|
السينما بين السم والعسل.. مهداة للأخ/ هشام النجار بقلم أ/ إسماعيل أحمد
يزداد اهتمامي بنوعين من الأفلام وأتحمس لمتابعتهما:
أولهما:- ما يتناول قضايا الحركة الإسلامية ولاسيما إن كان يصف حياة الإسلاميين الذين تصفهم الأفلام المصرية دوما ً بـ "المتطرفين".
والثاني:- وهذا مستحدث في السنوات الأخيرة وبعد الخروج - وقد شاهدت فيلمين أردت أن أكتب عنهما لحبكتها الفنية من ناحية.. ولخطورة ما يطرحانه من فكر.
الأول هندي جديد استنزله ولدي وحمسني لمشاهدته، ولما اطمأننت أنه ليس هنديا بالمعنى المعتاد.
وبالمناسبة هو الثاني من هذه النوعية التي أعجبتني واسمه (اسمي خان ولست إرهابيا).
وحكاية خان هذا وكما هو واضح من اسمه أنه مسلم هندي.. وقد كان مصابا بمرض التوحد وهو مرضٌ يمثل إعاقة في النمو العقلي تستمر طيلة عمر المريض.. وتؤثر على طريقته في التحدث وفي إقامة صلات بمن حوله.. وعادة تكون لديه قدرة محدودة على خلق الصداقات.. وفي فهم الكيفية التي يعبر فيها الآخرون عن مشاعرهم، لكنه كان في أعلى مستويات هذا المرض وظيفيا بحيث يمكن أن يكون مميزا في الحفظ والفهم والتعلم ويسمى" أسبرجر".
وكانت أم خان تصبر على تلقينه الأفكار والانطباعات العامة التي يتعذر على أمثاله استيعابها.. وبسبب مرضه كان يخاف من الوجوه والأماكن الجديدة.. ويرتعب من الضوضاء ويخيفه اللون الأصفر.
المهم أنه لظروفه الأسرية هاجر لأمريكا لاحقا بأخيه الأصغر الذي يعمل هناك، وتزوج من فتاة هندوسية رغم عدم موافقة أخيه باعتبار أن هذا الزواج غير جائز شرعا لكنه عاند وتزوجها، وكان لها ولد في سن الحادية عشر تقريبا.
ولما حدثت واقعة 11 سبتمبر تعرض ككل المسلمين لحملة اضطهاد رهيبة.. كما مست زوجة أخيه المحجبة.
وفي أثناء الحرب على أفغانستان سافر أحد أصدقائه ليغطي الحرب حيث قتل فأصبح الولد – ابن زوجته متهما في نظر صديقه ابن القتيل المسئول عن قتله وهو معلم واضح في القلوب والعقول الغربية عموما يشهد به الواقع.. وأثبته الفيلم الذي يبرز مدى تخلفهم وهمجيتهم ومدى تحضر المسلمين وسماحتهم.
وفي إحدى المشاجرات بين الولدين انضم للأمريكي بعض الأولاد الأكبر سنا وتناوبوا ضرب الولد الذي يحمل اسم خان زوج أمه رغم أنه هندوسي حتى مات.
وبدلا من أن تنقم الأم على الأمريكان ارتدت نقمتها على خان المسكين.. وقالت: لولا أنه يحمل اسمك لما مات.. وبكل براءة وغباء يليقان بمريض التوحد سألها:
ومتى نعود لسابق عهدنا وحبنا؟!!
فأجابته بانفعال: حين تعرّف أمريكا كلها أنك لست إرهابيا.. وحتى تقابل بوش وتخبره أنك لست إرهابيا.
ومن هنا بدأت معاناة خان وأحداث الفيلم المثيرة في تتبعه لبوش وشكوك الأمريكان في غرضه.. ودخوله أحد المساجد فوجده يتحدث عن معاناة المسلمين في فلسطين والعراق وأفغانستان وغيرها بسبب الأمريكان.
وبعد حوار مضطرب أراد خان أن يجرد الإسلام من سيفه وجهاده ويلصقه بمهاتما غاندي باعتباره دين محبة وسلام.. ثم يخرج من المسجد ليبلغ عنه المباحث الفيدرالية.
ثم تعرض للاعتقال بسبب تواجده المتكرر في الأماكن التي يقصدها بوش.. وعرض لنا كيف يعاملون العرب والمسلمين في سجونهم.
وكان دليل براءته هو سبق إبلاغه عن المسلم الذي يذكر الناس بمسلمي فلسطين والعراق وتسببه في حبسه وثمانية ممن كانوا معه.
ثم يتعرف خان على صبي زنجي مسيحي مات أخوه في حرب العراق الأولى.. ويتعرف على أمه ذات النشاط الكنسي المميز في قريتها.. فتعلمه كيف يترحم على ابن زوجته بأسلوب كنسي مسيحي.. ويبدأ الإعلام في التعاطف معه والاهتمام بقصته.
وفي أثناء ذلك تسمع به زوجته... ويحاول بعد خروجه من السجن أن يواصل رحلته لملاقاة بوش.. لكن الفيضانات تعرض قرية جيني السيدة الزنجية للغرق فيخف لنجدتها ومساعدتها.. ثم تبعه عشرات المسلمين الذين شجعهم خان ليكونوا أكثر إيجابية في المجتمع.
ويحاول أحد المسلمين قتله انتقاما لإخوانه الذين زج بهم في السجن ويغور بوش.. ويأتي أوباما الذي يمن عليه بمقابلة ويعزيه في ولده الذي قتل.
وهنا تعود له زوجته التي نجحت بمجهود مضنٍ في كشف قاتلي ولدها على خلفية التأثير الذي أحدثه خان في المجتمع الأمريكي بمسلميه ومسيحييه.
ولاحظ معي كيف صوّر الفيلم المسلمين الذين تذكروا إخوانهم في فلسطين والعراق.. كما أسماهم خان بأنهم شياطين يزرعون الكراهية.
وبالتالي فالواجب على المسلمين بحسب خان المتوحد أن يقابلوا عدوان اليهود والأمريكان بالحب والتسامح.
ولأن أمريكا سيدة العالم اليوم.. فهي من أولي الأمر الذين يجب علينا إظهار الولاء لهم.. والتماس العفو منهم.. واستجداء المواطنة الصحيحة في جنة الله على الأرض- الولايات المتحدة الأمريكية –.. بالإرشاد عن إخواننا الذين يذكرون الجهاد ويتحدثون عنه.. ويصفه ويصنفه كثيرٌ من نقاد السينما بأنه فيلمٌ رائع يدافع عن المسلمين في الولايات المتحدة ويبرز تعصب الأمريكان وحقدهم.
وهو بالفعل أبرز هذه النقطة الأخيرة.. لكنه حشا عسله بكمية من السم تكفي لقتل ركيزة من ركائز الدين.. وهي عقيدة "الولاء والبراء" ومحو فرض واجب من فروضه واسمه "الجهاد".
وأما الآخر ففيلم مصري أدركت من إعلاناته التي كانت تتخلل مباريات الكرة أنه يقصدنا نحن الإسلاميين.. ففي إعلانه يظهر بعض الملتحين وبينهم بطل الفيلم واسمه يوحي بذلك "أنا مش معاهم" اللي هما أحنا طبعا.
وحكايته في إيجاز أن ملتحيا قصد البطل (الذي كان طالبا فاشلا في كلية الطب يتعاطي المخدرات ويقع في الزنا ويرسب مرات) في أن يحمل رسالة لإحدى الأخوات "مجرد تحجيبة".. والتي تعتقد وتشيع الاعتقاد بين الأخوة أنه ولا ريب مناضل قديم ومجاهد كبير وشيخ "مطمطم".
ويبدأ الأخوة في معاملته بهذا الظن.. ولكنه يحب الفتاة "الأخت" ويضطر لمجاراة الجميع طلبا للوصال.. وشيئا فشيئا يصبح شبيها بالإخوة.. فتتعقبه أنف الأمن.. ولحسن حظه كان أحد الباشوات الكبار صديقا لوالده.
وتتوالى الأحداث ليدخل الحجز.. ثم يبدأ سلوكه في التغير فعلا ويواجه الباشا وسط زملائه.. بأنهم يريدونه منحلا فاسدا.. ولا يريدونه ملتحيا منضبطا.. فيبين له أن حبيبته الأخت واقعة تحت تأثير شبكة إرهابية تريد أن تجعلها أداة لتفجير محطة مصر.
وفي اللحظات الأخيرة يدركونها بمساعدة البطل فتصدم الفتاة التي لم تتوقع أنها كانت تحمل متفجرات.. وتبدأ الفتاة في التحلل ويزداد الفتى التزاما وينكر كلٌ منهما تغيرات الآخر ويفترقان.
ثم فجأة يجتمعان على تشجيع المنتخب الوطني بتلوين خدودهما بألوان العلم المصري.
وفي الفيلم مواجهة عنيفة لما فيه شباب اليوم من ضياع وانحلال ومدح لمقاصد وصفاء قلوب وسلامة نيات الشباب الملتزم.
وهذا القدر من العسل في الفيلم لم يخفِ ما اندس فيه من سموم وتفاهات ترفع عنها الهنود.. فالإسلاميون في مصر ليسوا بهذه السذاجة حتى تحمل امرأة حقيبة ضخمة معتقدة أن فيها نقود لتسليمها لجهة خيرية مجهولة بسبب ثقتها في رجلٍ حليق اللحية.. لمجرد أنه رئيس ملجأ للأيتام يتلقى منها مساعدات دورية للأطفال.
كما أنهم لا يرسلون رسائلهم مع كل من هب ودب، وأخيراً لا يعتبرون تشجيع المنتخب لونا من ألوان العمل الصالح.
وأما إن قصد المؤلف أن تشجيع المنتخب يكفي بديلا للصلاح والاستقامة عن الدين.. فهي كمية مركزة من السم تكفي لقتل جيلٍ من شعب اعتاد تصديق الإعلام وتكذيب عينيه.
كل هذا يدعونا لتوخي الحذر من السينما وأهلها.. فليس المصاب فيما تطرحه من إباحية وحوار مبتذل، ولا ما تقول به من سفاهات.. فهذا كله له أهله البعيدون أصلا عما يمس الفكرة.. لكن الخطورة كلها فيما يدس السم في عسلٍ مغشوش فينخدع به العامة والدهماء.
ولا أحسب أننا نملك دفعا لتلك الآلة الجبارة لحين قيام حكومة إسلامية (غير الحكومة الإيرانية التي تبث الفكر الشيعي) تتولى الدفاع الحق عن الدين بمعتقداته وقضاياه.. وتنافح عن الواقع الإسلامي المحزن.
أو حتى قناة فضائية تتبنى قدراً من الإنصاف للإسلام وهمومه المعاصرة.. (بخلاف القنوات الدينية الوعظية.. هناك قناة اسمها 4 شباب تنتهج خطاً شبابيا ملتزما إلى حدٍ ما، وهناك قنوات تنتصر لحماس وقضية فلسطين مثل الأقصى وأسطول الحرية).
السبت الموافق:
7 أغسطس 2010م
26 شعبان 1431هـ
| الإسم | اسلام الغمرى |
| عنوان التعليق | عرض جميل |
| عرض طيب ومقارنة تستحق التحية ، فحيا الله الاسناذ اسماعيل ، وقواك الله على فعل الخير وبذله للناس |
| الإسم | إسماعيل أحمد |
| عنوان التعليق | سقط سهوا |
| بين السطور الأولى للمقال سقطت هذه الكلمات في النوع الثاني من الأفلام والذي يستهويني متابعته (وبعد الخروج – وهو ما يحكي عن حياة السجون) |
عودة الى الدفاع عن الإسلام
|