|
هل يصام يوم تاسوعاء إذا وافق يوم السبت؟؟ بقلم/ محمد بكرى
بين الحين والآخر يطل علينا البعض عبر شاشات الفضائيات ومواقع الإنترنت بما لا يوصف إلا بأنه ترف علمي.. وكم يدمى قلوبنا هذا النوع من الفتاوى لاسيما إذا أفسح له المجال في وسائل الإعلام.
ورغم أننا لسنا ممن يقسم الدين إلى قشور ولباب ولا نحب الخوض كثيرا ً في مثل هذه المسائل.. لكن يبدو أنه لا مفر من إيضاح ما ندين لله به لئلا يغلق باب خير على الناس وله من الأدلة ما يشهد بمشروعيته.
وفى البداية نذكر بما ورد في صوم عاشوراء وتاسوعاء ملخصا ً كما يلي :
ثبت عند الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله تعالى عنه.
أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سُئل عن صوم يوم عاشوراء فقال " ذاك يوم صيامه يُكَفِّر السنةَ الماضية"
فسئل عن صيام يوم عرفة فقال " يكفِّر السنة الماضية والسنة الآتية" .
فقيل له ماذا تقول في صوم يوم الاثنين؟
قال " ذاك يوم وُلدت فيه ويوم بعثت فيه" وفي لفظ " نزل القرآن عليَّ فيه "
وثبت أيضا ً في صحيح مسلم عن ابن عباس - رضي الله عنهما- أنه قال : حين صام رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يوم عاشوراء، وأمر بصيامه، قالوا يا رسول الله: إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى!
فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم " : ( فإذا كان العام المقبل إن شاء الله، صمنا اليوم التاسع".
قال: فلم يأت العام المقبل، حتى توفي رسول الله (صلى الله عليه وسلم )
والحكمة في صيام عاشوراء ما جاء في مسند الإمام أحمد " أن النبي مر بأناس من اليهود قد صاموا يوم عاشوراء فقال ما هذا من الصوم قالوا هذا اليوم الذي نجي الله عز وجل فيه موسى عليه السلام وبني إسرائيل من الغرق.. وغرّق فيه فرعون.. وهذا يومٌ استوت فيه السفينة على الجودي.. فصام نوح وموسى عليهما السلام شكرا ً لله عز وجل فقال النبي: " أنا أحق بموسى وأحقُّ بصوم هذا اليوم فأمر أصحابه بالصوم "
وحكمة صوم يوم تاسوعاء مع عاشوراء الاحتياط له لاحتمال الغلط في أول الشهر ولمخالفة اليهود فإنهم يصومون العاشر.. والاحترازُ من إفراده بالصوم كما في يوم الجمعة.. فإن لم يصم معه تاسوعاء سُنّ أن يصومَ معه الحادي عشر بل نصّ الشافعيُ في ( الأم والإملاء ) على صوم الثلاثة .
لكن ما هو الدليل عند من يذهب إلى القول بعدم مشروعية تاسوعاء متى وافق يوم السبت؟؟
ما رواه الترمذي (744) وأبو داود (2421) وابن ماجه (1726) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ عَنْ أُخْتِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ : " لا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلا فِيمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلا لِحَاءَ عِنَبَةٍ ، أَوْ عُودَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضُغْهُ "
وقَالَ أَبُو عِيسَى الترمذي : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَمَعْنَى كَرَاهَتِهِ فِي هَذَا أَنْ يَخُصَّ الرَّجُلُ يَوْمَ السَّبْتِ بِصِيَامٍ لأَنَّ الْيَهُودَ تُعَظِّمُ يَوْمَ السَّبْتِ " انتهى وهذا الحديث صححه الألباني في "الإرواء" (960)
وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري، وقال إنه معارَض بإسناد صحيح.. فذكر حديثي جويرية وأم سلمة في صيام السبت وسنذكرهما لاحقا .
** استدلوا أيضا بقاعدة إذا اجتمع في المسألة مبيح وحاظر غلب الحاظر
أى أنه إذا تعارض نصان نهى عن كذا وفعل كذا.. كما في النهى عن الشرب قائما ً وشرب قائما ً ، يُغلَّب الحاظر على المبيح.. الآن وهنا إذا كان يوم تاسوعاء يوم السبت فلا يصام لأنه ليس فرضا ً.
ومما تقدم فلا يسن صيام السبت حتى ولو وافق تاسوعاء
ولكن تعقب المجيزون للصوم أدلتهم السابقة بما يلي :
أولا ً:- من الناحية الحديثية: نعم هناك من حسنه ومن صححه كما سبق لكن هناك أيضا ً من حكم عليه بعدم القبول من أكثر من وجه من وجوه الضعف:
قال أبو داود: هذا حديث منسوخ
قال الأثرم : حجة أبي عبد الله ( يقصد الإمام أحمد رحمه الله ) في الرخصة في صوم يوم السبت: أن الأحاديث كلها مخالفة لحديث عبد الله بن بسر
وقال مالك: هذا حديث كذب
وثبت عن الأوزاعى أنه قال عن الحديث: ما زلتُ له كاتما حتى رأيتُه انتشر
وقال الطحاوي: إن الآثار المروية التي فيها إباحة صوم يوم السبت تطوعا "..هي أشهر وأظهر في أيدي العلماء من هذا الحديث الشاذ الذي قد خالفها".
وقال الإمام أبو بكر ابن العربي: وأما يوم السبت فلم يصح فيه الحديث، ولو صح لكان معناه مخالفة أهل الكتاب. (القبس شرح الموطأ 2/514 (
وقال ابن حجر: الحديث معلول بالاضطراب. (التهذيب 8/174( ونحوه في بلوغ المرام 688).
وقال: الحديث فيه اضطراب شديد. (التهذيب 12/326).
وردَّ ابن حجر في التلخيص الحبير (2/216) على من رجح بعض الأوجه في رواية الحديث قائلا ً " لكن هذا التلون في الحديث الواحد بالإسناد الواحد مع اتحاد المخرج يوهن راويه وينبئ بقلة ضبطه، إلا أن يكون من الحفاظ المكثرين المعروفين بجمع طرق الحديث.. فلا يكون ذلك دالا على قلة ضبطه، وليس الأمر هنا، كذا بل اختلف فيه أيضا على الراوي عن عبد الله بن بسر أيضا".
ثانيا ً:- النصوص التي تثبت صيام السبت :
ما رواه البخاري (1985) ومسلم (1144) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَقُولُ :" لا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلا يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَه" .
وكذلك حديث جويرية الذي رواه البخاري (1986) عَنْ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهِيَ صَائِمَةٌ.
فَقَالَ : " أَصُمْتِ أَمْسِ ؟
قَالَتْ : لا .
قَالَ : تُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِي غَدًا ؟
قَالَتْ : لا .
قَالَ : فَأَفْطِرِي" .
فهذا الحديثان يدلان دلالة صريحة على جواز صوم يوم السبت في غير رمضان.. لمن صام الجمعة قبله .
وقال ابن قدامة رحمه الله في "المغني" (3/52) : " قال أصحابنا: يكره إفراد يوم السبت بالصوم .. والمكروه إفراده.. فإن صام معه غيره.. لم يكره ; لحديث أبي هريرة وجويرية.. وإن وافق صوما لإنسان , لم يكره " انتهى
وكذلك ما ثبت في الصحيحين أن النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قال " أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ كان َيَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا"
وهذا لا بد أن يوافق السبت منفردا ً في بعض صومه.. فيؤخذ منه أنه إذا وافق صوم السبت عادةً له كيوم عرفة أو عاشوراء.. فلا بأس بصومه ، ولو كان منفردا.
وهى مسألة للفقهاء القدامى فيها أقوال:
لا يكره إفراده بالصيام في غير الفريضة، وهذا مذهب أبي حنيفة، ومالك، ورواية عن أحمد، و مذهب الشافعي ورواية عن أحمد يكره صيامه إلا إذا قرن بيوم قبله أو يوم بعده.
قال الإمام النووي رحمه الله: يكره إفراد يوم السبت بالصوم، فإن صام قبله أو بعده معه لم يكره، صرح بكراهة إفراده أصحابنا، منهم: الدارمي، والبغوي، والرافعي،وغيرهم، لحديث عبد الله بن بُسْر.
وذهب بعضهم إلى أنه يكره إلا إذا وافق عادة له كما في قوله (صلى الله عليه وسلم) " لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين إلا رجل كان يصوم صوما ً فليصمه " رواه مسلم
من أقوال الفقهاء المعاصرين:
قال الشيخ بن باز رحمه الله في : التحفة الكريمة 61) حديث منسوخ أو شاذ، لأن الأحاديث الصحيحة المحكمة قد دَلَّت على شرعية صيامه مع الجمعة أو مع الأحد في غير الفرض.. وهي أحاديث صحيحة وكثيرة، وفيه علة أخرى أيضاً: وهي الاضطراب. (التحفة الكريمة 61)
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في "مجموع فتاوى ورسائل الشيخ ابن عثيمين" (20/57).. وليعلم أن صيام يوم السبت له أحوال:
الحال الأولى: أن يكون في فرضٍ كرمضان أداء.. أو قضاءٍ ، وكصيام الكفارة ، وبدل هدي التمتع ، ونحو ذلك ، فهذا لا بأس به ما لم يخصه بذلك معتقدا ً أن له مزية .
الحال الثانية: أن يصوم قبله يوم الجمعة فلا بأس به.. لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال لإحدى أمهات المؤمنين وقد صامت يوم الجمعة:
" أصمت أمس ؟ "
قالت: لا
قال: " أتصومين غدا ؟ "
قالت : لا
قال : " فأفطري" .
فقوله: " أتصومين غدا ؟ " يدل على جواز صومه مع الجمعة .
الحال الثالثة: أن يصادف صيام أيام مشروعة كأيام البيض ويوم عرفة.. ويوم عاشوراء.. وستة أيام من شوال لمن صام رمضان.. وتسع ذي الحجة فلا بأس.. لأنه لم يصمه لأنه يوم السبت.. بل لأنه من الأيام التي يشرع صومها .
الحال الرابعة: أن يصادف عادة كعادة من يصوم يوما ً ويفطر يوما ً فيصادف يوم صومه يوم السبت فلا بأس به .. كما قال النبي (صلى الله عليه وسلم) لما نهى عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين: " إلا رجلاً كان يصوم صوماً فليصمه " وهذا مثله .
الحال الخامسة: أن يخصه بصوم تطوع فيفرده بالصوم.. فهذا محل النهي إن صح الحديث في النهي عنه " انتهى
وفى الختام نقول: إن الحديث الوارد في النهى عن صوم السبت لم يخل من مقال ويزول الإشكال إذا اجتمع معه صوم الأحد والجمع.. هنا ممكن كما قال الشوكانى:
"وَقَدْ جَمَعَ صَاحِبُ الْبَدْرِ الْمُنِيرِ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ.. فَقَالَ : النَّهْيُ مُتَوَجِّهٌ إلَى الْإِفْرَادِ وَالصَّوْمِ بِاعْتِبَارِ انْضِمَامِ مَا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ إلَيْهِ ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ إذْنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ صَامَ الْجُمُعَةَ أَنْ يَصُومَ السَّبْتَ بَعْدَهَا وَالْجَمْعُ مَهْمَا أَمْكَنَ أَوْلَى مِنْ النَّسْخِ" .أ.هـ نيل الأوطار - (7 / 163)
وعلى فرض قبول حديث عبد الله بن بسر فكما قَالَ أَبُو عِيسَى الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَمَعْنَى كَرَاهَتِهِ فِي هَذَا أَنْ يَخُصَّ الرَّجُلُ يَوْمَ السَّبْتِ بِصِيَامٍ لأَنَّ الْيَهُودَ تُعَظِّمُ يَوْمَ السَّبْتِ "و كما قال الإمام أبو بكر ابن العربي: وأما يوم السبت فلم يصح فيه الحديث، ولو صح لكان معناه مخالفة أهل الكتاب. (القبس شرح الموطأ (2 / 514 )
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين
عودة الى الأحكام
|