم فقال:
لما رأيت جموح المشركين قلت والله لأكفرن اليوم عن كل ما سلف من عداوة رسول الله وليرين النبي من اثري ما يرضى الله ويرضيه.. وما أن التفي الجمعان حتى كانت المفاجئة المدوية التي هزت أركان جيش المسلمين هزا عنيفا..
فقد فاجأ المشركون الجيش الاسلامى بكمائن لم يكونوا يتوقعونها وأمطروهم بوابل من النبال والسهام حتى تشتتوا في الموقف ودب فيهم الوهن والفشل وجعل الناس يتفرقون عن رسول الله في كل وجه, وثبت النبي صلى الله عليه وسلم على ناقته كأنه الطود الشامخ واخذ ينادي في الناس: (هلم إلي أيها الناس أنا النبي لا كذب أنا بن عبد المطلب), واخذ يدفع ناقته بشده تجاه جيش المشركين.
وفي هذه الأثناء العصيبة كان بجواره رجلان تسمرت أقدامها عند أقدام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم, ذك العباس بن عبد المطلب عم الرسول عن يمينه يفديه بروحه وعن شماله كان أبو سفيان بن الحارث يقف كالليث الجسور يقاتل بيمينه ويتعلق بركاب رسول الله بشماله يثقل الناقة فلا تندفع صوب المشركين.
يقول أبو سفيان:
فلما نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلي حسن بلائي قال صلى الله عليه وسلم لعمي العباس: (من هذا؟), فقال: هذا أخوك وابن عمك أبو سفيان بن الحارث فارضي عنه رسول الله, قال صلى الله عليه وسلم: (قد فعلت وغفر الله له كل عداوة عادانيها), فاستطار فؤادي – أبي سفيان - فرحاً برضا رسول الله عني وقبّلت رجله في الركاب ثم التفت إلي فقال: (أخي لعمري تقدم فضارب), وألهبت كلمات الرسول حماستي فحملت على المشركين حملة أزالتهم عن مواضعهم وحمل المسلمون حتى طردنا هم قدر فرسخ وفرقناهم في كل وجه.
ويعود أبو سفيان بن الحارث من حنين وقد تملك الإيمان في قلبه حتى انه يحس سعادة لم يصادفها طوال عمره المديد, وعلى قدر سعادته وحبوره كان ألمه وندمه على تلك الليالي السود التي قضاها محجوبا عن هذا النور بل محاولا إطفاؤه.. وعلى قدر ندمه وألمه كان انكبابه على القرآن ليله ونهاره يتلو آياته ويتفقه في أحكامه ويتدبر في عطائه.
ولما لحق الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى حزن عليه أبو سفيان حزن الأم على وليدها وبكاه بكاء الحبيب على حبيبه, ورثاه بقصيدة تقطر ألما وتفيض حسرة وشجونا فقال:
أرقت فبات ليلي لا يـــزول .. وليل أخي المصيبة فيه طـــول
وأسعدني البكاء وذاك فيما .. أصيب المسلمــــــون به قلــيل
لقد عظمت مصيبتنا وجلـت .. عشيه قبل قد قبض الرســول
وأضحت أرضنا مما عراها .. تكاد بهـــــــــا جوانبــــها تميل
فقدنا الوحي التنزيل فينـــا .. بـروح به ويغـــــدو وجبرائيل
وذاك أحـــــق ما سالت عليه .. نفوس الناس أو كربت تسيل
بني كان يجلـــــو الشك عنا .. بمـــا يوحى إليـــه ومــا يقول
ويهدينا فـــلا نخشى ضلالاً .. علينــــا والـرســول لــنا دلـيل
أفـاطم أن جزعت فذاك عذر .. وان لـــم تجزعي ذاك السبـيل
فقبر أبيـــك ســيد كل قـــبر .. وفيه سيـــد النـــاس الرســـول
وفي خلافة الفاروق عمر أحس باقتراب اجله فحفر قبره بيديه, ولم تمضي غير ثلاثة أيام حتى كان مع الموت على ميعاد فالتفت إلى زوجته وأبنائه وهم يبكون فقال: (لا تبكوا علي فو الله ما تعلقت بخطيئة منذ أسلمت), ثم فاضت روحه الطاهرة إلى حيث النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
عودة الى الذين سبقونا
|