|
الهجرة ميلاد دولة بقلم أ/ سيد الطماوى..
لقد كانت هجرة النبي (صلى الله عليه وسلم) نقلة نوعية في غاية الأهمية.. إذ بدأت بعدها الدولة الإسلامية الوليدة في الظهور والارتقاء.. وبدأت بذرتها تنمو رويدا ً رويداً .. فكبرت وترعرعت حتى آتت أكلها وأنبتت نباتا حسنا ً.. ولا يزال المسلمون يقطفون من ثماره اليانعة ويرتشفون من معينه العذب السلسبيل إلى الآن وإلى قيام الساعة.
ولقد تجلت في هذه المواقف عظمة النبوة والرسالة .. وعظمة العبقرية البشرية في أسمى معانيها وأرقى خطواتها .. حيث بدأ النبي (صلى الله عليه وسلم) في وضع اللبنات الأولى والأحجار الأساسية التي تقوم عليها قواعد الدولة الإسلامية الوليدة
أحدها: حجر مادي.. وهو بناء المسجد.
ثانيها: حجر معنوي.. وهو المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار.
ثالثها: حجر تأمين الحدود.
ولو نظرنا بعين ثاقبة وبعقلية ناضجة.. لوجدنا أن هذه الأسس الثلاثة هي أساس لقيام أي دولة على ظهر الأرض.. وبدونها لا تقوى أي دولة مهما كانت قوتها على مقاومة الانهيار والزوال
وتوضيح ذلك كالآتي:
الحجر المادي.. وهو بناء المسجد
لأن أي دولة لا تقوم إلا إذا كان لها مركزا ً للقيادة والريادة.. ومكانا ً للتشاور والبحث حتى يصدر القرار الصائب .. فكان خير مكان لذلك هو المسجد.
حيث كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يستقبل الوفود فيه ويعقد فيه الاتفاقيات وتنطلق منه الجيوش وتربى فيه الدعاة الهداة والقادة والكماة .. وتوزع في صحنه المهام الأساسية .. وترسل منه البعوث إلى كافة أرجاء البلاد.
وصار هذا المكان يعرف في زماننا بمراكز القيادة وقصور الرئاسة التي تتخذ فيها القرارات .. ويستقبل فيها السفراء.. وتعقد فيها الاتفاقيات.. وترسم فيها الخطط .. وتنظم فيها أمور البلاد والعباد.... الخ
ولقد قام المسجد بدور جميع الوزارات الحالية على اختلاف أنواعها وهيئاتها.
ولو عقدنا مقارنة يسيرة لوجدنا أن جميع أعمال الوزراء ووزاراتهم كانت تتم في ساحة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وإليكم هذا الجدول الذي عقدت فيه هذه المقارنة بين دور المسجد .. ودور الوزارات في عصرنا الحالي :
| الوزارة |
المسجد |
| رئاسة الجمهورية |
كان النبي صلى الله عليه وسلم هو القائد الأعلى للبلاد.. وكان متواجدا في المسجد بصورة منتظمة يسوس منه البلاد ويقضي فيه مصالح العباد |
| وزارة الخارجية |
كان المسجد مقرا ً لاستقبال الوفود والسفراء.. ومنطلقا ً تنطلق منه البعوث إلى سائر البلدان والممالك.. وتبرم فيه الاتفاقيات والمعاهدات |
| وزارة الدفاع |
كانت رايات الجيوش تعقد في المسجد وتنطلق من المسجد وفى صحنه يعين قادة الجيش ويتم بداخله إعطاء التوجيهات والنصائح اللازمة لسير المعركة |
| وزارة التعليم |
كانت الدروس العلمية تلقى في المساجد ويتم بداخله إعداد الكوادر العلمية التي ترسل لتعليم الأقطار والأمصار.. وكانت بداخله تعقد فصول محو الأمية لتعليم القراءة والكتابة |
| وزارة الشئون الاجتماعية |
كان المسجد مأوى للفقراء والمحتاجين وأهل الصفة .. وكانت تجمع الصدقات لهم في المسجد ويتم توزيعها بداخله. |
| وزارة التخطيط |
كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتمع مع الصحابة الكرام في المسجد.. وتتم فيه دراسة وبحث ومناقشة كل أمور الدولة وكيفية النهوض بها |
| وزارة الداخلية |
كان على أبواب المسجد يتواجد الحراس الأقوياء لحماية النبي صلى الله عليه وسلم.. وكان المسجد ملجئا ً لنصرة المظلوم والضعيف.. ويتم بداخلة إعطاء كل ذي حق حقه |
| وزارة الإعلام |
كان يعلن في المسجد كل جديد من الأخبار من هجوم الأعداء.. وإعلان الاستعداد والاجتماع للأمور المهمة وعلى المنبر تعلن القرارات الجديدة والتوجيهات اللازمة للدولة ومصالحها |
| مجلس الشورى |
كان المسلمون يتشاورن في الأمور المهمة داخل المسجد .. ويتم بداخله التوصل إلى أصوب القرارات بعد تمحيص وتنقيح وأخذ ورد |
ولو استقصينا ما استوفينا دور المسجد في القيام بدور كل شؤون الدولة الإسلامية.
وبهذا التوضيح تنهدم مقولة العلمانيين لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة
ثانيا ً: الحجر المعنوي
وهو المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار
ولو ألقينا نظرة سريعة على البلدان والممالك في شتى أرجاء المعمورة.. لوجدنا أن استقرارها يقاس بمدى استقرار الحالة الاجتماعية لها.
والحالة الاجتماعية تشمل العلاقات بين أفراد المجتمع الواحد.. ومدى ترابطه من الداخل.. فإن كان مجتمعا تسوده المحبة والتعاون والترابط والإخاء.. كان مجتمعا ًقويا ً.. وإلا فلا .
ولذا ركز رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على هذه الخطوة المهمة التي هي دعامة رئيسة من دعامات بناء أي دولة من الدول.
وإذ وجدنا مجتمعا تنتشر فيه الكراهية بين أفراده وتغلب عليه الأنانية والأثرة والبغضاء والكراهية.. فاعلم أنه إلى زوال.. وأن نهايته قريبة وهو قاب قوسين أو أدنى من الهاوية المدمرة
ثالثا ً : حجر تأمين الحدود
وهو تأمين الحدود مع الجيران:
ولقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في ذلك .. حيث عقد المعاهدات مع يهود المدينة ليأمن جانبهم ويكسر شرهم ويتقى فسادهم وإفسادهم.
ومع أن اليهود أهل غدر وخيانة .. إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم آثر أن يتقى شرهم إلى حين .. لأن ظروف الدولة الإسلامية الوليدة كانت لا تسمح بقيام حرب مع هؤلاء اليهود.. فكان من الأولى مصالحتهم وعقد المعاهدات معهم حتى يقضى الله أمرا ً كان مفعولا ً
وتأتى هذه المواقف المثالية لتذكر البشرية جمعاء أن الإسلام دين يتعايش مع الآخر .. بصرف النظر عن ديانته أو جنسيته لأن شعار الإسلام.
" لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ "
وشعاره أيضا ً:
" لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ "
فهذه هي اللبنات الأساسية التي أرسى قواعدها رسول الله عليه وسلم بعد الهجرة مباشرة.. ولو لم تتم الهجرة من مكة إلى المدينة لما كانت هذه الخطوات الأساسية قد تمت.. ولما كانت هذه اللبنات الصلبة قد وضعت في بناء الدولة الإسلامية الوليدة .
فما أعظم الهجرة ؟ .. وما أجل أثرها في بناء الدولة الإسلامية التي امتدت فروعها من بلاد السند والهند شرقا ً.. حتى بلاد المغرب العربي غربا ً.. ومن فرنسا شمالا ً.. حتى بلاد السودان جنوبا
ويرجع الفضل في ذلك .. بعد توفيق الله سبحانه وتعالى.. إلى الهجرة من مكة إلى المدينة
نسأل الله جل في علاه أن يعيد علينا وعليكم هذه الأيام بالنصر والتمكين
آمين...آمين
والحمد لله رب العالمين
الجمعة الموافق
11-1-1432هـ
17-12-2010م
عودة الى السيرة النبوية
|