المصرى اليوم» تنشر «مراجعات» فقه الجهاد لـ «القرضاوى» ـ 4 ـ الاتجاه العام للإسلام مع غير المسلمين: مَنْ تركهم ولم يتعرض لهم تركوه.. ومَنْ سالمهم سالموه عرض ماهر حسن
ويقول القرضاوى إن ما قاله ابن قدامة فى بيان معنى الكفاية مسلَّم ومتفق عليه، إلا النقطة الأخيرة، وهى بعث جيش يغير على الأعداء كل سنة، فهذا لا دليل عليه إذا كان غير المسلمين مسالمين للمسلمين، وقد اعتزلوهم، فلم يقاتلوهم، وألقَوا إليهم السلم، وهذا يتفق مع ما نقله الإمام أبوبكر الرازى (الجصاص) فى (أحكام القرآن) من قول ابن عمر وعطاء وعمرو بن دينار وابن شُبرُمة، من أن الجهاد فى حالة أمن المسلمين من الكفار غير واجب.
وقد ذكر بعض الفقهاء قيدا مهما لوجوب هذا النوع من القتال، وفرضيته- فرض الكفاية- وهو: أن يغلب على ظن ولى الأمر أنه يكافئ الأعداء بما لديه من قوة، وإلا فلا يباح قتالهم، لما فيه من تعريض المسلمين للخطر.
كما نبَّه الفقهاء هنا أيضا إلى أمر مهم ومثير، وهو ما ورد فى (الدر المختار) من كتب الحنفية حيث قالوا «بفرضية الجهاد على الأقرب فالأقرب من العدو، إلى أن تقع الكفاية، فلو لم تقع الكفاية إلا بكل الناس: فُرض علينا كصلاة وصوم».
وكما فى كتب الحنفية: وفى (البدائع): فإنه لا ينبغى للإمام أن يخلى ثغرا من الثغور من جماعة من المسلمين فيهم غَناء وكفاية لقتال العدو، فإن قاموا به سقط عن الباقين. وإن ضعف أهل ثغر عن مقاومة الكفرة، وخِيف عليهم من العدو، فعلى مَن وراءهم من المسلمين- الأقرب فالأقرب- أن ينفروا إليهم، وأن يمدُّوهم بالسلاح والمدد- الخيل- والمال، لما ذكرنا أنه فرض على الناس كلهم ممَّن هم من أهل الجهاد، ولكن سقط الفرض عنهم لحصول الكفاية بالبعض.
وكلام صاحب البدائع هنا- وهو العلامة الكاسانى- فى تفسير ما يتحقق به فرض الكفاية: فى غاية المتانة والقوة، ففيه تأمين الثغور بأهل الكفاية والغَناء والقدرة على صدِّ العدو وردعه، وهو واجب الإمام أو سلطة الدولة، وعلى الشعب معاونته على ذلك، وليس فيه ذكر للقول بوجوب الغزو فى كل سنة لأرض العدو، كما هو الشائع.
ولذا علَّق عليه ابن عابدين بقوله: (إن كل موضع خِيف هجوم العدو منه فرض على الإمام- أو على أهل ذلك الموضع- حفظه، وإن لم يقدروا فُرض على الأقرب إليهم إعانتهم إلى حصول الكفاية بمقاومة العدو ولا يخفى أن هذا غير مسألتنا، وهى قتالهم ابتداء) وهذا يدلُّ على أن فرضية الغزو السنوى لبلاد الكفار لم تكن موضع إجماع لدى المتقدمين من الحنفية، كما نراها عند المتأخرين.
ويقول القرضاوى إنه فى مذهب مالك وجدنا (سحنون) يقول: الجهاد ليس بواجب بعد الفتح البتة، إلا أن يأمر الإمام، فيجب الامتثال؛ لقوله عليه السلام: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا»، فعلق الوجوب على الاستنفار.
وأعتقد أن الجهاد الذى نفى وجوبه سحنون إنما هو جهاد الطلب وغزو العدو كل سنة مرة كما قال بعضهم، أما جهاد الدفع والمقاومة للعدو الغازى، فهذا لا يمارى أحد فى وجوبه.
ونقل القرافى عن صاحب (المقدمات)- وهو ابن رشد الجد- قوله: إذا حميت أطراف البلاد، وسدت الثغور: سقط فرض الجهاد عن جماعة المسلمين، وبقى نافلة، إلا أن ينزل العدو ببعض بلاد المسلمين، فيجب على الجميع إعانتهم، بطاعة الإمام فى النفير إليهم.. ووفق ما تقدم من قراءة فإن القرضاوى يخلص إلى أن الاتجاه العام للإسلام مع غير المسلمين، فمن ترك المسلمين ولم يتعرض لهم تركه المسلمون، ومن ودّعهم وسالمهم سالموه.
لا إجماع على فرضية جهاد الطلب:
وإن ما كان يظنه الكثيرون أنه جهاد الطلب، وغزو العدو مرة كل سنة، فرض كفاية على الأمة، وأنه أمر مجمع عليه، ليس كما ظنوا، وإنما المجمع عليه فى هذا المقام أمران لا خلاف عليهما:
الأول: ما ذكره ابن رشد: أن ينزل العدو ببلد من بلاد المسلمين، فيجب عليهم جهاده، ويجب على الجميع إعانتهم حتى يهزم.
والثانى: تجهيز الجيوش، وإعداد العدة اللازمة للدفاع عن الحوزة، من القوة العسكرية الكافية لردع العدو، والقوة البشرية المدربة، بما يقتضيه العصر فى البر والبحر والجو. استجابة لقوله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) «الأنفال: ٦٠».
ويضيف القرضاوى أن الفقهاء اشترطوا لوجوب الجهاد على الأفراد: السلامة من الضرر المانع، ووجود النفقة المُمَكِّنة من الجهاد، إذا كان أمر الجهاد يقوم على تطوُّع الأفراد، محتسبين الأجر عند الله، كما كان الأمر فى زمن النبوة وما بعدها، أما إذا كانت الدولة هى التى تنظم أمر الجهاد، وتعدُّ الجيوش والقوَّات المسلحة، برية وبحرية وجوِّية، كما فى عصرنا، فهى التى تجنِّد المجاهدين وتجهِّزهم. فهنا لا يشترط وجود النفقة، وقد تفتح الباب للمتطوعين للقيام بأعمال معينة، فى إطار معلوم، يحدِّده النظام.
وقد لا تكون هناك دولة تقوم بذلك، إما لعدم وجودها فى الأصل، أو لأنها ارتدَّت عن الإسلام، ووالت أعداء المسلمين، كما كان الحال فى أفغانستان أيام حَكَمَها الشيوعيون، واستنجدوا بالسوفييت لحرب أهليهم وقومهم، أو لأن الدولة سقطت أمام غزو عسكرى أجنبى، أو لأنها استكانت وتخلَّت عن واجب الجهاد، فهنا يجب على الأفراد والجماعات المختلفة فى (المجتمع المدنى): أن يختاروا منهم جماعة تقوم بأمر الجهاد والمقاومة، وعن أقل الجهاد وموانع فرض الكفاية، فلقد اعتبر جمهور الفقهاء: أن أقلَّ ما يجب من الجهاد المفروض فرض كفاية: أن يقع مرة فى كل عام غزو لأرض الأعداء. وفى هذا يقول ابن قدامة فى (المغنى):
(وأقل ما يفعل: مرة فى كل عام؛ لأن الجزية تجب على أهل الذمَّة فى كل عام، وهى بدل عن النصرة، فكذلك مُبدَلها وهو الجهاد، فيجب فى كل عام مرة، إلا مِن عُذْر، مثل: أن يكون بالمسلمين ضعف فى عدد أو عدَّة، أو يكون منتظرا- أى ولى الأمر- لمَدد يستعين به، أو يكون الطريق إليهم فيه مانع، أو ليس فيه علف أو ماء، أو يعلم من عدوه حسن الرأى فى الإسلام، فيطمع فى إسلامه إن أخَّر قتالهم، ونحو ذلك، مما يرى المصلحة معه فى ترك القتال، فيجوز تركه بهدنة وبغير هدنة، فإن النبى صلى الله عليه وسلم قد صالح قريشا عشر سنين، وأخَّر قتالهم حتى نقضوا عهده، وأخَّر قتال قبائل من العرب بغير هدنة. وإن دعت الحاجة إلى القتال فى عام أكثر من مرة، وجب ذلك؛ لأنه فرض كفاية، فوجب منه ما دعت الحاجة إليه).
ما ذكره ابن قدامة من موانع فرض الكفاية:
وهذه الأعذار أو الموانع التى ذكرها الإمام ابن قدامة لعدم القيام بالغزو السنوى مهمة للغاية، ولا سيما ما ذكره: أن يعلم ولى أمر المسلمين أن عدوهم حسن الرأى فى الإسلام، وأنه يطمع فى كسبه لصف الإسلام بالسلم أكثر من الحرب، بل فتح ابن قدامة الباب، ليشمل كل ما يرى معه الإمام المسؤول المصلحة فى ترك القتال، فيجوز تركه لذلك بهدنة وبغير هدنة.
ومما ينبغى أن يضاف إلى الموانع والأعذار التى ذكرها الفقهاء لترك الغزو فى كل عام: أن تتوافق دول العالم على السلام، والامتناع عن الحرب، وحلِّ المشاكل بالوسائل السِّلمية، وإتاحة الفرصة لتبليغ الدعوة بالوسائل العصرية السِّلمية، بالكلمة المقروءة، والمسموعة، والمشاهدة، كما هو الواقع فى عصرنا.. فلا ينبغى أن يظهر المسلمون وحدهم بأنهم دعاة الحرب، فى حين يتنادى العالم كله بالسلام.. فكيف وعندنا من النصوص المتوافرة، من القرآن الكريم، ومن الهدْى النبوى: ما يُرغِّب فى السلام، ويدعو إلى السلام؟!
ويؤكد القرضاوى ضرورة وضع الظروف فى الاعتبار وكذلك الوضع المعيش فيقول فيما يشكل معرضة حداثية لأقوال مستقرة للفقهاء فى هذا الشأن: «إن قضية غزو بلاد الكفر، أو التوغُّل فى أراضيهم مرة كل سنة، كما ذكره الفقهاء، واعتبروه فرض كفاية على الأمة، ممثَّلة فى خلفائها وأمرائها، الذين تولَّوا المسؤولية عن أمورها... هذا الغزو المفروض: إنما يخضع للظروف وتغيُّرها.
والفقهاء حينما قرَّروا ذلك، إنما قرَّروه بناء على الواقع المعيش، الذى كان مفروضا على الأمة فى تلك الأزمنة، وهى: أنها مهدَّدة باستمرار من جيرانها الأقوياء، مثل: دولة الروم البيزنطية، التى اقتطع المسلمون أجزاء من إمبراطوريتها العريضة فى آسيا وأفريقيا، وأصبحت جزءا من (دار الإسلام) وبات جُلُّ أهلها مسلمين. وقد أدرك الناس من قديم: أن خير وسائل الدفاع الهجوم، وأن العدو المتربِّص إذا لم تبادره ببعض المناوشات على الحدود، سيبادرك هو بمناوشاته، وإذا لم يجد أمامه مَن يصده، فسيقتحم عليك دارك، فإذا لم يجد مقاومة، فسيتوغل أكثر وأكثر.
فهذا هو الذى دعا الفقهاء- أو رجَّح لديهم فيما أرى- أن يقولوا بوجوب الغزو كل سنة مرة. وقد رأينا شيخ الإسلام ابن قدامة يذكر جملة من الأعذار المانعة لوجوب هذا الغزْو منها: أن يرى الإمام حُسن رأى خصومه فى الإسلام، وطمعه فى أن يقتربوا منه أكثر وأكثر، حتى تنشرح صدورهم للدخول فيه.
ومن ذلك: ألا يكون بالمسلمين طاقة لتحمل أعباء الجهاد، لأسباب وظروف اقتصادية أو بشرية، تؤثر على حسن أدائهم، وعلى موقفهم العسكرى من أعدائهم.
ونرى أن وجوب غزو الأعداء كل سنة، إنما يخضع فى الواقع لفقه السياسة الشرعية، وهو فقه يتَّسم بالرحابة والمرونة، والقابلية للتطوُّر وتعدُّد وِجهات النظر، لأنه يقوم أساسًا على فقه المقاصد والمصالح وفقه الموازنات، وفقه الأولويات، وفى هذه الألوان من الفقه مجال واسع للاجتهاد الإنشائى، والاجتهاد الانتقائى، واختلاف التنوع، وتعدُّد الأنظار والرُّؤى، دون نكير من فريق على آخر، ما دام يحترم الثوابت، ويرعى الأصول الشرعية، والضوابط المرعية.
وقد رأينا خامس الراشدين عمر بن عبدالعزيز، رضى الله عنه، يسحب جيشه الذى يحاصر القسطنطينية حين لم يجد لذلك جدوى أو نتيجة تُرتجى، مع ما يُكبِّدهم ذلك من مشقة بالغة تجهد الجنود، ومن نزف مالى مستمر يرهق خِزانة الدولة، ويضيِّق على المصارف الأخرى.
وهذا ما سجَّله الكاتب المؤرخ المسلم الثقة «عماد الدين خليل» فى كتابه عن عمر بن عبدالعزيز، وملامح الانقلاب الإسلامى فى عهده، فقال:
عندما تولَّى عمر بن عبدالعزيز الخلافة كانت زهرة قوَّات المسلمين تحاصر القسطنطينية دون جدوى: الشتاء ببرده وثلوجه يصبُّ نقمته على جندهم فى البر والبحر، والجوع يتآكلهم من الداخل، بعد أن قام قائدهم مَسْلَمَة بن عبدالملك بإحراق المِيرة، ليدفع قوَّاته إلى هجوم حاسم ضد مَعقل القسطنطينية العظيم. وما إن بدأ هجومهم حتى استدرجهم الإمبراطور البيزنطى الجديد «ليو» قريبًا من الأسوار، وصبَّ عليهم حِممًا من النار اليونانية، فأحرقت سفنهم، وفتكت بعدد كبير منهم، وشتَّت هجومهم الموحد.
كانت هذه القوَّات قد بدأت مهمتها منذ العام الماضى «٩٨هـ»، حينما حشد سليمان بن عبدالملك قوَّات تبلغ الثمانين ألفًا، لتحقيق الهدف الذى عجز عن تحقيقه سلفه العظيم معاوية بن أبى سفيان، ألا وهو الاستيلاء على مفتاح أوروبا الشرقى، وصولًا إلى أعماق القارة. ولكن كل هذه المحاولات ذهبت عبثًا، إزاء مناعة أسوار القسطنطينية، وإحاطتها بالبحر من ثلاث جهات. وها هى الحملة الكبرى تلاقى مصيرًا أشدَّ قسوة من مصير ما سبقها من حملات، حتى يضطر جندها من شدة الجوع إلى أكل الدواب!
ويتولى عمر الخلافة، فهل يرضى لإخوته وأبنائه أن يموتوا هناك، دون جدوى، وهو الذى بلغ حسُّه بالقرآن درجة عجيبة، ووعى آياته وعيًا عميقًا، ومنها تلك التى تقول: (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) «البقرة:١٩٥»؟! هل يرضى عمر لقوَّاته أن يمزِّقها الجوع، وتحرقها النار اليونانية، ويشلَّها البرد والزمهرير؟ ويسحقها اليأس والغربة دونما أمل قريب أو بعيد فى تحقيق النصر؟
ويُبيّن د.خليل: أن منطق القادة العسكريين لا تتبدَّى روعته فى الإصرار على هجوم غير مُجدٍ، وتقديم الناس قرابين لأهداف كالسراب، بل إن منطق هؤلاء القادة- كما يقول خليل- يتعرَّض لامتحانه الخطير فى لحظات الهزيمة هذه، وإن القائد الحصيف ليجتازه بمهارة عجيبة.
لقد كان بإمكان خالد بن الوليد «رضى الله عنه»، فى معركة مؤتة: أن يخوض بالمسلمين- بعد هزيمتهم أمام الروم، ومقتل قوادهم الثلاثة- معركة انتحارية، ويقدم جنده قرابين للدعوة التى جاءوا يحملون راياتها على مشارف إمبراطورية الروم.
ولكن حصافته منعته من هذا، وهيأت له نظرته الثاقبة خطة للانسحاب، والحفاظ على أرواح جند، شاءت حكمة الله، وبراعة سيفه المسلول، أن يلعبوا دورهم فيما بعد، فى معركة الثأر التى قادها أسامة بن زيد بعد زمن قصير. ولو تمكَّن نابليون وهتلر- على سبيل المثال- من تأمين انسحاب منظَّم لقوَّاتهما الحاشدة فى روسيا، عبر ساعات الهزيمة المُرة والبرد والجوع والموت، لكان لتاريخهما وِجهة جديدة ومصير آخر.
وعمر- وهو يسوس أمته من دمشق- كان بإمكانه أن يُقدم على مزيد من المجازفات، على أمل أن التاريخ سيسجِّل فى يوم عظيم: أن عمر بن عبدالعزيز تمكَّن من كسر الباب الشرقى لأوروبا، وفتح الطريق أمام خيول المسلمين، تطأ بسنابكها جهات القارة الأربع! ولكن عمر لم يكن يريد أمجادًا من هذا النوع، فهو مسؤول عن كل قطرة دم تُراق فى سبيل أهداف بعيدة المنال.
ومن ثَمَّ يرسل إلى القائد مَسْلَمَة بن عبدالملك- دونما تردد- يأمره بالعودة بمَن بقى معه من القوَّات. ولكى يُؤمِّن انسحابهم وجَّه إليهم- على جناح السرعة- خيلًا عتاقًا وطعامًا كثيرًا، وحثَّ الناس- عبر الطرقات التى ستمر منها القوَّات المنسحبة- أن يساعدوهم ويقدموا لهم ما يحتاجون إليه.
ولم يقف عمر عند هذا الحد، بل راح يراقب أوضاع المسلمين فى الثغور التى كانت طيلة السنين الماضية أهدافًا لضربات البيزنطيين، بالنظر لطبيعة موقعها المتوغِّل فى بلاد الأعداء، وراح الخليفة يتخذ من الإجراءات ما ينسجم واستراتيجيته الجديدة. فسعى إلى هدم حصن «المَصِّيصَة» وترحيل أهله عنه لِمَا كانوا يقاسونه من الروم، إلا أنه توفى قبل إتمام مشروعه هذا.
وقام بإجراء حاذق بالنسبة لموقع «طُرَندة» الذى نزله المسلمون وأقاموا فيه مساكنهم، رغم توغُّله فى بلاد الروم وإحاطته بأراضٍ لا تقطنها سوى جماعات من أهل الذمَّة الأرمن، وكانت «مَلَطْية» القريبة منه خرابًا لا يسكنها سوى غير المسلمين من أهل الذمَّة والأرمن كذلك. وقد دفعت هذه الأوضاع الصعبة فى المنطقة، إلى أن تخرج سنويًا قوة من جند المسلمين من الجزيرة، فتقيم فى طُرَندة صيفًا لحمايتها.
وما أن يحلَّ الشتاء وتبدأ الثلوج بالتساقط، حتى تقفِل هذه القوة عائدة إلى قواعدها فى الجزيرة، وما أن تولى عمر الخلافة حتى قام بترحيل أهل طُرَندة- رغم معارضتهم- لإشفاقه عليهم من العدو، بعد أن أمرهم بإتلاف كل ما لا يستطيعون حمله من المؤونة كى لا يستفيد الروم منها، ومن ثَمَّ تمَّ تخريب طُرَندة ونقل أهاليها إلى مَلَطْية التى عين عليها واليًا جديدًا. وبهذا غدا المسلمون هناك فى موقف أكثر سلامة من ذى قبل. وإذ كانت اللاَّذِقِيَّة عرضة لهجمات الروم، أمر عمر ببنائها وتحصينها واستكمال أسبابها الدفاعية.
ومع حرص الخليفة الراشد على دماء المسلمين وعلى قوتهم: لم يكن من الغفلة بحيث يَدَع الفرصة للروم المتربصين، لينهشوا أراضى الدولة الإسلامية الكبرى، من جهة الشمال، ويضعوا أيديهم على ثغورها واحدًا بعد الآخر، بل استبقى عمر النظام العسكرى الذى وضعه من قبله معاوية بن أبى سفيان: نظام «الصوائف والشواتى»، ذلك الذى يجعل المبادرة العسكرية بأيدى المسلمين دائمًا إزاء الروم، عن طريق إرسال حملات نظامية موسمية فى كل صيف وشتاء، لغزو بلاد الروم، وعدم إتاحة أى مجال لهم فى التحول إلى الهجوم ويرى القرضاوى أن إرسال هذه الحملات كان بغرض حاجة الدولة إلى إشعار أعدائها بقوتها، وأنها قادرة على ردعهم، وهذا كله خاضع لرعاية المصالح العسكرية، والضرورات العملية للدولة.
وهذا الحرص يتبدَّى- ثانية- فى ساحة أخرى لها خطرها، تلك هى ساحة الغزو والفتوحات. فليس أحرص من عمر على نشر الإسلام، وإسقاط نُظُم الكفر، وإتاحة حرية الاعتقاد للأمم والشعوب المضطهدة، ولكنه ما دام قد تمكَّن، بدبلوماسيته واتصالاته السِّلمية، أن يحقِّق هذا الغرض، وأن يقنع قادة وملوك وزعماء الأقوام غير المسلمة بالإسلام، ومادام عدد كبير من هؤلاء قد استجاب لهذا الأسلوب السلمى واعتنق الإسلام، أو أتاح لشعبه- على الأقل- حرية الاعتقاد.. فلا ضرورة- إذن- لاستخدام السيف للإطاحة برؤوس الطغيان
غير أن أى عدوان على أراضى ومواطنى الدولة الإسلامية فى عهد عمر، كان يجابه بالردع العنيف الحاسم، كى لا يعود المتربصون إلى الاعتداء مرة أخرى. ففى عام تسع وتسعين أغار الترك على أذربيجان، وقتلوا جماعة من المسلمين، وفتكوا بالسكان، فوجه إليهم عمر حاتم بن النعمان الباهلى، فقتل عددًا من أولئك المغيرين، ولم يفلت من يديه إلا اليسير، وما لبث أن قدم بالأسرى إلى الشام ليعرضهم على الخليفة.
وهنا نجد الخليفة الراشد يستخدم القوة حيث يجب أن تُستخدم القوة، ويقدم المسالمة حين يراها الأحكم والأصوب وبأى شىء يتحقق فرض الكفاية فى الجهاد أفرد القرضاوى فصلًا كاملًا أكد فى مبتدئه اتفاق الفقهاء على أن الجهاد فرض فى الإسلام وأن منه ما هو فرض عين ومنه ما هو فرض كفاية أما ما هو فرض عين فلا خلاف عليه وهو جهاد الدفع أى وجوب دفع المعتدى «المقاومة أما ما هو فرض كفاية فهناك اختلاف عليه وهو ما يعرف باسم جهاد الطلب أى المبادأة بالإغارة ولكن هل يعنى مقاتلة العالم كله «من يحاربنا ومن يسالمنا أيضا؟» حتى يدخلوا فى الإسلام؟
لقد رأينا جمهور العلماء قد اتفقوا على أن الجهاد فرض فى الإسلام، وهذا ما لا ينبغى أن يُشك أو يُنازع فيه فى الجملة. وأن منه ما هو فرض كفاية، ومنه ما هو فرض عين: فأما ما هو فرض عين، فلا خلاف عليه، ولا نزاع فيه، وهو «جهاد الدفع» أى جهاد المقاومة والمطاردة للغزاة، لتحرير أرض الإسلام وأهل الإسلام منهم. وفى هذا يقول:
الإمام «الجصاص» فى أحكام القرآن: ما أجمع عليه المسلمون وما اختلفوا فيه من أمر هذا الجهاد. أما ما أجمعوا عليه فهو: إذا خاف أهل الثغور من العدو، ولم تكن فيهم مقاومة لهم، فخافوا على بلادهم وأنفسهم وذراريهم، ففرض على الأمة كافة: أن ينفر إليهم مَن يَكُفُّ عاديتهم عن المسلمين. وهذا لا خلاف فيه بين الأمة لكن موضع الخلاف بينهم: أنه متى كان بإزاء العدو مقاومون له، ولا يخافون غلبة العدو عليهم: هل يجوز للمسلمين ترك جهادهم حتى يُسلموا أو يؤدُّوا الجزية؟
فكان من قول ابن عمر وعطاء وعمرو بن دينار وابن شُبرُمة «والثورى أيضا»: إنه جائز للإمام والمسلمين ألا يغزوهم ويقعدوا عنهم.
وقال آخرون: على الإمام والمسلمين أن يغزوهم أبدًا، حتى يُسلموا أو يؤدُّوا الجزية.
فإذا لم نأخذ بقول ابن عمر وغيره ممَّن ذكرهم الجصاص، فما المقصود بفرض الكفاية فى الرأى الآخر؟
لقد ذكر أكثر الفقهاء: أن فرض الكفاية يسقط عن الأمة بغزو العدو مرة كل سنة. فإذا لم يغزُ أحد من الأمة الكفار- ولو مرة واحدة فى السنة- فقد أثمت الأمة كلها، لتفريطها فى القيام بفرض الكفاية.
وتحديد الغزو بهذه الصورة- مرة كل سنة- لم يجىء به نص من كتاب أو سنة، ولكن ذكره بعض المتقدمين، ونقله عنهم المتأخرون. وإنما قاله مَن قاله استنباطًا، لأن الجزية تجب فى السنة مرة، وهى بدل الجهاد، فكذلك مُبدَلها- وهو الجهاد- يجب أن يكون فى السنة مرة.
والحقُّ أن كلام الفقهاء هنا أملاه الواقع الذى عاشوه وعاينوه، كما ذكرنا من قبل، والمتمثل فى علاقة الدولة الإسلامية بجيرانها الذين يهدِّدونها فى كل وقت، ولا سيما دولة الروم البيزنطية، القوية والمتربصة. فعلى المسلمين أن يقوموا بمناوشات على الحدود بين الحين والحين، لتأمين حدودهم، وإثبات وجودهم، وهذا ما عرَفه عصرنا، وسمَّاه الباحثون المُحدَثون: «الحرب الوقائية»، وهى عندهم مبرَّرة ومشروعة
عودة الى مقالات |