|
جهاد الرسول والصحابة.. وربانية الغاية بقلم أ/ خلف عبد الرءوف
حين يذكر لفظ الجهاد في سبيل الله، تتبادر إلى أذهان الكثيرين من الغربيين والمستغربين صور الحروب الدينية المريرة التي شهدتها أوروبا المسيحية قديما ً.. والتي اتخذت صورة الإبادة الجماعية والتطهير العرقي بهدف القضاء على المخالفين في العقيدة .. كما هو في الحروب التوراتية والصليبية، أو بهدف إكراههم على التحول عنها.. كما حدث في الحروب التي أعقبت سقوط دولة المسلمين في الأندلس.
ومن عجب أن الوالغين في دماء مخالفيهم في العقيدة هم من يتهمون الإسلام بأنه انتشر بحد السيف.. ويعتبرون أن محمدا ً (صلى الله عليه وسلم) لجأ إلى الحرب من أجل نشر دينه وفرضه على الناس، وبعضهم يذهب إلى أن الله في الإسلام لم يكتف بالتحريض على قتل المخالفين.. بل راح يدفع المسلم إلى الموت من أجله دفعا ً لينال الشهادة وهو ما عبر عنه عمدة نيويورك في كلمته عقب أحداث 1192001 بقوله " إن الله في المسيحية أرسل ابنه ليموت من أجلنا، أما الله في الإسلام فإنه يطلب منك أن ترسل ابنك ليموت من أجله" .
ولن نعلق هنا على ما يتعلق بقصة الأب والابن والصلب، فتلك نقرة أخرى، ولكن الذي يهمنا هو مفهوم الجهاد وغايته والمقصود بالشهادة في سبيل الله في الإسلام عند فئة كبيرة من الغربيين، وهو فهم مشوه ومغلوط عن الجهاد الإسلامي ومعنى الشهادة في سبيل الله والغاية من الحروب التي خاضها النبي (صلى الله عليه وسلم) وخلط معيب بين الغاية والهدف من الجهاد في الإسلام.
الله هو الغاية
الله هو غاية كل مسلم في كل عمل يعمله.. صغر هذا العمل أو كبر بدءا ً من إماطة الأذى عن الطريق ونهاية بأعظم الأعمال.. من جهاد وهجرة ومرورا بالابتسامة في وجوه الناس وبشاشة الوجه واللقمة يضعها في فم امرأته.
فإخلاص النية لله هو شرط قبول الأعمال: "قال عمر ابن الخطاب: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول : إنما الأعمال بالنيّات.. وإنما لكل أمريء ما نوى"(1).
والله تعالى يقول في الحديث القدسي: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك.. من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه"(2)
والحرب في الإسلام عمل من أعمال العبادات.. لذا فهي محكومة بنصوص الكتاب والسنة في غايتها وأهدافها ووسائلها ومقاصدها.
فالمسلم يقاتل حين يقاتل لا من أجل رئاسة أو ابتغاء ملك أو شهوة قتل وسفك دماء أو رغبة في الانتقام والتشفي أو حبا ً للشهرة وعلو الذكر.. إنما يقاتل لله تعالى.
فعن أبى موسى رضي الله عنه قال: " جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال: الرجل يقاتل للمغنم.. والرجل يقاتل للذكر.. والرجل يقاتل ليرى مكانه فمن في سبيل الله.. قال:من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله"(3).
وهو من جوامع كلمه (صلى الله عليه وسلم).. فلو قال له: ليس شيء من ذلك في سبيل الله لاحتمل أن يكون ما سوى ذلك من المقاصد هو جهاد في سبيل الله.. وإنما قطع الطريق على كل الاحتمالات وأتى بالقول الفصل فحصر الأمر في غاية واحدة لا سواها ومقصد واحد لا عداه.
" من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" ويكون ذلك بإعلاء كلمة الإسلام ودحر كلمة أعداء الله المناوئين لها.
بل ذهب النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى أبعد من ذلك في وضع إطار وحيد للغاية من الجهاد.. بالنهى عن ازدواج النية.. فقد يقال نعم نقاتل لتكون كلمة الله هي العليا وفى نفس الوقت نجمع إلى هذه الغاية مقاصد أخرى كبسط السلطان وجمع المال وارتفاع الشأن بين الناس.
فجعل النبي (صلى الله عليه وسلم) اجتماع أي من هذه المقاصد إلى الغاية الوحيدة المشروعة من القتال نافيا ً للأجر والثواب محبطا ً للعمل حتى مع وجود الغاية المشروعة وهى أن تكون كلمة الله هي العليا.
فقد روى أبو داود والنسائي من حديث أبى إمامة قال: "جاء رجل فقال : يا رسول الله.. أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذكر.. ماله؟ قال: لا شيء له.. فأعادها ثلاثاً.. كل ذلك يقول: لا شيء له.. ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا ً وابتغى فيه وجهه" قال بن حجر في الفتح وإسناده جيد.
وقد حرص النبي (صلى الله عليه وسلم) على ترسيخ هذا المفهوم وذلك القصد في نفوس أصحابه وتجريدهم من كل علائق الدنيا وشهوات النفس.. فلم يكن ينظر إلى بأس الرجل في القتال أو يثني على شيء من ذلك إلا إن كان ذلك في سبيل الله.
روى البخاري عن سهل بن سعد الساعد رضي الله عنه: "أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) التقى والمشركون فاقتتلوا فلما مال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى عسكره ومال الآخرون غالى عسكرهم وفى أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) رجل لا يدع لهم شاذة ولا فاذة إلا اتبعها يضربها بسيفه.. فقيل ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان.. فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): أما إنه من أهل النار فقال رجل من القوم: أنا صاحبه.. قال: فخرج معه كلما وقف معه وإذا أسرع معه.. قال: فجرح الرجل جرحا ً شديدا ً فاستعجل الموت فوضع سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه ثم تحامل على سيفه فقتل نفسه فخرج الرجل إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: أشهد أنك رسول الله.. قال: وما ذاك؟ فقال: الرجل الذي ذكرت آنفا ً أنه من أهل النار فأعظم الناس ذلك.. فقلت أنا لكم به.. فخرجت في طلبه ثم جرح جرحا ً شديدا ً فاستعجل الموت فوضع نصل سيفه في الأرض وذبابه بين ثدييه تم تحمل عليه فقتل نفسه.. فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عند ذلك: إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدوا للناس وهو من أهل النار.. وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة"(4)
وفى رواية أخرى للبخاري أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: "قم يا فلان فأذن أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة وأن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر".(5)
فهذا رجل أبلى في قتاله كأشد ما يكون البلاء بأسا ً وفداءً حتى أثبتته الجراحة.. ولكن قتاله لم يكن في سبيل الله .. إذ أنه قاتل عن أحسابه وأحساب قومه فكان عاقبته أنه في النار خالدا ً فيها ولو لم ينتحر.
قد تدنت به غايته حتى أحبطت ما كان منه من العمل ثم لم تزل به حتى أوردته موارد المهلكة فلم يفده بأسه في القتال أو شهوده غزاة مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أو نصرته وتأييده لدين الله فقد كان تأييد الدين عرضا ً لا صرفا ً.. حتى مع ادعائه الإسلام ونطقه الشهادتين.
وأسوق مثالاً آخر يختلف في صورته عن المثال الأول من حيث الباعث والغاية وإن كان يتفق معه في انصراف غايته عن تلك الغاية المحصورة دائماً بين قوسين
"من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله؟؟"
وهو مخيريق رجل من يهود قال ابن اسحق: وكان ممن قتل يوم أحد مخيريق وكان أحد بني ثعلبة بن الغيطون.. فلما كان يوم أحد.."قال: يا معشر يهود والله لقد علمتم أن نصر محمد عليكم لحق.. قالوا: إن اليوم يوم سبت.. قال: لا سبت لكم.. فأخذ سيفه وعدته وقال: إن أصبت فمالي لمحمد يصنع فيه ما شاء ثم غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتل معه حتى قتل ، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فيما بلغنا : مخيريق خير يهود" (6)
فذاك رجل ذو وفاء لعهده مع النبي (صلى الله عليه وسلم) الذي عاهد عليه يهود عند دخوله المدينة من وجوب النصرة والمشاركة في الدفاع عن المدينة ضد كل غاز، فلم يعجبه تخاذل قومه عن نصرة محمد (صلى الله عليه وسلم) فخرج يقاتل معه وفاءا ً بالعهد فاستحق ثناء النبي عليه بأنه خير يهود دون أن يكون له شيء في الآخرة .
فالسبيل إلى ما في الآخرة واحد ألا وهو "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا".. وأهل الجنة هم المسلمون المؤمنون دون سواهم "إنه لن يدخل الجنة إلا نفس مسلمة".
فالدفاع عن الإسلام لا ينبغي إلا أن يكون طمعا فيما عند الله وابتغاء لرفع راية الدين، كما كان شأن الأصيرم "واسمه عمرو بن ثابت بن وقش"،" وهو رجل من بني عبد الأشهل كان يأبى الإسلام على قومه فلما كان يوم أحد بدا له فأسلم، ثم أخذ سيفه فغدا حتى دخل في عرض الناس فقاتل حتى أثبتته الجراحة، فبينما رجال من بني عبد الأشهل يلتمسون قتلاهم في المعركة إذا هم به فقالوا ، والله إن هذا الأصيرم ما جاء به ؟ لقد تركناه وإنه لمنكر لهذا الحديث ، فسألوه فقالوا : ما جاء بك يا عمرو ؟ أحدب على قومك ، أم رغبة في الإسلام ، فقال بل رغبة في الإسلام آمنت بالله ورسوله وأسلمت ، ثم أخذت سيفي وغدوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتلت حتى أصابني ما أصابني ، فلم يلبث أن مات في أيديهم، فذكروه لرسول الله، فقال : إنه من أهل الجنة". (7)
إنه رجل ـ كما قال عنه أبو هريرة راو الحديث " دخل الجنة ولم يصل قط ".
إن المعركة عندما تكون لله وفى الله ، لا لدنيا أو سلطان فإنه ـ فضلا عن تأييد الله للفئة المؤمنة لتوكلها على الله وإخلاصها له ـ فإنها تكون منضبطة بشرائع الله محكومة بحدوده وقافة عند حرماته، بعيدة كل البعد عن الوسائل الوحشية المقيتة التي شاعت وفشت في الحروب غير الإسلامية، حروب الطواغيت ومعارك الإطماع التي يلجأ كل طرف فيها إلى إبادة وتحطيم الطرف الآخر ويسعى لتحقيق النصر والتفوق بكل الوسائل على حساب كل القيم والمبادئ والأخلاق.
إن ربانية الغاية هي الضابط لإنسانية الأهداف وأخلاقية الوسائل، فلا يكون الله هو الغاية ثم تأتى وسائل الحرب بما ينافى ما شرعه أو ما ارتضاه من أخلاق ينبغي للمسلم أن يتخلق بها في سلمه وحربه.
إن ربانية الغاية تجعل من المعركة طريقا إلى هداية البشر لا بإرغامهم على الإيمان (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ) يونس ـ الآية 99.
وإنما بإزالة العوائق والحواجز التي تقف دون وصول نور الهداية إلى القلوب، ولا شيء بعد ذلك.
إنها معركة لمصلحة العدو نفسه قبل أن تكون ضده.
إن ربانية الغاية تجعل ثمار المعركة نفع للبشرية جمعاء فانتصار المسلمين في المعركة ليس سبيلا إلى الغرور أو التجبر في الأرض فهم يوقنون أن النصر إنما هو من عند الله "وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ" آل عمران ـ الآية 126
"إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ" آل عمران ـ الآية 160
" إنه إشعار للجماعة المسلمة أن ليس لها من أمر النصر شيء إنما هو تدبير الله لتنفيذ قدره من خلال جهادها وأجرها هي على الله, وليس لها من ثمار النصر شيء من أشياء هذه الأرض، ولا لحسابها الخاص يؤتيها الله النصر إذا يشاء إنما لحساب الأهداف العليا التي يشاؤها الله، وكذلك الهزيمة فإنها حين تقع بناء على جريان سنة الله، وفق ما يقع من الجماعة المسلمة من تفريط إنما تقع لتحقيق غايات يقدرها الله بحكمته وعلمه ، لتمحيص النفوس وتمييز الصفوف وتجلية الحقائق وإقرار القيم وإقامة الموازين وجلاء السنن للمستبصرين.
ولا قيمة ولا وزن في نظر الإسلام للانتصار العسكري أو السياسي أو الاقتصادي ما لم يقم هذا كله على أساس المنهج الرباني، في الانتصار على النفس والغلبة على الهوى، والفوز على الشهوة، وتقرير الحق الذي أراده الله في حياة الناس، ليكون كل نصر نصرا لله ولمنهج الله وليكون الجهاد في سبيل الله ومنهج الله، وإلا فهي جاهلية تنتصر على جاهلية ولا خير فيها للحياة ولا للبشرية.
وإنما الخير أن ترتفع راية الحق لذات الحق، والحق واحد لا يتعدد إنه منهج الله وحده ولا حق في هذا الكون غيره، وانتصاره لا يتم حتى يتم أولا في ميدان النفس البشرية وفى نظام الحياة الواقعية.
وحين تتخلص النفس من حظ ذاتها في ذاتها ومن مطامعها وشهواتها، ومن أدرانها وأحقادها، ومن قيودها وأصفادها وحين تفر إلى الله متحررة من هذه الأثقال والأوهاق، وحين تنسلخ من قواتها ومن وسائلها ومن أسبابها لتكل الأمر كله إلى الله، بعد الوفاء بواجبها من الجهد والحركة وحين تحكم منهج الله في الأمر كله وتعد هذا التحكم هو غاية جهادها وانتصارها حين يتم هذا كله يحتسب الانتصار في المعركة الحربية أو السياسية أو الاقتصادية انتصارا في ميزان الله، وإلا فهو انتصار الجاهلية على الجاهلية الذي لا وزن له عند الله ولا قيمة" (8)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش
رواه البخاري و مسلم في صحيحهما عن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
رواه الإمام مسلم ، وفي رواية ابن ماجه ( فأنا منه بريء وهو للذي أشرك ) عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – فيما يرويه عن رب العزة تبارك وتعالى
رواه البخارى– باب الجهاد والسير – الحديث رقم ( 2599 ) .
صحيح البخارى– المغازى – غزوة خيبر– الحديث رقم (3881 ) ، وقد جزم ابن الجوزي بأن هذه القصة التي أوردها سهل بن سعد قد
وقعت في غزوة أحد واسم الرجل قزمان الظفري.( فتح الباري لا بن حج العسقلاني)، وان كان ابن حجر يرى ضعف رواية إن الواقعة كانت في أحد لانفراد الواقدي بها وهو متروك .
صحيح البخاري – المغازى – غزوة خيبر – الحديث 3882 ، ورواه احمد فى مسنده.
البداية والنهاية ـ لابن كثير ـ ج 4 ـ ص 42 .
البداية والنهاية - لابن كثير – ج4 ـ ص 32 ، 33 .
في ظلال القرآن – سيد قطب – ج1 ص 459 ، 460.
عودة الى السيرة النبوية
|