|
أتصل الآن تربح كذا وكذا.. لا تصح سلوكاً للفضائيات الإسلامية بقلم/ محمد بكرى
على شاشة الفضائيات تنتظرك دائماً قائمة من الأرقام الهاتفية السهلة يطرحون عليك سؤالاً يمكن لتلميذ في المرحلة الابتدائية أن يجيب عنه من قبيل:
من هو الخليفة الراشد الأول ؟
أحرز هدف المنتخب في التصفيات الإفريقية (جدو – أبو تريكه - الحضري).
عاصمة المملكة العربية السعودية ( بيروت – القاهرة – الرياض ) ؟؟
وما عليك إلا أن تتصل لتحقق حلمك في الثراء واقتناص فرصة العمر.. مشهد بات مألوفا لدى الكثير من المشاهدين.. لدرجة أنه تحول إلى ظاهرة تتلاعب برغبات المشاهدين الذين يتصلون بمئات الآلاف بسبب الإغراءات المقدمة من خلال برامج المسابقات المختلفة التي تبثها هذه الفضائيات.
ولم تقتصر وسائل الاتصال ببرامج المسابقات على المكالمات الهاتفية التقليدية.. وإنما دخلت رسائل المحمول القصيرة الـ SMS لتمثل أداة جديدة وفعالة في التجاوب مع العديد من هذه البرامج .
خاصة إذا ما كانت تعتمد على أناس في تقديمها.. وليس تسجيلا ً صوتيا ً بالأسئلة المطروحة.
وقد يكون هذا السلوك مفهوما ً في القنوات التقليدية التي تعتمد الربحية هدفاً غير مبالية بحل أو حرمة.. أما صدوره من القنوات التي حملت أمانة البلاغ عن الله ودعوة الناس إلى التمسك بما جاء به رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وإعادة الأمة إلى مجدها التليد.. فهذا أمر غير مفهوم !!
وحق فيهم ما جاء في كتاب البيوع من صحيح البخاري باب من لم يبال من حيث كسب المال.. عن أبي هريرة رضي الله عنه .. عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:
"يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ منه.. أمن الحلال أم من الحرام"
وهو من بعض دلائل نبوته.. لإخباره بالأمور التي لم تكن في زمنه.. كما بين الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح.
وبادئ ذي بدء نقول إن الشريعة الغراء لا تعرف مبدأ إيقاع الخلق في الحرج البتة - يعرف ذلك كل من آتاه الله فهماً في دينه -.. وإنما تضع لهم الضوابط التي من شأنها إسعادهم في دينهم ودنياهم يتجلى ذلك في مسألة المسابقات التي نحن بصددها.. فلم يغلق الشرع الحنيف باب السباق .. بل فعله أكرم الخلق.
كما روى البخاري ومسلم عن ابن عمر أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:
"إنَّ من الشجر شجرةً لا يسقط ورقها.. وإنها مثل المسلم.. حدِّثوني ما هي؟ قال: فوقع الناس في شجر البوادي.
قال عبد الله: فوقع في نفسي أنها النخلة فاستحييت.. ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله ؟.
قال: هي النخلة"
حتى بوَّب الإمام البخاري - رحمه الله - لهذا الحديث باباً بعنوان " باب طرح الإمام المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من العلم "
وقال الإمام النووي - رحمه الله - في شرحه للحديث:
" وفي هذا الحديث فوائد منها استحباب إلقاء العالم المسألة على أصحابه ليختبر أفهامهم ويرغِّبهم في الفكر والاعتناء، وفيه ضرب الأمثال والأشباه "
وقد نُقل عن الإمام الشافعي - رحمه الله - أنه كان يُلقي المسألة على ابنه أبي عثمان وتلميذه الحُميدي ويقول: مَن أصاب منكم فله دينار
ولكن الشرع في الوقت ذاته بين لنا مجال السباق الذي يجوز فيه العوض من الطرفين.. كما في قوله (صلى الله عليه وسلم) في قوله:
" لا سَبَقَ - بفتح الباء - إلا في نصل أو خف أو حافر" أخرجه أحمد (2/256) والترمذي (1/317) والنسائي (2/122) وأبو داود (2574 ).
وصححه غير واحد من أهل العلم واستثناء هذه الثلاث دليل على أن ما عداها لا يجوز.. وإنما جرت بها الرخصة واستثنيت من التحريم.. لما فيها من معنى إعداد القوة للجهاد في سبيل الله.. وقد قاس بعض العلماء عليها ما في معنى الجهاد
ونحن الآن لا نتحدث عن مسابقة يمولها أحد من أهل الخير ليس من المتسابقين.. وإنما نحن نتحدث عن مسابقة من طرفين المتسابق والشركة التي تجرى المسابقة.
ومن الممكن أن تكون هي القناة مباشرة وكلا الطرفين المتسابق والشركة واقع بين الغنم والغرم كما يلي:
"أن يخرج المتسابق من المسابقة إما غانما ً وإما غارما ً.. إما أن يغنم ما غرمه غيره من المتسابقين فيكسب الجائزة التي هي من أموالهم.. وإما أن يغرم ما دفعه ويذهب عليه".
الشركة تغرم أموالاً في الإعلانات وإعداد المسابقة في انتظار الأموال التي تأتيها من أجور المكالمات.
والمسألة باختصار شديد "غرم محقق يقابله غنم محتمل" كما بين العلامة الدكتور/ على السالوس.
وهذا هو الميسر بعينه الذي يورث العداوة والبغضاء بين اللاعبين المتقامرين.. حتى وإن أظهروا بألسنتهم أحيانا أنهم راضون.. فإنهم دائما ً بين غالب ومغلوب، وغابن ومغبون، والمغلوب إذا سكت، سكت على غيظ وحنق، غيظ من خيبة أمله، وحنق من خسارة صفقته، وإن خاصم خاصم فيما التزمه بنفسه، واقتحم فيه بعضده.
وإليك بعض أقوال العلماء في تعريف الميسر: قول السعدي في تفسيره تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن:
"هو كل المغالبات التي يكون فيها عوض من الطرفين من النرد والشطرنج، وكل مغالبة قولية أو فعلية بعوض "
قال الماوردي الشافعي " الميسر هو الذي لا يخلو الداخل فيه من أن يكون غانماً إن أخذ.. أو غارماً إن أعطى"
قال القرطبي (الجامع لأحكام القرآن 1/53): "قال مالك: الميسر مَيْسِران: ميسر اللهو، وميسر القمار؛ فمن ميسر اللهو النرد والشطرنج والملاهي كلها. وميسر القمار: ما يتخاطر الناس عليه".
وعند الطبري في تفسيره قول ابن سيرين " كل لعب فيه قمار من شرب أو صياح أو قيام فهو من الميسر".
وكذا ما أورده الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيره:
قول بن عمر وبن عباس رضي الله عنهم: "الميسر هو القمار".
قول الزهري عن الأعرج : "الميسر هو الضرب بالقداح على الأموال والثمار".
قول القاسم بن محمد: "كل ما ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو من الميسر".
وفى موضوع المسابقات يقول د/ على السالوس أستاذ أصول الفقه بكلية الشريعة جامعة قطر والنائب الأول لرئيس مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا" في حديثه لصحيفة الراية القطرية:
" المسابقات بقصد الكسب.. والمسابقات في عصرنا كثرت وتعددت.. والحديث عنها وبيان أحكامها يحتاج إلى بحث يمكن أن يكون كتابا ً كاملا ً.. ولذلك ليس حديثي عنها.. وإنما بياني هنا لنوع يسمى بالمسابقة وليس فيه أي نوع من السبق ولا يهدف إليه!!
فهدف من يقوم به ومن يشترك فيه هو الكسب.. والكسب هنا ليس حلالا ً.. وإنما هو قمار محرم، فيه ضياع الدين والدنيا معا!!
تطالعنا الفضائيات ليل نهار بأشخاص مجهولين يعلنون عن مسابقات لكسب الآلاف، ومئات الآلاف، والملايين.. ومن أراد هذا الكسب فما عليه إلا أن يتصل برقم من أرقام الهواتف المعلنة.
والاتصال بهذه الأرقام ليس بالأجور العادية.. وإنما بأجور مرتفعة جدا لحساب الشركة المقامرة.. وجزء منها لشركة الاتصالات.
والقمار هنا هو أن الشركة تغرم أموالا في الإعلانات وإعداد المسابقة في انتظار الأموال التي تأتيها من أجور المكالمات والذين يتصلون يغرمون العشرات أو المئات، وأحيانا الآلاف.. يمنيهم الشيطان بالحصول على المبالغ الضخمة، والسيارات الفاخرة، وغير ذلك مما هو معلن عنه.
فلو غرم المعلنون عن المسابقات شيئا ً مما أعلنوا عنه كان هذا من أموال القمار المحرم.
وبعض هؤلاء رأوا أن الدعوة إلى الاتصال فقط قد لا تكفي للإغراء.. فوضعوا أسئلة ساذجة ودعوا إلى الاتصال للإجابة عنها.
ومن تلبيس إبليس جعل الأسئلة دينية، وتسمية المقامرة باسم مسابقة رمضان! والمغامرات التي تبيحها قوانين بعض الدول كاليانصيب تخضع لجهات رقابية.. أما مقامرات الفضائيات فلا تخضع لأي جهة رقابية.
ولذلك يعلن المقامرون ما شاءوا.. حتى أعلن بعضهم عن جوائز بعشرات الملايين من الدولارات، والمخدعون بهذه الإعلانات لا توجد أي جهة تضمن لهم الحصول على شيء مما يأتي في الإعلانات.. بل يمكن أن يغرموا مبالغ المكالمات الهاتفية، ثم يظهر أن الملايين كانت سرابا للخداع فقط.. وبذلك يخسر المخدوعون دينهم ودنياهم معاً ".
ويقول الشيخ القرضاوى:
" إن مسابقات (أربح المليون) التي تنظمها بعض الشركات عن طريق الهاتف ليست إلا لون من القمار – أو الميسر بلغة القرآن – تدخله الملايين الطامعة في المليون بما تدفعه للهاتف.. على احتمال أن تربح أو تخسر، ثم تخسر الأغلبية الساحقة، ويكسب واحد في المليون أو في كل عدة ملايين.
صحيح أنه لا يخسر مبلغاً كبيراً.. ولكن العبرة بالمبدأ، وليس بحجم الخسارة، المهم أنه دخل العملية مقامراً، لعله يكسب ويصبح مليونيراً في لحظة.. والإسلام يحرم القمار والميسر تحريماً باتاً.. ويقرنه بالخمر في كتاب الله، ويجعله – مع الخمر والأنصاب والأزلام – رجساً من عمل الشيطان.. مما يدل على أنه من كبائر المحرمات لا من صغائرها.
وما ذلك إلا ليحمي الناس من التعلق بالأوهام والأحلام الزائفة، التي تبنى على غير أساس.. والإسلام لا يمنع أن يكسب الإنسان المال ضمن شبكة الأسباب والمسببات، ووفق سنن الله في الكون والمجتمع.
والأصل في هذه السنن أن يكسب الإنسان المال بكد اليمين، وعرق الجبين، وإعمال الفكر، وإجهاد الجسم، ومواصلة الليل بالنهار، حتى يحقق الآمال.
ثم إن هذه الشركات التي تنظم هذه المسابقات وأمثالها تجمع من الناس أضعاف ما تدفع لهم.. لأنهم أعداد كبيرة فهي – من ناحية أخرى – تأكل أموال الناس بالباطل.
أي هي – بصريح العبارة – عملية (نصب) مقنع، ومغلف بالمسابقة، ومما يؤسف له أن يشيع في مجتمعاتنا المسلمة هذا النوع من المسابقات وجوائز السحب الكبرى وألوان اليانصيب ونحوها.. مما ينكره الإسلام ويحرمه، وينشئ شبابنا المسلم على هذه التطلعات غير المشروعة، ليسبح في غير ماء، ويطير بغير جناح ".
وقد أفتى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز بتحريم أنواع من المسابقات لوجود القمار والميسر فيها.. ولأنها أكل لأموال الناس بالباطل وخداع و جهالة.. مجموعة فتاوى ومقالات متنوعة ( 5/241 )
ومن أفتى أيضا بالحرمة :
مفتي مصر السابق د / نصر فريد وذكر أنها من القمار والميسر المحرم شرعاً .
الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية في مصر الشيخ / وفا أبو عجوز وذكر أنها نوع جديد من المقامرة .
الأمين السابق لجبهة علماء الأزهر وأستاذ الحديث بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر د / يحيى إسماعيل حبلوش ذكر أنها نوع من الميسر والقمار والغرر المحرمة في الإسلام .
عميد كلية الشريعة في الكويت : د / محمد الطبطبائي .
وفى الختام هي نصيحة واجبة نتوجه بها إلى أحبتنا وإخواننا في الله.. لم نقصد من ورائها تشهيرا ً بأحد .. ولذلك لم نسم أحدا ً وكل ما سمعنا من المبررات لا تنتهض حجة لمعارضة أدلة التحريم وغير خاف على أحد مدى ما تلحقه مثل هذه المسابقات من ضرر على دين الله بإقرار مخالفة واضحة .
والمخرج من ذلك هو.. ما نصح به الدكتور/ على السالوس القائمين على هذه المسابقات بأن يراعوا أن تكون برامجهم ومسابقاتهم حلال بجعل المكالمات الهاتفية مجانا أي: "بسعرها العادي".. وأن تكون الجوائز مقدمة تبرعا من القناة أو من أهل الفضل للبعد عن منزلقات الحرام كما جاء بموقع محيط نقلاٌ عن موقع الفقه الإسلامي.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين
عودة الى الأحكام
|