|
البيع على المكشوف.. حقيقته وحكمه بقلم / محمد بكرى
تعد عملية البيع على المكشوف واحدة من عمليات المعاملات العاجلة في سوق الأوراق المالية.. وهى بحق إحدى خطايا النظام المصرفي فقد اعتبر البيع على المكشوف من أبرز أسباب الأزمة المالية العالمية.. حتى وصف رئيس لجنة الأسواق المالية والبورصة الأمريكية " كريستوفر كوكس " المتعاملين به أنهم شريرون ويتحملون اللوم في انهيار الأسهم. ولاشك في أن البيع على المكشوف يؤدي إلى زعزعة الأسعار في أسواق هي في الأساس غير مستقرة. كما يثير ذعرا ً في أوساط المتداولين قد يتطور إلى تفاقم الأوضاع وبالتالي انهيار السوق. ولذا فلقد حظرت لجنة مراقبة عمليات البورصة الأمريكية عمليات البيع على المكشوف في خضم الأزمة المالية في 24 سبتمبر 2008. إلا أنها عادت لترفع هذا الحظر يوم الخميس 9 أكتوبر 2008 بعدما أعلنت الإدارة الأمريكية عن إقرار خطة إنقاذ وول ستريت بقيمة 700 مليار دولار وهو ما لم يشفع لها فتتابع انهيار البنوك كما رأينا فما هي حقيقة البيع على المكشوف ؟ وكيف يتم في البورصة ؟ وما هي المخالفات التي ينطوي عليها ؟ ثم ما هو البديل الإسلامي له ؟ البيع على المكشوف كما عرفه د / طارق حماد في كتابه " التحليل الفني والأساسي للأوراق المالية " ص 189 " قيام شخص ببيع أوراق مالية لا يملكها عن طريق اقتراضها من آخرين ( شركة السمسرة أو شخص آخر ) مقابل الالتزام بإعادة شرائها وتسليمها للمقرض في وقت محدد " ومن خلال التعريف يتضح لنا أن البيع على المكشوف : هو أن يبيع المستثمر أسهما بسعر محدد مستقبلا ً وهو لا يملكها.. وإنما يتلقى وعدا من السمسار بإقراضه الأسهم في موعد التسليم. فإذا جاء موعد التسليم اقترض الأسهم وباعها واحتفظ السمسار بالثمن ضمانا لقرض الأسهم وربما أودعه السمسار بفائدة لمصلحته بناء على موافقة العميل. فإذا انخفضت أسعارها.. اشترى ذلك البائع الأسهم من السوق، وأعادها إلى السمسار، وقبض الفرق بين سعر الشراء وسعر البيع. فهو بيع يخالف طبيعة الاستثمارات، حيث أن من دخل فيه يسعى إلى تخفيض الأسعار ليربح بعكس صيغ الاستثمار الأخرى فإن الداخل فيه يتمنى أن ترتفع الأسعار حتى يحقق الربح. أما إذا ارتفعت هذه الأسعار فسوف يخسر بمقدار ذلك الارتفاع ويمكن توضيح البيع بالمكشوف بالمثال التالي: نفرض أن أحد المستثمرين يظن أن أسهم شركة ما.. الذي سعره الآن 15جنيهاً.. سينخفض خلال الفترة الزمنية القادمة، فيمكنه أن يبيع على المكشوف 100 سهما مثلا ً بسعر 15 جنيه للسهم الواحد في موعد معين.. فيكون المجموع 1500 جنيه. ثم إذا حل الموعد اقترض تلك الأسهم من السمسار وسلمها للمشتري في ذلك الموعد.. فإذا كانت توقعاته دقيقة وانخفض السعر إلى 12 جنيه.. يكون المجموع 1200 جنيه.. فإنه يشتري أسهم تلك الشركة بالسعر المنخفض من السوق.. ويعيدها إلى السمسار الذي اقترضها منه.. فيكون قد حقق ربحا مقداره 300 جنيهاً. ومما تقدم فإن هذه العملية تعتمد على الأسس التالية: بيع المستثمر لأوراق مالية لا يمتلكها اقتراض الأوراق المالية وتسليمها للمشتري. إعادة شراء هذه الأوراق المالية مرة أخرى بسعر منخفض إعادة الأوراق المالية إلى صاحبها. تتم عملية البيع على المكشوف في الأجل القصير.. فهي نوع من العمليات العاجلة.. وتتم كل هذه الإجراءات في مدة يوم أو يومان وتصل إلى أقصى حد إلى أربعة أيام في بورصة نيويورك. تتم هذه العملية عن طريق إصدار الأوامر للسمسار وليس التعامل المباشر للمستثمر.. وقد يكون السمسار هو نفسه المقرض للأسهم كما قد يقترضها من شخص آخر. ويلاحظ أنه عندما يقوم السمسار ببيع الأسهم المقترضة فإن ثمنها لا يتم تسليمه إلى البائع. وإنما يتم رهنه عند المقرض سواء كان هو نفسه السمسار.. أم شخصا ً آخر.. وله حق الانتفاع بذلك الثمن إلى أن يعيد المقترض الأسهم. وهذا غالبا ً ما يحفز المقرض للإقدام على إقراض الأسهم.. ففي كثير من الأحيان لا يتم الإقراض بفائدة وإنما يكون له حق التصرف بثمن الأسهم إلى أن يعيدها المقترض. وخلاصة ما تقدم فإن البيع على المكشوف هو الدخول إلى السوق كبائع لأسهم ليست ملكك الآن على أمل أن ينخفض سعر السهم.. فتقوم بشرائه ثانية ومؤداه أن يتم على الورقة المالية عدة بيوعات وهي في ذمة صاحبها الأول دون أن يحوزها المشترون.. فهذه بيوع وهمية ورقية بهدف الاستفادة من فروق الأسعار.. وهذا من الأمور التي نهي الشرع عنها حيث أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) نهى عن بيع ما ليس عندك. ويلاحظ هنا أمران الأول: إذا تم عقد بيع الأسهم قبل اقتراضها.. فإن ذلك يصبح من قبيل بيع الإنسان ما لا يملك.. فتصبح العملية غير جائزة. ففي حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: سألت النبي (صلى الله عليه وسلم) فقلت: يا رسول الله.. يأتيني الرجل فيسألني البيع عندي..أبيعه منه.. ثم أبتاعه له من السوق. قال: " لا تبع ما ليس عندك" الثاني: إذا تم بيع الأسهم بعد اقتراضها فيصبح المستثمر بذلك باع ما يملك وتصبح العملية جائزة. لأن القرض يملك بالاقتراض.. فيملكه البائع على المكشوف ملكا ً تاما ً.. فيجوز له أن يتصرف به بالبيع وغيره من التصرفات. أيضا ً أنه إذا كان السمسار الذي يتولى عملية البيع نيابة عن المستثمر هو نفسه المقرض.. فإن ذلك لا يجوز للنهى عن الجمع بين عقد المعاوضة وعقد التبرع. قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) "لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك" . وإذا كان اقتراض الأسهم بفائدة.. فإن ذلك أيضا ً يعتبر محرما ً كما هو ثابت من قرارات المجامع الفقهية. ولذلك فقد ورد البند الثاني في نص قرار مجمع الفقه الإسلامي العالمي قرار رقم: 63(1/ 7 ) بشأن الأسواق المالية في دورته السابعة المنعقدة بتاريخ 7-12 ذو القعدة 1412هـ الموافق 9-14مايو1992كما يلي: التعامل في الأسهم بطرق ربوية: أ- لا يجوز شراء السهم بقرض ربوي يقدمه السمسار أو غيره للمشترى لقاء رهن السهم.. لما في ذلك من المراباة وتوثيقها بالرهن وهما من الأعمال المحرمة بالنص على لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه. ب- لا يجوز أيضا ً بيع سهم لا يملكه البائع وإنما يتلقى وعدا ً من السمسار بإقراضه السهم في موعد التسليم.. لأنه من بيع ما لا يملك البائع، ويقوى المنع إذا اشترط إقباض الثمن للسمسار لينتفع به بإيداعه بفائدة للحصول على مقابل الإقراض. وهذا منهي عنه شرعاً لما صح عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه قال:" لا تبع ما ليس عندك". وكذلك ما رواه الإمام أحمد وأبو داوود بإسناد صحيح عن زيد بن ثابت رضي الله عنه: أن النبي (صلى الله عليه وسلم) "نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم". . إن البيع على المكشوف هو بيع غير جائز من عدة نواحي.. وليس فقط من زاوية بيع ما لم يقبض: الأول: أنه مشتمل على قرض بفائدة.. لأن المقرض يقرض البائع تلك الأسهم.. ويستحق التوزيعات النقدية للأسهم محل الصفقة فيما لو استحقت تلك التوزيعات قبل سداد قيمة القرض.. فالبيع هنا مرتبط بشرط فاسد وهو الربا. والثاني: أن المقرض يشترط على البائع الاحتفاظ بقيمة الأسهم المبيعـة للانتفـاع بهـا واستثمارها حتى سـداد القرض. فصـورة ذلك : أسلفني أسلفك ، فالمقرض سواء كانا لسمسار أو غيره يسلف البائع هذه الأسهم على أن يسلفه البائع قيمتها.. وهذا محرم قال في المغني:" وإن شرط في القرض أن يؤجره داره ، أو يبيعه شيئا ً أو أن يقرضها لمقترض مرة أخرى لم يجز.. لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) نهى عن بيع وسلف ولأنه شرط عقدا ً في عقدٍ فلم يجز" أما عن كيفية "أسلمة" طريقة "البيع على المكشوف".. فأوضح الرئيس التنفيذي لشؤون التدقيق والرقابة الشرعية في شركة "شريعة كابيتال" يوسف ديلورنزو " في تصريحات نقلتها صحيفة "الاقتصادية" السعودية يوم 3-5- 2009 . إن هناك "البيع بالسلم" و"العربون" وكذلك "المرابحة.. وأنه يتعامل مع أداة بيع إسلامية يطلق عليها اسم "بيع التقصير بالعربون". وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين
عودة الى الأحكام
|