|
التكليف الإلهي.. ضرورة بشرية بقلم الشيخ محمد بكري
- ثبت بالاستقراء والتتبع لنصوص الوحي أن الناس أمام مشيئة الله الحكيم الخبير سبحانه لا يخرجون عن أربعة احتمالات:
1. فإما أن يتركهم الله سبحانه بلا أمر ولا نهي في الدنيا.. ومن ثم فلا بعث ولا ثواب ولا عقاب في الآخرة.
2. وإما أن يجبلهم جميعاً علي الهدى والطاعة والاستقامة.. ومن ثم فلا حاجة لبعثهم وسؤالهم ومحاسبتهم في الآخرة.. وبالتالي فلا تكليف لهم بأمر أو نهي.
3. وإما يجبلهم علي الضلالة والعصيان فهم بذلك أهل تمرد وعتو وعصيان وكفران يأكل القوي فيهم الضعيف.
4. وإما أن يجعل لهم مشيئة واختياراً لكل ما يصدر عنهم.. ومن ثم فهم محاسبون علي كل شئ كسبته أيديهم.. إن خيراً فخير وإن شر فشرا.
- وليس وراء هذه الاحتمالات أربعة أي سبيل آخر.. ولذا لزم مناقشة كل احتمال والأثر المترتب عليه.. ليتضح لنا أن التكليف الإلهي للخلائق هو عين الحكمة.. لأن غياب التكليف يعني عدم استقامة الحياة فلا أمان في غيابه علي دم أو مال أو عرض.. وهاك المناقشة.
- مناقشة الاحتمال الأول:-
- لقد حسم القرآن بطلان هذا الاحتمال بما لا يدع لمبطل شبهه في نصوص قاطعة الدلالة كما في قوله تعالي " أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون * فتعالي الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم " المؤمنون(115-116).
- وقوله تعالي " أيحسب الإنسان أن يترك سدي" القيامة (36).
- قال السدي: يعني لا يبعث.. وقال مجاهد والشافعي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم : يعني لا يؤمر ولا ينهي.
- قال الحافظ بن كثير رحمه الله : والظاهر أن الآية تعم الحالتين أي ليس يترك في الدنيا مهملاً لا يؤمر ولا ينهي.. ولا يترك في قبره سدي لا يبعث.. بل هو مأمور منهي في الدنيا..محشور إلي الله في الدار الآخرة.
- وأقوال المفسرين في الآية الأولي تؤيد نفس المعنى في الآية الثانية فمعناها : أفظننتم أنكم مخلوقون عبثاً بلا قصد منا ولا إرادة لنا ولا كلمة.
- وقيل للعبث..أي لتلعبوا وتعيشوا كما خلقت البهائم لا ثواب لها ولا عقاب عليها.. لا ليس الأمر كذلك.
- ولقد ورد في غير موضع من التنزيل أن خلق الله سبحانه وتعالي للسموات والأرض لم يكن باطلاً للهو واللعب وإنما كان بالحق. قال تعالي " وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار" ص27.
- قال ابن الكثير رحمه الله في تفسير هذه الآية : يخبر تعالي أنه ما خلق الخلق عبثا.. وإنما خلقهم ليعبدوه ويوحدوه ثم يجمعهم يوم الجمع فيثيب المطيع ويعذب الكافر " أ.ه
- وقال تعالي " ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار " آل عمران 191.
- ولقد ورد خلق السموات والأرض في أكثر من عشرة مواضع في التنزيل.. ومعنى خلق السموات والأرض بالحق : أي العدل أي بعدم التسوية بين المؤمنين والكافرين..وبين أهل الطاعة وأهل المعصية ولذلك قال تعالي " أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار " ص28.
- وعلي ذلك يمكننا القول ببطلان هذه الاحتمالية..وقد نزه سبحانه نفسه عن خلق الخلق عبثاً أو هملا أو سدى.. فسبحان من تقدس وتنزه عن ذلك علواً كبيراً.
- قال تعالي " فتعالي الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم " المؤمنون116.
- لقد اكتوت البشرية بنار هذا الفهم الضال الباطل الذي قام علي نظرية " إنما هي أرحام تدفع وأرض تبلع "..إن ذلك يعني بكل وضوح أنه لا فرق بين عالم البشر وعالم الغابة التي يأكل فيها القوي الضعيف.. بل إن عالم الغابة تحكمه قواعد وقوانين هي كالأعراف السائدة بين بني البشر.
- إن عمران الكون لابد له من التكليف والأمر والنهي لأن الذي يرى أنه لا آخرة ولا ثواب ولا عقاب من المحال البتة أن يرحم صغيراً أو يوقر كبيراً أو يساعد محتاجاً أو يطعم مسكيناً.
- إن الإيمان بالآخرة يربي في قلب العبد انتظار الأجر والمثوبة.. ومن ثم فإن حركة الخير تدب في عروق البشر وترى الكون بهيجاً عامراً.. فالكل يبني ويعمر رجاء الخير والأجر والثواب..والأهم من ذلك وقاية الخلائق من شرور العدوان والبغي والطغيان.
- عندما لا يكون هناك تكليف.. كيف يأمن المرء علي عرضه؟!
- عندما لا يكون هناك تكليف.. من أين تحفظ الأموال؟!
- عندما لا يكون هناك تكليف.. هل يسأل المرء بعد ذلك عن روح تزهق أو دم يسفك؟!!
- وهذا هو الفارق الجوهري بين عقيدة الإسلام التي تقرر أن التكليف الإلهي ضرورة بشرية وبين عقائد الملل والنحل التي ترى فيه ظلماً وتقييداً للحريات المزعومة.
- مناقشة الاحتمال الثاني :
- من المقرر في عقيدة الإسلام وأصولها وثوابها أن قدرة الله عز وجل لا يحول دونها شئ فهو سبحانه علي كل شئ قدير.. فلا يعجزه شئ في الأرض ولا في السماء ومن ذلك سبحانه قادر علي أن يجمع الخلق جميعاً علي الهدي.. ولكنه سبحانه لم يشأ ذلك لأن ذلك يعنى بكل بساطة أنه لا حاجة لبعثهم أو حشرهم أو سؤالهم أو مجازاتهم.. وهذا يهدم عقيدة الإيمان باليوم الآخر وهدفها.. بما يعني خراب الدنيا وشيوع الدمار والهرج وإزهاق الأرواح وهتك الأعراض واستحلال الأموال وسفك الدماء.. فالواقع ينطق بذلك بما يدع لمبطل شبهه.. وكذلك الوحي وكل ذلك يتجلى في النصوص الوحي المبارك فمن ذلك :
- قوله تعالي " فلو شاء لهداكم أجمعين " وقوله تعالي " ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين " السجدة 13.
- وقوله تعالي " ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين " يونس 99.
- وقوله تعالي " ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين " هود118.
- وقوله تعالي " أفلم ييأس الذي آمنوا أن لو يشاء الله لهدي الناس جميعاً " الرعد31.
- وقوله تعالي " وعلي الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين " النحل 9.
- إلي غير ذلك من الآيات التي تؤكد قدرة الرب سبحانه علي هدايتهم.. ولكن سبحانه له حكمه بالغة لم يشأ ذلك.. فسبحانك ربنا ما أحكمك أو ما أعلمك !
- مناقشة الاحتمال الثالث:
- هو ثمرة بطلان الاحتماليين الأول والثاني.. لأنه سبحانه إذا كان لم يشأ هدايتكم أجمعين لان ذلك ينفي حكمته.. فمن باب أولي لا يشأ أن يجبلهم جميعا علي الضلالة.. وقد قدمنا في الاحتماليين السابقين أن منافاة ذلك ينشأ من خطورة الأثر المترتب علي غياب التكليف ونحن بدورنا نسأل ما الذي خلفته الحضارات التي نبذت شريعة الله ومنهاجه وراء ظهورها من دمار وفساد وإهلاك للحرث والنسل.
- وهل هناك إهانة لكرامة البشر أكثر من تعبيدهم لشهواتهم..أو لمن يبغي ويستطيل عليهم بقوته وسلطانه وهو غير ملزم بتكليف الهي.
- مناقشة الاحتمال الرابع :
- وبعد ثبات الاحتمالات الثلاثة تبقى لنا مناقشة الاحتمال الرابع وهو أن يجعل الله سبحانه لعباده مشيئة أو اختيارا..ًوبذلك فهم يأمرون وينهون في الدنيا.. ويبعثون فيجازيهم الله سبحانه علي أعمالهم.. إن خيراًفخير.. وإن شراً فشر.
- ولقد أثبت القرآن إن هذا الاحتمال هو وحده الاحتمال الصحيح وتوافرت الآيات وشواهد السنة علي صحته
- فمن ذلك قوله تعالي "لمن شاء منكم أن يستقيم "التكوير 28. وقوله تعالي " وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر " الكهف29وقوله تعالي "إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفوراً " الإنسان3. وقوله تعالي: " وهديناه النجدين " البلد10.
- وقوله تعالي " إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلي ربه سبيلاً " المزمل19.
- وقوله تعالي" إن سعيكم لشتى * فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى..وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسره للعسرى" الليل(4-10).
- وغيرها من النصوص التي تؤكد أن الإنسان مكلف مأمور منهي في الدنيا مجزي على كل ما يصدر منه من أقوال أو أعمال..وهذا يتفق مع حكمة الله الحكيم الخبير الذي لا يوجد فعل من أفعاله ولا قول من أقواله ولا شرع من شرعه ولا قدر من قدره إلا والحكمة ملازمة له لا تنفك عنه البته.
- وصحة هذا الاحتمال ناهيك عن النصوص السابقة يشهد له الواقع البشري.. إذ كيف تستقيم حياة الخلائق بلا ضوابط تنظيم حياتهم وتضبط توجهاتهم وتصوب أخطائهم.
- إن وجود حياة عارية عن التكليف يشيع الفوضى والاضطراب ويثير الفتن والهرج بين الناس ولا يتخيل عاقل أن اختلال موازين القيم والمبادئ يمكن أن تستقيم للناس معه حياة.
- إن الإيمان باليوم الآخر ومن ثم التكليف في الدنيا هو وحده الكفيل بشيوع العمران وحفظ الدماء والأنفس وضمان عدم الاعتداء على الأعراض أو الأموال.
- وهنا يؤمن الجميع على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم.
- إن الشريعة الإلهية إنما جاءت لتحقيق مصالح الناس في معاشهم ومعادهم وحفظت عليهم دينهم وأسعدت دنياهم..ومثل هذا لا يعرفه إلا من عاش في حمأة الباطل.. ثم امتن الله عليه بالهداية إلى الحق وصدق الله العظيم إذا قال: "فمن تبع هداي فلا يضل ولا يشقى * ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى * قال رب لم حشرنتي أعمى وقد كنت بصيراً * قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى".
وصلي الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين
لمزيد من مواضيع الدفاع عن الاسلام طالع بين المواطنة والإسلام رؤية شرعية وواقعية
| الإسم | محمد صفوت سعودي كيلاني |
| عنوان التعليق | خير زاد |
| جزاكم الله خيرا فضيلة الشيخ محمد بكري وبارك الله فيك فوالله اننا لنجد متعة وفائدة عظيمه في كتاباتك متعك الله بالصحه والعافيه |
عودة الى الدفاع عن الإسلام
|