|
الشراء بالهامش.. أحكام وتطبيقات بقلم / محمد بكرى
في سوق المعاملات المالية هناك طريقتان لسداد قيمة الصفقات في المتاجرة بالأسهم:
الأولى: سداد النقد كاملا ً.
والثانية: سداد النقد بصفة جزئية.. وذلك بسداد جزء من قيمتها نقدا ً.. بينما يسدد الباقي بقرض، بشرط ضمان الأوراق محل الصفقة وهو ما يعرف بالشراء بالهامش.
فما هو الهامش؟
ومن أين يقترض العميل بقية الثمن ؟
وما هي الخطوات التي تتم عبرها عملية الشراء بالهامش ؟
وما هي أنواع الهامش ؟
وما هي الاحتمالات الواردة على تقلب الأسواق بين هذه الأنواع ؟
وكيف يوصف الفقهاء المعاصرون هذه المعاملة حتى يقرروا حكمها الفقهي ؟؟ ثم ما هو البديل الشرعي عند القول بالتحريم ؟
كل هذه التساؤلات سنحاول الوقوف على إجاباتها بعون الله الذي لامعين سواه
وفى البداية نقول: للجواب على السؤال الأول:
ما هو الهامش ؟
الهامش هو التأمين النقدي الذي يدفعه العميل للسمسار ضمانا ً لتسديد الخسائر التي قد تنتج عن تعامل العميل مع السمسار.
ومن أين يقترض العميل بقية الثمن ؟
نقول: إما من أحد المصارف مباشرة.. وإما من أحد بيوت السمسرة وفى الحالة الثانية تسجل الأسهم المشتراه باسم بيت السمسرة وليس العميل ( المشترى ) وذلك حتى يتمكن بيت السمسرة من اقتراض المبلغ من أحد المصارف في مقابل رهن الأسهم لديه.. ثم يقوم بيت السمسرة بإقراضها إلى العميل بفائدة أعلى
فما هي إذن الخطوات التي تتم عبرها عملية الشراء بالهامش ؟
يمكن توضيح كيفية إجراء عملية الشراء بالهامش عبر الخطوات الآتية:
يقوم العميل بفتح حساب بالهامش لدى سمسار.
يعين العميل كمية الأسهم التي يريد شراءها ونوعها، ولنفرض أنها مائة سهم من شركة كذا .. وقيمة كل سهم مائة جنيه فيكون قيمة الصفقة نقدا ً عشرة آلاف جنيه .
الهامش النقدي الذي يدفعه العميل هو 50% فيكون خمسة آلاف جني
يقوم السمسار باقتراض المبلغ المتبقي من أحد البنوك.. بسعر الفائدة السائد.. والمبلغ المتبقي هو خمسة آلاف جنيه.
ومن ثم يقوم السمسار بإقراض العميل المبلغ المتبقي لإتمام صفقته وهو خمسة آلاف جنيه بسعر فائدة يزيد عن سعر الفائدة الذي دفعه السمسار للبنك.
يقوم السمسار بعد ذلك بشراء الأوراق المالية المطلوبة، وتسجل باسم السمسار، وتكون مرهونة لديه حتى يقوم العميل بسداد قيمة الصفقة كاملة.. ولكن يحق للعميل التصرف بها بالبيع والشراء ولا يتمكن من سحب تلك النقود إلا بعد تصفية جميع الالتزامات التي عليه تجاه السمسار.
وهناك نوعان من الهامش:
النوع الأول: الهامش المبدئي :
والمراد به: الحد الأدنى الذي يشترط أن يدفعه المشتري من ماله الخاص عند إرادة الشراء.. وغالباً لا تزيد عن 60% من قيمة الصفقة.
النوع الثاني: هامش الوقاية:
الحد الأدنى الذي يشترط أن لا تقل عنه حقوق الملكية المتمثلة في الفرق بين القيمة السوقية لمجموع المبيع المرهون.. وبين المبلغ المقترض
ومن المعلوم في سوق الأوراق المالية عدم استقرار السوق.. فما هي الاحتمالات الواردة في هذه التعامل:-
الاحتمال الأول: ارتفاع نسبة الهامش الفعلي عن الهامش المبدئي: وهذا يحصل عندما ترتفع القيمة السوقية للأسهم المرهونة عن السعر الذي اشتُرِيَتْ به.
وفي هذه الحالة.. فإن بإمكان العميل أن يفعل أحد أمرين:
الأمر الأول: سحب جزء من القيمة التي سبق أن دفعها من أمواله الخاصة، على أن لا تقل نسبة الهامش الفعلي عن الهامش الابتدائي.
الأمر الثاني: شراء أسهم جديدة، تمول بقرض جديد يحصل عليه العميل من السمسار.
الاحتمال الثاني: وقوع الهامش الفعلي بين الهامش المبدئي وبين هامش الوقاية:
وهذا يحصل عندما تنخفض القيمة السوقية للأسهم المرهونة، لكن بقدر لا يقل معه الهامش الفعلي عن هامش الوقاية.
ومن ثم لا يحق للسمسار مطالبة العميل بزيادة مساهمته وذلك بدفع أموال إضافية.. كما لا يكون من حق العميل شراء أسهمٍ جديدة إلا عن طريق النقد، ولهذا يصنف حساب العميل في هذه الحالة من ضمن الحسابات المقيدة.
الاحتمال الثالث: انخفاض الهامش الفعلي عن هامش الوقاية:
وهذا يحصل عندما تنخفض القيمة السوقية للأسهم المرهونة انخفاضا ً كبيرا ً.
وحينئذ فإن على العميل أن يفعل واحداً من أمرين:
الأمر الأول: دفع مبلغ إضافي.. يودع في حسابه لدى السمسار، أو يستخدم لتسديد جزء من القرض.
الأمر الثاني: بيع جزء من الأسهم، واستخدام ثمنها في سداد جزء من القرض؛ ليترتب على ذلك انخفاض مبلغ القرض.. ومن ثم ارتفاع نسبة حقوق الملكية إلى القيمة السوقية للأسهم.. لينبني على ذلك ارتفاع نسبة الهامش الفعلي إلى مستوى هامش الوقاية.
الاحتمال الرابع: إن تثبت قيمتها:
فلا ضرر على كِلا الطرفين، بينما المستفيد في هذه الحالة السمسار؛ حيث إن الأسهم محل الصفقة مرهونة لديه.. وكل ما تحصل عليه هذه الأسهم من أرباح فهي له.
وهنا نصل إلى الحكم الشرعي لهذه العملية فنحن الآن أمام معاملتين:
1- حكم الشراء بالهامش
2- حكم رهن الأسهم بالقرض
ونظرا لخطورة مثل هذه المعاملات سنقتصر هنا على بيان قول الاجتهاد الجماعي.. بدلا ً من الخوض في الأقوال الفردية التي قد لا يحافها التوفيق في بعض.
فقد أصدر مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدة قرارا في دورته السابعة في عام 1412هـ يقضي بتحريم البيع بالهامش
جاء فيه: " لا يجوز شراء السهم بقرض ربوي.. يقدمه السمسار أو غيره للمشترى لقاء رهن السهم .. لما في ذلك من المراباة وتوثيقها بالرهن، وهما من الأعمال المحرمة بالنص على لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه ".
وكذلك حرمه المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته الثامنة عشرة التي عقدت في مكة المكرمة بتاريخ 14/ 3/ 1427هـ. 1427 الموافق 12/ 4 / 2006
ولكننا فقط نحاول بيان السبب في القول بالتحريم في عملية الشراء بالهامش كما يوضحه لنا الدكتور / يوسف بن عبد الله الشبيلى : وذلك لاشتماله على عددٍ من المحاذير الشرعية.. ومنها:
أن العقد صوري؛ إذ الصفقات تعقد على مبالغ ليست حقيقية؛ لأن السمسار لا يملك حقيقة المبلغ الذي وضعه للعميل.. إذ إن المبلغ المرصود للعميل ما هو إلا مجرد التزام على السمسار وليس نقدا ً حقيقيا ً.. فلا يتمكن العميل من سحبه أو الانتفاع به في غير المضاربة في العملات.
والسبب في ذلك أن السمسار يدرك تماماً أن جميع عملائه الذين يضاربون في بورصة العملات لا يقصدون العملة لذاتها.. ولا يُتوقع من أي منهم أن يدخل في هذا العقد لأجل الحصول على العملة.. وإنما هم مضاربون يتداولون العملات بالأرقام قيدياً فيما بينهم للاستفادة من فروق الأسعار، وليس ثمة تسلم أو تسليم فعلي للعملات، ولأجل ذلك يستطيع السمسار أن يلتزم بأضعاف المبالغ الموجودة عنده فعليا ً.
فحقيقة العقد أن السمسار أقرض العميل ما ليس عنده، والعميل باع ما لا يملك.
ولعدم تحقق التقابض الواجب شرعاً في مبادلة العملات.. فالقيود المحاسبية التي تتم في هذه المعاملة لا يتحقق بها القبض الشرعي.. ذلك أن القبض الواجب شرعا ً في صرف النقود هو القبض الحقيقي ولا يكفي القبض الحكمي.. عملاً بقوله عليه الصلاة والسلام " بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدا بيد" رواه مسلم.
والقيود المحاسبية لا يتحقق بها القبض الحقيقي للعملة إلا إذا كان مآلها إلى تسليمٍ فعلي للنقود.. وذلك بإجراء تسوية نهائية للحسابات بين طرفي المعاملة، وهذه التسوية لا تتم في الأسواق الفورية إلا بعد مرور يومي عمل من إجراء عملية الشراء أي من القيد المحاسبي الابتدائي.. ولا يجوز لمشتري العملة أن يتصرف فيها قبل أن تتم هذه التسوية.. وقد نص قرار مجمع الفقه الإسلامي على ذلك.
والواقع في عقود المارجن أن ليس ثمة تسلمٌ ولا تسليم.. وإنما مجرد قيود وتسوية آنية.. لأن مشتري العملة لا يقصد الحصول على العملة أصلاً وإما مراده المضاربة بها، ولهذا فإنه يبيعها بعد لحظات من شرائه لها.
ولأنه قرض جر منفعة، ووجه ذلك أن المبلغ المقدم من السمسار يكيف شرعاً على أنه قرض، والسمسار يستفيد من هذا القرض فائدة مشروطة من جهتين:
الأولى: أنه يشترط على العميل أن يكون شراء العملات وبيعها عن طريقه، ليستفيد السمسار من عمولات البيع والشراء، فجمع العقد سلفاً –(وهو القرض) وبيعاً –(وهو السمسرة بأجر).. وقد نهى (صلى الله عليه وسلم) عن سلف وبيع، رواه الخمسة.
والثانية: أنه يبيع العملة على العميل بسعر.. ويشتريها منه بسعر أقل، فهو من يستفيد من فروق الأسعار بين البيع والشراء.
ولأن هذا النوع من المعاملات يتعارض مع مقاصد الشريعة.. فإن من أهم مقاصد الشريعة في البيوع حماية الأثمان من أن تتخذ سلعاً معدة للربح، لما يترتب على ذلك من الإضرار بعموم الناس، وهذا الضرر يطال بأثره البلدان والشعوب الإسلامية.
ولعل من المناسب هنا الإشارة إلى ما ذكره ابن القيم –رحمه الله- عندما تحدث عن الضرر الناشئ عن المضاربة بالنقود.. وكأنما هو يصف حالة التخبط التي تعيشها الأسواق المالية اليوم فيقول:
" والثمن هو المعيار الذي يعرف به تقويم الأموال.. فيجب أن يكون محدودا ً مضبوطا ً لا يرتفع ولا ينخفض إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسلع لم يكن لنا ثمن نعتبر به المبيعات .. بل الجميع سلع وحاجة الناس إلى ثمن يعتبرون به المبيعات حاجة ضرورية عامة وذلك لا يمكن إلا بسعر تعرف به القيمة وذلك لا يكون إلا بثمن تقوم به الأشياء ويستمر على حالة واحدة ولا يقوم هو بغيره إذ يصير سلعة يرتفع وينخفض فتفسد معاملات الناس ويقع الحلف ويشتد الضرر كما رأيت حد فساد معاملاتهم والضرر اللاحق بهم حين اتخذت الفلوس سلعة تعد للربح فعم الضرر وحصل الظلم.. فالأثمان لا تقصد لأعيانها بل يقصد بها التواصل إلى السلع، فإذا صارت في نفسها سلعة تقصد لأعيانها فسد أمر الناس".
ولأنه قرض بفائدة.. فالممول سواء أكان السمسار أم غيره يشترط على العميل أنه إذا باتت النقود التي أقرضه إياها لأكثر من ليلة.. ولم يرد العميل القرض، أي لم يغلق الصفقة، فإنه يأخذ عليه فائدة مقابل المبالغ المبيتة، وهذا من الربا.
ويعترض البعض على هذا الأمر باعتراضين:
الأول: أن العميل بإمكانه أن يلتزم برد القرض وإغلاق الصفقة من دون تبييت.
والجواب: أن مجرد الدخول بعقد فيه شرط فاسد لا يجوز، لأنه ذريعة إلى الوقوع في المحرم.
والثاني: أن بعض شركات السمسرة تتنازل عن هذا الشرط.. فلا تلزم العميل بدفع فوائد على المبالغ المبيتة، وهذه التي تسمى شركات البورصة الإسلامية.
والجواب: أنه وإن انتفى هذا الشرط فيما بين السمسار والعميل فإن هذا الشرط يبقى قائماً بين السمسار والبنك الممول، ولو فرض انتفاؤه أيضاً فتبقى المحاذير الأخرى.
وغاية ما تستطيع أن تتجنبه شركات المارجن الإسلامية هو المحذور الخامس، وأما بقية المحاذير فلا انفكاك عنها لكل من تعامل بطريقة المارجن، وعلى هذا فالمتاجرة بالعملات عن طريق ما يعرف بالمارجن "أي الحد باللغة الانجليزية" محرم.. وإن سميت متاجرة إسلامية.
ومن البدائل الشرعية للبيع بالهامش.. بيع الأسهم بالأجل أو بالتقسيط ، فيجوز عدد من الأسهم بدفع مبلغ مقدم من قيمتها (بدلا من الهامش) والباقي إلى أجل أو بالتقسيط.. كما يجوز رهن الأسهم حتى يقضَ الدين .
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين
عودة الى الأحكام
|