|
الثائرُ الحقُ.. قولةُ حقِ أُريد بها باطل بقلم/ أحمد على
لم تجد بعض وسائل الإعلام أفضل من مقولة الشيخ الشعراوي –رحمة الله- عن "الثائر الحق" لتثبط بها همم الثائرين وتفض بها إعتصاماتهم, تفرق تجمعاتهم وتطفئ حماسة مظاهراتهم التي استمرت بعد تنحي مبارك وحتى الآن.
ربما خفتت بعض الشيء بمناسبة قرب ذكري الثورة - تطالب بتحقيق أهداف الثورة واستكمال مسيرتها حتى يسقط النظام السابق كاملا ً, وتتمكن الثورة من بناء النظام المأمول المبني علي قواعد طاهرة ومبادئ شريفة وتشريعات عادلة.
ولكن ولأمر في نفس الإرادة السياسية للقيادة العسكرية تُرك المجال مفتوحا لقوى الثورة المضادة طوال سنة كاملة لتخذل الناس وتفضهم من حول الثائرين وتهز قناعاتهم بضرورة سرعة التغيير وتقنعهم بالاكتفاء بما تم من إنجاز خلع الرئيس, وتحاول جاهدة أن تلقي في روعهم انه "ليس بالإمكان أبدع مما كان".
ولأنه ليس هناك أقدر على التأثير في الجماهير سوى الخطاب الديني وآراء العلماء ومواعظ الدعاة, فقد انبرت وسائل الإعلام الرسمية والخاصة, الليبرالية والإسلامية, القديمة والحديثة في عرض المقولة مكتوبة ومسموعة ومرئية.
وفي استضافة المحللين وسماع المعلقين للشرح والتحليل والتعليق حتى صارت-تلك المقولة - هي المتصدرة للحوارات والمتخللة للإعلانات والتالية للمباريات والأساسية في معظم الفترات.
والعجيب, أن بعض الليبراليين وقنواتهم الفضائية كقنوات المحور والحياة ودريم, فضلا ًعن النيل والمصرية لم تتورع هي أيضا ً عن استخدام تلك المقولة "الدينية", وهي التي تصدعنا ليل نهار بالنهي عن استخدام الشعارات الدينية في العملية السياسية.
ولكن وإذا كان الهدف هو " تخذيل " أقصد تهدئة الثائرين وإضعاف موقفهم وصد الناس عنهم, فلا مانع من استخدام كل سلاح وطرق كل سبيل, ولا اعتبار للمبادئ, ولا عزاء للعلمانيين, فمن أجل "التثبيط " يجوز استخدام الدين ومن أجل "التشويه" يجوز استخدام الدين.
أما لإصلاح الدنيا بالدين, فهنا تتشنج الأعصاب وتتعالى الأصوات: "لا استخدام الدين في السياسة", "لا للشعارات الدينية في اللعبة السياسة", وعلى كل حال يا ليتهم يكفون عن هذا الصراخ ويسمحون لنا دوما ً بما يسمحون به لأنفسهم عند الاحتياج.
نعود إلى موضوعنا, فنحن إذا أمعنا الفكر ودققنا النظر في تلك المقولة لوجدناها حقاً عظيمة المعنى قوية الأثر في دفع الثوار لاستكمال ثورتهم وعدم التنازل عن أهدافهم وتحقيق مطالبهم.
فالشعراوي رحمه الله يقول: "الثائر الحق هو الذي يثور ليهدم الفساد.. ثم يهدأُ ليبني الأمجاد", فالثائر الحق فعلاً لا يهدأ ولا يركن حتى يتحقق هدم الفساد الذي ثار عليه والذي خرج من أجله.
فإذا أردنا فعلاً أن نطبق مقولة الشعراوي التي يطنطن بها المهدؤن, فعلينا أولا أن نساعد الثوار في هدم كل أشكال الفساد المستشري في جميع مناحي الدولة.
علينا عن نقف معهم ضد أعداء الثورة الذين يحاولون سرقتها وتحييدها عن أهدافها العظمى ومطالبها الجامعة.
علينا أن نقوم حقاً بهدم الفساد قبل أن نطلب من الثوار الهدوء.
علينا أن نتكاتف معهم ونشد من أزرهم ونضمد جراحاتهم, وعلى المجلس المنتخب أن يباشر أولى مهامه بصفته برلمان الثورة, وأن يجعل هدم الفساد على رأس أولوياته وما أكثر الفساد الذي لم يهدم بعد.
أو ليس الإبقاء على فلول العادلي في وزارة الداخلية فسادا ً يحتاج إلى الهدم والتطهير.
أو ليس الإبقاء علي العقيدة التي تسيطر على طريقة تعامل رجال الشرطة مع المواطنين بلا تغيير فسادا ً في الفهم والعمل يحتاج إلى الهدم والتغير.
أو ليس ترك الهاربين من الوزراء السابقين بلا ملاحقة حقيقية فسادا ً لابد أن يهدم.
أليس استمرار المحاكمات العسكرية للمدنيين من جديد وعدم الإفراج عمّن حوكم في عهد مبارك عسكريا من قديم, فسادا ً كبيرا ً مستمرا.
أو ليس استمرار تبعية القضاء لمجلس الوزراء فساداً يؤثر على حقوق الكثيرين
أو ليس الاستمرار في استخدام الإعلام في تشويه صور المخالفين في الرأي فساداً لابد أن يهُدم.
أو ليس التفاوت الرهيب في أجور العاملين بمصر الثورة حتى يحصل القلة على الملايين ويلقى بالفتات للملايين من أكبر الفساد الذي لم يُهدم, وهو من أولى ما قامت من أجله الثورة وخرجت له الملايين
أليس من حق الثوار أن يعيشوا مكرمين بدلاً من التجريم؟
أليس استمرار مقاومة المتظاهرين بالخرطوش والرصاص الحي والبلطجية واستنساخ نفس أسلوب المخلوع وجلاوزته في التعامل مع المعارضين فساداً لابد أن يهدم.
أكلُ هذا الفساد وغيره مازال مترعرعا في ربوع مصر ويطلبون من الثوار أن يكفوا عن ثورتهم, بل ويحتفلوا مع جلاديهم بالثورة المسروقة والصورة المشوهة والثوار المجرّمين.
علينا أن نفهم مقولة الشيخ الشعراوي فهما ً صحيحا ً ونوجهها توجيها ً سليما ً
وبهذا نجد أننا إذا أردنا تطبيق مقولة الشعراوي حقيقة لا للمتاجرة بها أو لإساءة استخدامها لتمرير الباطل وتعطيل الحق.
فالثائر الحق عليه أن يظل ثائرا ً حتى يهدم الفساد من أصوله, لا أن يكتفي بتقشير قشوره أو تغيير ثوبه.
وبالنظر إلى الشق الثاني من مقولته الشعراوي "ثم يهدأ ليبني الأمجاد".
فلنلاحظ, من الذي يهدأ ومن الذي يبدأ بناء الأمجاد ؟!
الذي يهدأ- بعد استكمال هدم الفساد- هو الثائر, والذي يبدأ في بناء الأمجاد هو هو نفسه, "الثائر", لا أن يأتي غيره فيتولى إدارة البلاد.
ويا ليت غيره هذا قد قام بالبناء نيابة عن الثوار ووكالة عن الأمة, بل وضع العراقيل واخترع المشكلات وتركَ الفتنَ تتأجج والاضطرابات تتأزم, ثم طالب الثائر بالهدوء حتى يتمكن من البناء.
ومن هنا نجد أنه كان على الثوار ألا يتركوا الميدان دون تسلم السلطات وتسلم إدارة البلاد حتى يتمكنوا من استكمال الهدم المنشود,ثم الهدوء وابتداء البناء المأمول.
ومن هنا ندرك كيف استُخدمت مقولة الشيخ في غير موضعها وبدون توجيه سليم وكيف أُريد بها- وهي كلمة حق, تفكيك الثوار وهو- باطل- وصرف الناس عن الميدان وقتل الهمم في متابعة هدم الفساد وملاحقة المفسدين بقصد مذموم أو بجهل غير معذور.
الثلاثاء الموافق
30-2-1433هـ
24-1-2012م
| الإسم | كريم |
| عنوان التعليق | كلمة حق اريد بها باطل |
| سبحان الله لماذ يأخذون من كلام فضيلة الشيخ هذا الكلام فقط مع ملاحظة ان الفساد لم يهدم بعد أضف الى ذلك ان الشيخ هو الذى قال فى تسجيل اخر ان العدالة الناجزة هى بداية الطريق للاستقرار وان التسويف لى تطبيق الاحكام يبشع وقوع الحكم الذى هو عين العدل ويجعل الناس ينسون فظاعة الجرم لماذ لا يزيعيون هذا التسجيل للشيخ ايضا |
عودة الى وراء الأحداث
|