انتبهوا , مصر تتغير ...ولكن إلى أين ¸الأذلة في زمن اصطناع الأدلة!! تقديم عبد العزيز محمود
في جريدة الشروق يكتب الكاتب الكبير فاروق جويدة بعنوان مصر تتغير ولكن إلى أين.. الخلاصة عندي أن في شيء ما يحمل ملامح مجتمع يتحرك ولم يعد خاملا كما كان أو مستسلما تماما كما تصور البعض أن الشارع المصري يتحرك وهناك شواهد كثيرة تؤكد أن مصر تتغير ولكن.. إلى أين.. هذا هو السؤال الصعب وكلنا ننتظر الإجابة.. ..وفي الجهورية يكتب الكاتب الساخر محمد أبو كريشة بعنوان الأذلة في زمن اصطناع الأدلة.. .." هل يظن مسلم أن القرآن يكذب والعياذ بالله؟ هل يظن مسيحي أن الإنجيل يكذب والعياذ بالله؟.. بالتأكيد القرآن لا يكذب والإنجيل لا يكذب لكن ألوف بل ملايين المسلمين والمسيحيين يكذبون بالقرآن والإنجيل....وفي الأهرام يكتب عبده مباشر عن قراءة أخرى في وفاة عبد الناصر.. ولم يكن منطقيا أن يقتل رئيس مصر بالسم دون أن يكتشف الأطباء الذين تحلقوا حول الجثمان بعد موته مباشرة حقيقة ما جري. والذين عاصروا وشهدوا هذا الحدث الجلل تابعوا ما قاله معظم الأطباء من ضرورة تشريح الجثمان قبل أن يوقعوا علي شهادة الوفاة....وفي المصري اليوم يرسل سليمان جودة رسالة تحذير بعنوان انتبهوا- الوقت قد يكون تأخر بعض الشيء بالنسبة لنا، ولكنه لا يزال معنا، بشرط أن نبدأ غداً، وليس بعد غد، وأن نكون موجودين هناك، ليس لأن إسرائيل موجودة، وإنما لأننا يجب أن نكون موجودين، ولأن التقصير في تواجد من هذا النوع، إجرام في حق بلدنا، بصرف النظر تماماً عن الذين سبقوا..... ومن المحلية إلى العربية حيث يجرى عبد الرحمن الراشد في الشرق الأوسط نقاش حول اليمن .
مصر تتغير ...ولكن إلى أين
فاروق جويدة من الشروق
أغرقت السيول مساحات كبيرة من الأراضى وهدمت مئات البيوت وشردت آلاف المواطنين فى قرى ومدن سيناء وأسوان وشرم الشيخ والعريش وكانت البيوت الطينية تنهار فى مشهد درامى مخيف.. وكانت الأعمدة الخرسانية تتساقط أمام قوة المياه المتدفقة ومات من مات وأصيب من أصيب وبقيت المهزلة شهادة حيه على الأداء السيئ لأجهزة الدولة سواء كانت الأجهزة المركزية أو المحليات وكشفت هذه السيول عن هذا القصور المتأصل فى عمليات تخطيط العقارات والمبانى التى أقيمت بالآلاف فى مجرى السيول التى عرفها الآباء منذ مئات السنين دون مراعاة لقواعد البناء أو تفادى المخاطر.. وقد أدت السيول إلى وفاة 13 شخصا وإصابة 49 آخرين وانهيار 1194 منزلا وتشريد آلاف المواطنين..
كان من الممكن أن تتحول هذه السيول إلى مصدر خير ورخاء لو أنها اتجهت إلى أراضى سيناء الخالية لتفتح أبوابا للرزق لمئات الآلاف من المواطنين التى يزرعون بها آلاف الأفدنة من الأراضى الصحراوية وهناك دول تعيش على هذه السيول كمصدر مهم من مصادر المياه وفى دول الخليج تقام السدود من أجل تجميع هذه المياه واستخدامها فى الزراعة طوال أشهر العام.. كانت مياه السيول التى هبطت على سيناء تكفى لزراعة آلاف الأفدنة ولكن فى ظل غياب التخطيط السليم والدراسات الجادة تحولت السيول إلى كارثة أغرقت البيوت وهدمت القرى وكان من الممكن أن تروى الصحراء.
شاهدنا جميعا على شاشات التليفزيون الأضرار التى لحقت بالمواطنين سواء كانت خسائر فى الأرواح أو فى هدم البيوت أو تدمير الثروة الحيوانية ولكن أمام كل هذه الصور المأساوية كانت هناك صورة إيجابية جديدة علينا عندما خرج أهالى العريش يهتفون ضد الدكتور أحمد نظيف رئيس الوزراء ويطالبونه بالرحيل فورا وهم يسألون لماذا جئت؟.. اضطر رئيس الوزراء أن يقطع رحلته وأن يسرع إلى المطار عائدا إلى القاهرة بعد أن انتهت رحلته التى لم تستغرق سوى دقائق قليلة..
كان خروج المواطنين ورفضهم استقبال رئيس الوزراء صيغة جديدة للمعارضة الشعبية بعيدا عن ترتيبات الأحزاب ومانشيتات الصحف المستقلة وتجمعات النقابات المهنية وما تشهده العاصمة أحيانا من مظاهر الرفض والاحتجاج ولابد أن نعترف أن مصر تتغير وأن هناك شواهد كثيرة تؤكد ذلك سواء كانت هذه الشواهد داخل ما بقى من النخبة أو فى مناطق أخرى بعيدا عن الأضواء.. وفى تقديرى أن هذا التغيير ظاهرة إيجابية حتى ولو تجاوزت أحيانـا حدود المألوف فى التعبير عن نفسها.. لم يكن موقف أهالى العريش مع رئيس الوزراء الواقعة الوحيدة التى تؤكد هذا التغيير ولكن هناك وقائع أخرى أخطر وأهم:
انتخابات الرئاسة
كان الجدل والخلاف الذى وصل إلى حد المواجهات بين تيارات مختلفة حول انتخابات الرئاسة فى 2011 شيئـا جديدا على مصر لا أعتقد أنها شهدته من قبل.. أن يدور حوار صاخب وعنيف حول الترشيح لرئاسة الجمهورية ورئيس الدولة مازال فى منصبه يمارس اختصاصاته وبقيت له فترة ليست قليلة فى الحكم.. أنا لا أعتقد أن ذلك حدث فى مصر من قبل وكان من الصعب جدا أن يحدث حتى فى ظل الملكية قبل ثورة يوليو خاصة ما يتعلق بمنصب رئيس الدولة سواء كان ملكـا أو رئيسا.. كان من الصعب فى عهد الزعيم الراحل جمال عبدالناصر أن يعلن شخص ما أيا كان رصيده وتاريخه عن رغبة فى أن يرشح نفسه للرئاسة ولم يحدث ذلك أيضا فى عهد الرئيس أنور السادات لأن ذلك كان شيئـا مستحيلا.. ولكن طوال الأسابيع الماضية شهدت الصحافة المصرية جدلا واسعا بين نخبة من رموز مصر تصدرها كاتبنا الكبير محمد حسنين هيكل والسيد عمرو موسى أمين الجامعة العربية ود. أحمد زويل العالم المصرى وصاحب نوبل ود. محمد البرادعى الذى أعلن صراحة عن رغبته فى دخول المنافسة حول منصب رئيس الجمهورية والسيد منصور حسن السياسى والوزير السابق وأحد رموز حكم الرئيس السادات.. ولم يخل الأمر من مداخلات صدامية من المفكر السياسى د. مصطفى الفقى ود. سيد ياسين ود. كمال أبوالمجد.. ود. على السلمى ونخبة من عقول مصر.. لابد أن نعترف أن هذا المناخ سوف يفرز شيئـا ما طال الوقت أم قصر لأننا أمام جدلية غير مسبوقة وبالتأكيد فإنها سوف تصل أيضا وبالضرورة إلى نتائج غير مسبوقة خاصة أن ذلك كله يجرى أمام الدولة بكل مؤسساتها وأجهزتها الأمنية والسياسية وكانت قادرة على أن توقف ذلك كله ولكن كان الحرص على استمرار الحوار أكثر من الرغبة فى إجهاض التجربة مهما كانت تجاوزاتها فى نظر البعض..
قانون الضريبة العقارية
ما حدث من ردود أفعال حول قانون الضريبة العقارية وإصرار المواطنين على مقاومة ذلك وليس مجرد رفض هذا القانون بكل الوسائل.. كانت الصحافة هى أول من حمل لواء هذه المعارضة التى انتقلت إلى شاشات الفضائيات ثم اتجهت إلى قبة البرلمان رغم أنه صاحب القانون.. وفى آخر المطاف كان ولابد أن تصل أصداء ذلك كله إلى الرئيس مبارك ليعود بالقانون إلى مجلس الشعب مرة أخرى..
كانت معركة قانون الضريبة العقارية من المعارك التى خرجت من المواطنين بعيدا عن الأحزاب سواء كانت شرعية أو محظورة وكانت ضد توجهات حزب الأغلبية وممثلى الحكومة ورغم هذا نجحت فى استقطاب الرئيس مبارك ليقول صراحة إن القانون مازال تحت الدراسة ويوضح بعض ملاحظاته حول القانون.. ما حدث فى الضريبة العقارية يؤكد أن هناك شيئا ما فى مصر يتغير.. أن الجماهير التى رفضت استقبال رئيس الحكومة فى العريش هى نفسها التى تناولت قضية الترشيح للرئاسة وهى نفسها التى خرجت تعلن رفضها السلمى لقانون الضريبة العقارية..
هنا نلاحظ أن هذه الشواهد على هذا التغيير كانت بعيدة تماما عن مسار الأحزاب السياسية بما فيها حزب الأغلبية الحزب الوطنى بل إن هذه الشواهد جاءت خارج سياق توجهات وحسابات الحزب الوطنى سواء داخل مجلس الشعب والشورى أو فى ردود أفعال الصحافة القومية.. وإذا كانت الصحافة القومية قد تحفظت كثيرا وربما أساءت فى قضية الترشيحات لرئاسة الجمهورية فإنها خضعت تماما للرأى العام فى موقفها من قانون الضريبة العقارية وكارثة السيول وتوابعها..
الصحافة المستقلة
مهما قيل عن الصحافة المستقلة ومهما حاول البعض أن ينسب إليها بعض السلبيات وقد تكون حقيقية إلا أن الشىء المؤكد أنها حركت مياها كثيرة راكدة فى الشارع المصرى ليس فقط بين نخبة المثقفين والمهتمين بالشأن العام ولكنها لعبت دورا كبيرا وخطيرا فى فتح آفاق أوسع للحوار والخلاف والجدل.. هناك مجموعة كبيرة من القضايا المهمة التى حركتها الصحافة المستقلة والحزبية ابتداء بقضايا مياه الشرب ورغيف الخبز فى المحافظات وانتهاء بأحداث كثيرة فى القاهرة والمحافظات كان من الممكن أن تغيب تماما عن وعى وإدراك الشارع المصرى..
لقد فتحت الصحافة المستقلة نوافد كبيرة للرأى الآخر وشاركت فى حوار جاد حول قضايا كثيرة ولاشك أنها أول من فتح حوارا حول الترشيح لرئاسة الجمهورية.. وكشفت الكثير من الجرائم فى العشوائيات خاصة مذابح الخنازير وتوابعها.. وشهدت على الكثير من الجرائم خاصة نهب المال العام سواء بالنسبة للاستيلاء على الأراضى أو أموال البنوك أو خطايا المسئولين الكبار..
وعلى جانب آخر، فإن نجاح الصحافة المستقلة فى طرح العديد من القضايا الحساسة جعل الصحف القومية تدخل السباق حرصا على دورها ومصداقيتها وهنا شهدت مصر مناخـا صحفيا جديدا يقوم على المنافسة والمزيد من حرية الرأى.. والاقتراب أكثر من هموم المواطنين.. وهذا المشهد يؤكد أن فى مصر شىء يتغير..
تحركات المجتمع المدني
منذ خرجت حركة كفاية للشارع المصرى ترفض وتعارض وتجمع حولها تيارات فكرية مختلفة والشارع المصرى يشهد كل يوم حركة رفض جديدة سواء كان ذلك فى تجمعات شعبية أو نشاط مدنى أو مطالبة بصورة أفضل فى الخدمات بل أن الشارع تحرك بنفسه ليشارك فى تحسين هذه الخدمات كما حدث فى قضية الزبالة.. وإذا كانت هذه الحركات قد تراجع تأثيرها إلا أن الشىء المؤكد أن اصداءها مازالت تتردد فى الشارع المصرى ربما انتقل جزء من هذا التأثير إلى بعض الأحزاب الصغيرة أو النقابات المهنية أو جمعيات النشاط المدنى خاصة فيما يتعلق بقضايا الأسعار والجمعيات الخيرية ودعم الأنشطة الإنسانية بصورة عامة..
هناك موقف غريب لا أجد له تفسيرا وربما يحتاج إلى دراسة اجتماعية موضوعية لمعرفة أسبابه الحقيقية وهو رفض المصريين تطعيم أبناءهم بمصل إنفلونزا الخنازير مما اضطر وزارة الصحة إلى إعادة ملايين الجرعات التى استوردتها من فرنسا.. هذا الموقف من المواطنين له أكثر من تفسير أما انه يمثل درجة متقدمه جدا من عدم الثقة فى الحكومة ومؤسساتها.. أو أنه يمثل درجة من الوعى الذى جعل المواطن يرفض استخدام المصل لأن دولا كثيرة رفضت هذا المصل من قبل.. ولكن أخطر ما فى الموقف هذا الإجماع الشعبى على رفض استخدام المصل رغم كل الضغوط والإغراءات والتحذيرات التى استخدمتها الحكومة ممثلة فى وزارة الصحة.. فى تقديرى أن هذا الرفض من جموع المصريين يمثل موقفـا غريبا وهو يعكس بالفعل صورة حية من صور التغيير فى مصر ولا أدرى هل يمكن أن نعتبر ذلك تغيرا إيجابيا أم تغيرا سلبيا..
الإخوان
لا أحد يعرف تفاصيل ما جرى فى صفوف الأخوان المسلمين حتى الآن وإن كان من الصعب تفسير ما حدث ونتائجه على المستوى البعيد والقريب.. ولكن المؤكد أن هناك تغيرا ما حدث فى جماعة الإخوان وسوف تعكس الأيام مدى هذا التغير وهل كان شيئـا إيجابيا لصالح مصر أم أنه توجه سلبى لم نعرف مداه..
كان الصراع داخل مكتب الإرشاد وانسحاب بعض رموز الجماعة وكشف ذلك كله أمام الرأى العام شيئـا جديدا أن ما حدث داخل جماعة الإخوان المسلمين فى الشهور الأخيرة يمثل مرحلة جديدة فى تاريخها ولا يمكن أن نفصل ذلك عما حدث أخيرا حيث تم الإفراج عن عدد كبير من مسجونى الجماعة وتم حفظ عدد كبير من القضايا والتحقيقات..
الممنوعات السياسة والفكرية
لم تعد فى مصر ممنوعات فكرية أو سياسية ابتداء بخبر خطوبة رئيس الوزراء د. أحمد نظيف وانتهاء بالسخرية الشديدة والرفض الصريح للتعديل الوزارى الأخير الذى لم يقنع أحدا ولم يشعر معه المواطن أنه أمام تغيير حقيقى.. على نفس المسار كانت بعض القضايا الخاصة بالتحقيق مع مسئولين سابقين مثل د.محمد إبراهيم سليمان وزير الإسكان الأسبق رغم كل الاتهامات السابقة التى لحقت به منذ خروجه من الوزاره.. كان الواضح أن هناك توجها جديدا فى قضية إبراهيم سليمان تختلف تماما عن كل ما سبق من اتهامات للوزير وكان آخر مظاهر هذا التحول حكم قضائى ببطلان تعيين الوزير رئيسا لإحدى شركات البترول.. لا يمكن أن نتجاهل فى نفس السياق ما حرصت به د. ميرفت التلاوى حين أنهت مقابلة مع د. يوسف بطرس غالى وزير المالية حين أراد أن يستثمر أموال التأمينات الاجتماعية فى أحد البنوك الأمريكية فى وزارة د.عاطف عبيد.. وهو ما حدث أيضا فى خلاف المهندس أحمد عز أمين التنظيم بالحزب الوطنى مع وزير الثقافة فاروق حسنى حول تجارة الآثار حين حسم د.فتحى سرور القضية كلها وأعاد القانون إلى وزارة الثقافة من أجل إعادة صياغته..هذا التراشق الحاد بين المسئولين فى الدولة يعتبر أيضَا شيئـا جديدا يؤكد أن فى مصر شىء يتغير..
هذه الشواهد كلها تؤكد على ظاهرة التغير وقد تحمل هذه الشواهد بعض السلبيات كما حدث من الفضائيات فى بعض القضايا ومنها أحداث الجزائر.. ولكن الفضائيات نفسها شهدت أخيرا إيجابيات لا يمكن تجاهلها كما حدث فى جمع التبرعات لضحايا السيول فى أسوان وسيناء والعريش.. وكما حدث فى طرح العديد من القضايا الجادة.. كان مشهد التبرعات لضحايا السيول صورة مشرفة للمواطن المصرى الذى حاول أن يقدم شيئـا رغم ظروفه الصعبة إنسانيا واقتصاديا ورغم مطاردات الضريبة العقارية وإهمال المسئولين لمشاكله..
مأساة نجع حمادي
منذ أعوام ومصر تعيش حالة من حالات الفوران الإيجابى ويشهد الشارع المصرى ردود أفعال إيجابية تجاه قضاياه المهمة وفى الأسابيع الأخيرة حدثت مأساة نجع حمادى ليلة عيد الميلاد.. ورغم أن الكارثة لحقت بنا جميعا مسلمين وأقباط إلا أن أخطر ما ترتب عليها هو هذا الموقف الشعبى الرافض لما حدث هناك.. وشهدت الساحة المصرية إدانات من جميع الطوائف والفئات وبدأ الحديث عن أسباب هذه الظواهر الغريبة التى تكررت أكثر من مرة.. وبجانب هذا كان هناك رفض حاد لأى تدخلات خارجية بين المسلمين والأقباط لأن ما حدث فى نجع حمادى شأن مصرى خالص ونحن قادرون على إصلاح ما فسد بيننا.. لقد رفض قداسة البابا شنودة أن يلتقى مع لجنة الحريات الدينية التابعة للكونجرس الأمريكى.. كما رفض الإخوة الأقباط مواقف المزايدين فى العواصم الغربية واعتبر الجميع أن ما يحدث فى مصر شأن مصرى خالص ومصر أولى بحل مشاكلها وأزماتها..
إن وعى الشارع المصرى بحجم المأساة فى نجع حمادى وتوحد الإرادة المصرية على تجاوزها والبحث عن علاج لها كان يمثل أيضا مشهدا من مشاهد التغيير فى مصر..
وإذا كانت مأساة نجع حمادى قد وحدت الشارع المصرى بكل تياراته ضد العنف والفتنة فإن حصول مصر على كأس أفريقيا فى كرة القدم قد وحد الشارع نفسه فى احتفالية شملت كل أرجاء مصر.. كانت عودة الفريق القومى المصرى من أنجولا وسط احتفالات صاخبة أكبر دليلا على أن وحدة هذا الشعب تتجاوز كل الأحداث المؤسفة.. ولكن المهم كيف نستفيد من مثل هذه اللحظات التى يتجمع حولها الناس وكيف نعالج الأزمات التى تهدد وحدة هذا الشعب.. بقدر ما كانت مأساة نجع حمادى حدثـا داميا أجمع الشارع المصرى على رفضه بقدر ما كان انتصار الفريق القومى حدثـا أسعد الملايين وسط هذه الظروف الصعبة..
ما الذي يعنيه كل ذلك؟
الخلاصة عندى أن فى مصر شىء ما يحمل ملامح مجتمع يتحرك ولم يعد خاملا كما كان أو مستسلما تماما كما تصور البعض أن الشارع المصرى يتحرك وهناك شواهد كثيرة تؤكد أن مصر تتغير ولكن.. إلى أين.. هذا هو السؤال الصعب وكلنا ننتظر الإجابة..
هذه الشواهد وغيرها تحمل دلالات كثيرة بأن مصر تشهد متغيرات كثيرة فى الفترة الأخيرة لا يمكن أن ندعى أنها وليدة الصدفة أو أنها صورة لردود أفعال سريعة ولكن المؤكد أنها بدأت منذ فترة طويلة وأنها تأخذ الآن شكلا متكاملا نحو مواقف قد تكون أكثر فاعلية وأكثر حسما..
من يتابع الصحف المستقلة وملايين الصفحات على النت وحوارات الشباب المفتوحة وما يجرى على الشاشات فى الفضائيات وما يشهده الشارع من ردود أفعال ومظاهرات واجتماعات أهلية ومهنية يتأكد أن هناك شيئا بل أشياء تتغير..
ربما لا يستطيع أحد أن يعرف اتجاه الريح وإلى أين ستحملنا هذه المتغيرات التى تشهدها الساحة ولكن الجميع يشعر أن الأرض تتحرك تحت الأقدام..
الأذلة في زمن اصطناع الأدلة!!
بقلم : محمد أبوكريشة من الجمهورية
سكت الكلام.. والبندقية اتكلمت.. والنار وطلقات البارود.. شدت علي إدين الجنود.. واتبسمت.. واحنا بلدنا للنهار.. بتحب موال النهار.. لما يعدي في الدروب ويغني قدام كل دار.. "يعطيك الصحة والعافية ياخال عبدالرحمن الأبنودي ويرحمك الله ياعبدالحليم حافظ".. كأن الأبنودي ينظر من نافذة الغيب والمستقبل حين قال هذا الشعر.. والصادقون في القول والعمل دائماً "مكشوف عنهم" الحجاب والكذابون علي أبصارهم غشاوة.. ولم يتخلف قول الأبنودي لحظة واحدة في حياتنا.. وكل المرات التي سكت فيها الكلام وتكلم الفعل حققنا فيها إنجازات وانتصارات اسطورية تفوق الخيال.. وحتي الآن لم يستطع الفن والإعلام والكلام وصف ما جري في حرب أكتوبر لأن الفعل كان أقوي من الكلام ولأن الملحمة كانت فوق كل وصف.. خرس المبدعون لأن المبدعين كانوا أصحاب الفعل وليسوا أهل كلام.. وكل المرات التي سكت فيها الفعل وتكلم فيها القول "والبق" تعرضنا لانكسارات وهزائم غير مسبوقة وخسرنا أرضا وعرضا وكرامة وشرفا.. وصار الكذابون نجوم المشهد وأصحاب القلم والمواقع.. فنحن نكذب كما نتنفس.. وليست في حياتنا أي لحظات صدق سوي تلك اللحظات التي نصمت فيها.. وسوي تلك المرات التي نخرس فيها.. وعبقرياتنا اليوم عبقريات كذب "ونخع".. ولا توجد عندنا حقائق وقد بلغ بي الأمر حد انني لم أعد أصدق أحداً.. لأن القاعدة هي الكذب والاستثناء هو الصدق.
والكذب من أهم مسوغات وأوراق الاعتماد في المواقع المهمة والحساسة ومن أهم سمات النجومية.. ويقال إن الصدق لا يبيع..لكن الكذب يباع.. ونحن نكذب دون أن نشعر لأن الكذب أصبح من يومياتنا.. والناس لا يصدقون المرء لأنه يقول الصدق ولكنهم يصدقونه بنفوذه وفلوسه.. والناس أيضاً يكذبون حين يتظاهرون بتصديق الكذاب.
وعندما سكت الكلام وتكلم الفعل في بطولة الأمم الافريقية حققنا ما تصورنا أنه مستحيل لأن الساحة خلت من نجوم "التوك توك شو" الرياضي وتركوها غصبا عن عين اللي خلفوهم لأصحاب الفعل ونجوم الإنجاز الذين قادهم المعلم "وخلّوا الشبكة وحدها تتكلم".. صحيح أن هناك قوالين "وبتوع بق" حاولوا ركوب الإنجاز وخطف الكاميرا لكن محاولاتهم فشلت لأن القوالين لا مكان لهم عندما يتحدث الفعالون.
وعما قليل سيتواري أهل الفعل ويعود نجوم القول لاحتلال المشهد عندما ينطلق دوري كرة القدم أو دوري الكلام وعندما يتحول نجوم الفعل أنفسهم بالاستدراج وإبهار الأضواء إلي نجوم كلام.. فقد أوتينا دون كل الأمم عبقرية حرق إنجازاتنا وحرق نجومنا.. بألسنتنا "اللي عايزة قطعها".. فالجبل "الرغاي" يتمخض فيلد فأرا.. ودوري كرة القدم عندنا فأر ولده جبل ثرثار.. لكن الفأر الصامت يلد أسداً.. وقد كنا جميعاً نظن أن منتخبنا فأر لا طاقة له بمواجهة سعدان وجنوده.. لكن ظننا خاب ورفض الفأر أن يرد علينا وأن يجارينا في الثرثرة.. ولاذ بالصمت فولد أسداً لم يكن في الحسبان.
لقد ابتلانا الله تعالي بالكذبة في كل المواقع.. ابتلانا بأقزام يحاولون تضخيم ذواتهم بالثرثرة والكذب وما نسميه في بلدنا "ضرب المطاوي" أو "النخع" أو الكلام في "السهراية" أو كلام الليل المدهون بزبدة يطلع عليها النهار فتسيح.
* * * *
والكذب يهدي إلي الفجور والفجور يهدي إلي النار.. والكذب أولي آيات النفاق الأربع.. كما حدث بذلك رسول الله صلي الله عليه وسلم "إذا حدث كذب.. وإذا وعد أخلف.. وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر".. وكل الرذائل بنات الكذب.. فخائن الأمانة كذاب.. ومخلف الوعد كذاب والغادر في العهد كذاب.. والفاجر في الخصومة كذاب.. وانت لا تستطيع أن تأمن الكذاب.. ولا يصلح صديقا.. ولا يصلح عدوا وخصما.. لأن الصداقة من الصدق والكذاب لا يصلح صديقا أبداً.. وهو ليس خصما شريفا بل هو خصم سافل وفاجر.. والفاجر "يجيب الآخر".. ولأنه غير شريف فإنه يستخدم ضدك أسلحة قذرة محرمة دوليا ودينيا وأخلاقيا.. والكذب هو الذي أخرج أبانا آدم من الجنة.. لأن من أقوي صفات الشيطان انه كذاب.. وآدم صدق الكذابة فخرج من الجنة.
ونحن نخرج كل لحظة وحتي يوم القيامة من الجنة تلو الجنة لأننا نصدق الكذابين.. ولأن الكذابين هم الذين يقودون ما نسميه الرأي العام وهم ربابنة كل السفن العربية في كل مجال.
ونحن لا "يعيش لنا قانون ولا خطة ولا قرار ولا شعار" لأن أصحاب القرار والحل والعقد في أمتنا كذابون.. ولأن الجماهير العربية أدمنت قول الكذب وتصديق الكذابين.. ولأن "الكذاب نساي" فهو يسن القانون ويصدر القرار ويطلق الشعار وينساها جميعاً.. فالكذاب غير معني بالتنفيذ وغير مهتم بالفعل لكنه مهتم فقط بالقول والنصوص والشعارات.. والدعاية.. تماماً مثل المرشحين في الانتخابات حيث ينجح الأكذب والأكثر غشاً وخداعاً.. والمشهد العربي كله لا يفرز إلا الكذابين.. فالناخب كذاب والمرشح كذاب.. والكاتب كاذب والقارئ كاذب.. وأصحاب الأقلام كذابون وصناع الأفلام كذابون.
ولأننا كذابون تحولنا جميعاً إلي شهود زور.. فالمؤيد شاهد زور والمعارض شاهد زور والذي يغني للوطن شاهد زور.. وكل المجرمين في أمتنا يحصلون علي البراءة لأن شهادة الزور تحولت إلي وظيفة بأجر.. والكذابون عندنا نوعان.. نوع يشهد الزور في أي قضية سياسية أو رياضية أو قانونية أو اقتصادية أو إعلامية ونوع آخر "يشيل القضية كلها" نيابة عن المجرم الذي يدفع له أجرة "الشيالة".
والكذابون ألحن من الصادقين أي أنهم أكثر بلاغة وتلك هي الطامة الكبري.. لأن الأرض العربية صالحة لزراعة الكذب ولأن الأذن العربية واللسان والقلم العربي والعقل العربي.. كل ذلك أدمن الكذب.. والناس يصدقون المجرم الكذاب ولا يصدقون البرئ الصادق لأن المجرم الكذاب أكثر براعة في اصطناع الأدلة.. بينما الصادق لا يجد أي دليل علي براءته.
* * * *
ونحن أمة برعت في كارثة اصطناع الأدلة.. لذلك نصدق الأوراق المزورة ولا نصدق الحقائق التي لا أوراق لها.. لذلك نحن أمة ورق.. وكل إنجازاتنا وحروبنا وسلامنا وقممنا واجتماعاتنا وسياساتنا واقتصادنا وإعلامنا وقوانيننا وبرلماناتنا ورق "وبق".. ولذلك أيضاً أصبح همنا كله "تظبيط" الورق.. وفي كل مؤسسة عربية جيش جرار مهمته "تظبيط" الورق.. وهذا الجيش هو الأهم في كل مؤسسة وهو الذي يتقاضي أعلي الرواتب.. لأن مهمته أن يجعل "الحرامية" يسرقون براحتهم ودون أن يزعجهم أحد.. فالورق تمام التمام.. وكل المجرمين في هذه الأمة ليسوا معنيين بإثبات براءتهم.. ولا يشعرون بالانزعاج والرعب وتري الواحد منهم يقول: "ماحدش ماسك علي حاجة.. أنا ورقي كله مظبوط".. هو لا يقول انه بريء ولكنه يفخر بأنه لا يوجد دليل واحد ضده.
ولأن الأمة العربية برعت في الكذب واصطناع الأدلة "وتظبيط الورق" أصبحنا نعرف الجريمة الكاملة في كل مجال.. أصبحنا نري جرائم بلا مجرمين.. وقتلي بلا قتلة وسرقات بلا لصوص ووصلنا إلي ما هو أسوأ وهو الشعار الذي نتبناه جميعاً: "اللي يبلغ عن جريمة يلبسها".. وفعلاً هذا حق.. فلم يعد بالإمكان ضبط المجرمين الحقيقيين ومن يبلغ عن الجريمة يفاجأ بأنه "لبسها".. لذلك نمشي جميعا "جنب الحيطة" حتي لا نفاجأ بأننا أصبحنا مجرمين ولصوصاً ومختلسين ومغتصبين في عصر اصطناع الأدلة.. "وتظبيط الورق".. فالرجل قد يختلف مع ساقطة علي الأجرة فتبلغ عن أنه اغتصبها ويفاجأ بأنه فقد رقبته مقابل خمسة جنيهات زيادة رفض دفعها.. "هو يستاهل الدبح" طبعاً لكنني أسوق إليكم ياأصدقائي السيد نوار ومحمد عاطف ومحمد محمد علي جنيدي دليلاً علي أن أيا منا لم يعد في مأمن.. وان أيا منا لم يعد بعيداً عن السجن أو حبل المشنقة وان البراءة والنجومية والذيوع في أمتي للكذابين وجيش "تظبيط الورق".. وعتاة المجرمين الذين يجيدون اصطناع الأدلة.. والقانون في أمتي ينحاز للورق لا للحق.. لذلك ينحاز للكذابين ولا ينحاز للصادقين ويقولون إن القاضي "له الورق اللي قدامه".. فهو لا يرفع عينيه عن الورق.. والجريمة عنده "شوية ورق".. والشيكات في أمتي مضروبة.. والكمبيالات وإيصالات الأمانة تحت الإكراه.. والتوقيعات علي الورق مزورة.. ومحاضر الاجتماعات مفبركة.. ويقولون إن الأرقام لا تكذب وهو قول حق يراد به باطل.. فالأرقام مثل الحروف تماماً لا تكذب ولا يمكن وصفها بأنها تصدق أو تكذب لكننا نكذب بالأرقام كما نكذب بالحروف والذي يوصف بالكذب هو الإنسان وليس الأرقام أو الحروف.. وجملة الأرقام لا تكذب.. جملة كاذبة.. وفذلكة فارغة "طب ما هو طبعاً الأرقام والحروف لا تكذب.. لكن البشر يكذبون بالرقم والحرف".
* * * *
"لأ .. بلاش كده .." هل يظن مسلم أن القرآن يكذب والعياذ بالله؟ هل يظن مسيحي أن الإنجيل يكذب والعياذ بالله؟.. بالتأكيد القرآن لا يكذب والإنجيل لا يكذب لكن ألوف بل ملايين المسلمين والمسيحيين يكذبون بالقرآن والإنجيل.. ألم يتحدث القرآن الكريم عن الذين كذبوا علي الله.. هؤلاء الذين تري وجوههم يوم القيامة مسودة؟ فالكاذب فاجر ولا يتورع عن أن يلوي عنق آيات كتاب الله من أجل منافعه ومصالحه وأكل عيشه.. لا يتورع عن الإدعاء بأنه يدافع عن دين الله وهو يشعل الفتنة الطائفية التي يأكل منها لقمة عيش أمريكية وإسرائيلية.. وهذا الفاجر الذي ابتليت الأمة بملايين من أمثاله يقودون سفنها ورأيها العام لا حدود لفجوره حتي انه يوظف كتاب الله سواء القرآن أو الإنجيل أو التوراة لحسابه ولمنفعته وهواه.. وهذا الفاجر الذي تجرأ علي ربط كتاب الله بحاجات بطنه وفرجه وراح يشتري بآيات الله ثمناً قليلاً.. من البديهي أن يكذب بالأرقام.. كما يكذب بالحروف.. لذلك ياأصدقائي "مابقلناش أكل عيش" في زمن الكذبة الذين احتلوا القرية وجعلوا أعزة أهلها أذلة.. نعم.. لقد أصبحنا أذلة في زمن اصطناع الأدلة!!
نظرة
كثيراً ما جاء في حكايات العرب ان الوالي أو الأمير عفا عن مجرم عتيد في الإجرام لمجرد أن المجرم "استظرف واستخف دمه".. وأظن ان هذا يحدث إلي الآن إذ يمكنك أن تنجو من العقاب وانت جان ومذنب لمجرد انك عملت "أراجوز" وبلياتشو لأي كبير ذي موقع.. وقالوا إن رجلاً كان قواداً يجمع في بيته بين الرجال والنساء بأجر فشكاه الناس إلي الأمير فنفاه إلي مكان بعيد في ضواحي البلد.. وبني في الضواحي البعيدة منزلاً ثم نزل المدينة التي نفي منها وقابل زبائنه وسألهم: ما يمنعكم مني؟ فقالوا: وكيف نصل إليك؟ قال: يوصلكم إلي حمار تستأجرونه بدرهمين.. ففعلوا وكثر ترددهم عليه راكبين الحمير المستأجرة.. فضج الناس بالشكوي مرة أخري وقالوا للأمير: ان هذا السفيه القواد أفسد علينا الحياة.. فدعاه الأمير وقال له: يا عدو الله.. ألم أطردك من المدينة؟ فلم عدت إلي البغاء؟.. قال: إنهم يكذبون ياأمير.. لأنهم يكرهونني ويحسدونني.. فقالوا: نجمع الحمير التي اعتادت الذهاب بالناس إلي منزله ونسوقها إلي هناك فإذا عرفت الطريق إلي المنزل فقد صدقنا.. قال الأمير: هو ذاك.. وجمعوا الحمير فاهتدت إلي منزله فأمر به الأمير ليجلد.. فلما رأي السياط بكي.. فقال له الأمير ما يبكيك ياعدو الله؟ قال: ليس من خوف الجلد أبكي.. ولكن أخشي أن يقول الزنادقة وأهل الباطل: إن المسلمين يجيزون شهادة الحمير فضحك الأمير وعفا عنه "ياعيني"!!!
قراءة أخري في وفاة عبد الناصر
بقلم عبده مباشر
بعد مرور أكثر من39 عاما علي اغتيال الرئيس عبد الناصر بالسم, قرر الأستاذ هيكل إزاحة الستار عن الأسرار المرتبطة بخطة الاغتيال يوم9 ديسمبر الماضي.
وليس هناك من يستطيع فهم أسباب الصمت طوال هذه الفترة, ولا أسباب الكشف عن هذه الأسرار الآن. المهم أن الرئيس المصري الأسبق سقط صريعا بالسم مثله في ذلك مثل نائبه الأول المشير عبدالحكيم عامر. وإذا كان معروفا من الذي أمر باغتيال عامر, فإن ما قاله هيكل يشير إلي أمريكا وإسرائيل, ولنبدأ مع هيكل من البداية التي اختارها, واختار أن يعلنها من قناة الجزيرة.
يقول الرجل, إن المخابرات المصرية نجحت عام1969 في زرع ميكروفونات في مقر السفير الأمريكي في القاهرة بعد إذن شخصي من رئيس الجمهورية. وقد أطلق علي العملية الدكتور عصفور, وهكذا تمكنت المخابرات من التنصت علي ما يدور من حوار ومناقشات, وخلال حوار بين السفير الأمريكي في القاهرة ومسئول المخابرات المركزية بالعاصمة المصرية والقائم بالأعمال الأمريكي في إسرائيل دار حول عبدالناصر والصراع العربي الإسرائيلي, اتفق المتحاورون أن عبدالناصر هو العقبة الرئيسية علي طريق بناء علاقات طبيعية بين المصريين والإسرائيليين. وكانت الخلاصة ضرورة العمل علي تصفية عبدالناصر وإزاحته عن الطريق بأي شكل ولم يستبعدوا استخدام السم أو إصابته بالمرض.
ولأهمية وخطورة هذا الحوار, توجه أمين هويدي رئيس المخابرات بشريط التسجيل إلي عبدالناصر لكي يسمعه بنفسه. واستمع الرئيس بأذنيه ـ كما يقول هيكل ـ ويكتب بخط يده ما يسمع ـ وفي النهاية أشر بكلمتي مهم وعاجل.
واختارت جريدة الدستور عندما نشرت ما قاله هيكل يوم19 ديسمبر الماضي عنوانا لا يخلو من دلالات نصه قنابل هيكل: عبد الناصر قرأ بنفسه خطة اغتياله بالسم قبل تنفيذها بعشرة أشهر. ولم يكن منطقيا أن يقتل رئيس مصر بالسم دون أن يكتشف الأطباء الذين تحلقوا حول الجثمان بعد موته مباشرة حقيقة ما جري. والذين عاصروا وشهدوا هذا الحدث الجلل تابعوا ما قاله معظم الأطباء من ضرورة تشريح الجثمان قبل أن يوقعوا علي شهادة الوفاة, وما ذلك إلا لأنهم لاحظوا ما يدل علي اغتياله بالسم وقد رفضت الأسرة الاستجابة لهذا الاقتراح رفضا مطلقا. لذا أرجأ معظم الأطباء التوقيع علي شهادة الوفاة. ولأن موعد الجنازة قد تحدد, وكانت القاهرة علي موعد لاستقبال عدد كبير من الرؤساء وكبار المسئولين من مختلف دول العالم, فقد خشي كبار المسئولين المصريين من انفجار فضيحة إذا ما استمر الأطباء علي موقفهم, لذات تمت ممارسة ضغوط هائلة عليهم لتوقيع الشهادة,وفعلا وقعوها, ولكن بدأت الأقوال المختلطة بالشائعات تتردد.
وقد كتبت أنا وغيري طوال السنوات الماضية عن موت عبدالناصر مسموما, إلا أن الجوقة التي تضم بقايا الناصريين وأهل اليسار ومن تبقي من رجال البلاط من الأتباع والخدم والحشم, هاجموا بغلظة كل من حاول حماية التاريخ والحقيقة.
واعتقد أنهم هم ومن أصدروا كتبا تحكي واقعا تخيلوه ودافعوا عن قضية خاسرة يعيشون تحت وطأة انكشاف ما تمسكوا به من أكاذيب. وإذا كان الأستاذ هيكل قد أزاح الستار عن هذا السر وبهذه الصورة, فإنه بالقطع لم يكتب للتسلية أو لمجرد ذكر حقيقة تاريخية, بل لأنه يسعي لتحقيق أهداف يعمل من أجلها, وإذا كانت رسالة الكاتب واضحة ومفهومة بالنسبة له, إلا أن الأمر بالنسبة للقراء سيختلف باختلاف مواقفهم, ويمكن الإشارة إلي بعض من صور الفهم كالتالي:
ـ إن القول بأن عبد الناصر هو العقبة أمام إقامة علاقات بين المصريين والإسرائيليين وبالتالي فلابد من إزاحته, يعني بمفهوم المخالفة أن إزاحته ستمهد الطريق لوصول رئيس يفتح الأبواب أمام إقامة هذه العلاقات, وإذا مضينا علي هذا الطريق فإنه يحمل اتهامات ضمنية للرئيس السادات.
فالأمريكيون والإسرائيليون قد عملوا لقتل عبد الناصر بالسم ليفتحوا الباب أمام صعود نائبه أنور السادات إلي قمة السلطة. ولكن هنا علينا أن نتذكر جميعا أن هيكل قد لعب دورا مؤثرا عقب وفاة عبد الناصر لصعود السادات بطرحه للتمسك بالشرعية والمناورة باسم زكريا محيي الدين, وقد وافق أهل القمة علي اعتلاء السادات لمقعد الرئيس باعتباره نائب رئيس الجمهورية علي أمل التخلص منه فيما بعد. ومرة أخري يقف الاستاذ هيكل في معسكر السادات عندما دبرت مراكز القوي للتخلص منه في مايو1971.
أي أن هيكل ساند السادات بقوة مرتين, فإذا كانت هناك مؤامرة أمريكية إسرائيلية وراء اغتيال عبد الناصر وتسلم السادات لمسئولياته فإن السؤال, وماهو موقع هيكل من كل ذلك؟ ومن المعروف أن الاستاذ هيكل منذ إبعاده عن الأهرام في فبراير1974 وهو يناصب السادات ونظامه العداء. وقد يكون الكشف عن أسرار اغتيال عبد الناصر جزءا من الحملة ضد الرئيس السادات.
ـ وسيتساءل عدد من القراء, ولماذا تسعي الولايات المتحدة إلي اغتيال عبد الناصر خلال هذه الفترة التي بدأ يدير ظهره فيها للاتحاد السوفيتي ويتجه إلي الجانب الأمريكي؟ فقد أعلن عبد الناصر عن قبول مبادرة روجرز وزير الخارجية الأمريكي, لوقف إطلاق النار, أي إنهاء معارك الاستنزاف اعتبارا من يوم8 أغسطس عام.1970 وخلال هذه الفترة بدأ يبني جسورا جديدة من التعاون مع عبد اللطيف البغدادي أحد أنظف المجموعة اليوليوية وأكفأها, وكان من المخطط تعيينه رئيسا للوزراء, وقد طلب الرئيس عبد الناصر من الأستاذ هيكل إحاطة البغدادي علما بحقائق الأوضاع تمهيدا لتسلمه لمسئولياته الجديدة.
هذا التوجه نحو أمريكا, وبدء مشوار من الغزل معها لا يتفق مع مخطط الاغتيال الأمريكي ـ الإسرائيلي واتساقا مع هذا التوجه نحو الولايات المتحدة بعد تصاعد الخلاف مع السوفييت بصورة أزعجت الرئيس عبد الناصر, كانت هناك قوي داخلية في يدها مفاتيح السلطة وتخشي علي نفوذها وامتيازاتها ولأنها مرتبطة بالاتحاد السوفيتي ارتباطا وثيقا, فانها وبمنطق الدفاع عن المصلحة أي المصالح الشخصية والسياسية المتمثلة في استمرار ارتباط مصر بالاتحاد السوفيتي وتوثيق هذا الارتباط باستمرار. وهذا يعني إزاحة الرئيس عبد الناصر قبل أن يستكمل بناء الجسور مع الولايات المتحدة ونفي أو تحجيم العلاقات مع السوفيت وما يتطلبه ذلك من إبعاد أفراد المجموعة السوفيتية, والاعتماد علي قيادات بديلة علي رأسها البغدادي بدلا منها. ووفقا لهذا المنطق, فان اصابع الاتهام يجب أن تتجه إلي أفراد من هذه المجموعة.
ـ وهناك من القراء, من سيتساءل, ولماذا تفكر إسرائيل أساسا في التخلص من عبدالناصر, وهو الرئيس الذي حققت طوال فترة حكمه أهم طموحاتها بل وأعظم أحلامها. فقد كانت في يوليو1952, مجرد دولة تخشي علي وجودها من قوة مصر والعالم العربي, وبعد انتصارها في معركة عام1956 تمكنت من حماية هذا الوجود, أما بعد انتصارها في يونيو1967 فقد تحولت إلي امبراطورية.
وهذان الانتصاران تحققا بفضل أخطاء الرئيس عبد الناصر الفادحة والتي تتعارض مع أبسط القواعد العسكرية, وهناك في الأفق دائما علامات استفهام حول علاقة عبد الناصر بقيادات يهودية وإسرائيلية خاصة منذ معركة1948, هذه العلاقات تحدث عنها عدد كبير من أعضاء المجموعة اليوليوية, آخرهم اللواء جمال حماد في حواره المنشور بجريدة الأهرام يوم11 ديسمبر2009 وهذه الحقيقة التي سعي كثيرون لطمسها, ربما تكون مفتاحا لفهم كثير مما جري في مصر والمنطقة.
انتبهوا
بقلم سليمان جودة من المصري اليوم
هل لابد أن تتحرك إسرائيل أولاً، لكى نتحرك وراءها فى اتجاهات كثيرة، يجب أن نسبق فيها، وأن نسارع إليها، وألا ننتظر؟!
لقد فهمتُ من دبلوماسى عربى كبير فى بكين، أن تل أبيب تراهن، منذ الآن، على الصين فى المستقبل، وتتحرك هناك على هذا الأساس بوعى كامل، وهى لا تمارس ذلك بالكلام، وإنما تمارسه بالفعل، بدليل أن صادراتها إلى بكين مليار و٧٠٠ مليون دولار سنوياً، وهو رقم مرشح لأن يتضاعف فى الأمد المنظور، فى مقابل ٤٠٠ مليون دولار فقط لنا!!
ولم تصل صادراتهم إلى هذا المستوى، عشوائياً، ولكن الدبلوماسى إياه، روى لى، أن سفير إسرائيل فى الصين همس إليه فى إحدى الجلسات بأن إسرائيل تدرك أن الصين، قوة عالمية، قادمة بسرعة، وأن الولايات المتحدة، فى المقابل، قوة منحسرة، وغاربة، وراحلة، مهما طال الأمد عليها، وأن تل أبيب، بالتالى، تتصرف على أساس هذا الإدراك وحده، لا لشىء، إلا لأنه يحقق مصلحتها، وتدخل مع الصين فى تعاون مكثف، خصوصاً فى مجالات التكنولوجيا والزراعة والسلاح!
وحين سمعتُ هذه الأفكار من الدبلوماسى العربى، تذكرتُ على الفور أن التحرك المصرى فى دول حوض النيل التسع، حالياً، قد جاء بعد أن أصبح التحرك الإسرائيلى فى الدول نفسها على المكشوف!
صحيح أن رئيس وزرائنا قد عاد مؤخراً من زيارة مهمة إلى إثيوبيا، وصحيح أن وزراء فى حكومته، كانوا قد سبقوه إلى دول أخرى فى الحوض، وصحيح أن زيارات أخرى فى الطريق، ولكن يجب ألا ننسى أن وزير خارجية إسرائيل، كان قد سبق إلى دول الحوض نفسها، ومعه عدد من الخبراء ورجال الأعمال، ويجب ألا ننسى أبداً، أن رئيس وزراء إسرائيل كان على وشك القيام بزيارة إلى ألمانيا، قبل شهر تقريباً، على رأس عدد من أعضاء حكومته، للقاء مع المستشارة أنجيلا ميركل، وأعضاء حكومتها، وهو لقاء قيل عنه وقتها، إنه يظل الأغرب من نوعه، منذ الحرب العالمية الثانية!
فلم يحدث من قبل أن ذهب رئيس وزراء لإسرائيل إلى ألمانيا، مع هذا العدد الكبير من أعضاء الحكومة، منذ عام ١٩٤٥، أما الأغرب من ذلك كله، فهو أن اجتماع الطرفين كان سيبحث فى تعاون مشترك لهما فى إثيوبيا!.. وحين أقعدت نوبة أنفلونزا مفاجئة رئيس الوزراء الإسرائيلى، عن إتمام الزيارة، فى موعدها الأول، قبل شهر من الآن، فإنه ما كاد يتعافى مما أصابه، حتى كان أول شىء على أجندته، هو الذهاب إلى برلين، وإتمام الزيارة، كما كان مخططاً لها بالضبط!
شىء من هذا يحدث الآن، فى علاقاتهم مع الصين، على مهل، وفى الخفاء، ودون ضوضاء إعلامية، ولا يذهب عربى إلى الصين هذه الأيام، إلا ويكون التحرك الإسرائيلى، ثم التعاون معها، لافتاً لنظره بقوة، ليجد نفسه متسائلاً بطبيعة الحال عن حجم التواجد المصرى، على وجه الخصوص، ثم التواجد العربى إجمالاً؟!
الوقت قد يكون تأخر بعض الشىء بالنسبة لنا، ولكنه لايزال معنا، بشرط أن نبدأ غداً، وليس بعد غد، وأن نكون موجودين هناك، ليس لأن إسرائيل موجودة، وإنما لأننا يجب أن نكون موجودين، ولأن التقصير فى تواجد من هذا النوع، إجرام فى حق بلدنا، بصرف النظر تماماً عن الذين سبقوا، والذين تلكأوا، فالصينيون يتطلعون إلى كل وفد مصرى ذاهب إليهم، ولسان حالهم يقول: مصر أكبر بكثير جداً، من مجرد ٤٠٠ مليون دولار!
نقاش حول اليمن بقلم : عبد الرحمن الراشد- الشرق الأوسط
كتبت في الأسبوع الماضي مقالا بعنوان: «تاجر السلاح اليمني»، واستمتعت أكثر عندما قرأت الردود عليه، أحدها ربط بين عنواني ومسرحية تاجر البندقية، الحقيقة لا يوجد رابط بين المرابي تاجر البندقية وتاجر السلاح اليمني، سوى أن الاثنين يتاجران بلحوم الناس.
تاجر السلاح اليمني مجرد خيط يرشدنا إلى فهم تضاريس اليمن السياسية. وتعليقا على أهمية سوق السلاح في اليمن، نورنا الأخ عبد الرحمن المرعشلي بمعلومة جديدة، يقول: «هل تعلم أنهم في اليمن يبيعونك (رشاش عوزي) لو أردت، وبالنسخة الإسرائيلية؟ وهناك (رشاش عوزي) إيراني أيضا، ويتسلح به حرس الرئاسة الإيراني. والفارق بين السلاحين طريقة التصنيع، فاليهود في كل صبّة يضيفون كربونا لتبريده وعزل الحرارة، النتيجة أنك تستخدم 10 أمشاط وتبقى البطانة باردة، أما الإيراني فسريع التسخين، ولكنه جيد بشكل عام».. لا أستطيع أن أجادله، لأن ثقافتي العسكرية محدودة، لكنني أعرف أن اليمن سوق سلاح سوداء كبيرة يهرب منها إلى السعودية، وتمول حروب الصومال وغيرها.
أما علي الحميضي فقد تجاوزني، حيث يجزم بأن الحكومة هي وراء اللعبة الحوثية، وتفعل ذلك منذ ثلاثين عاما، يقول: «من تتبع تطور المشكلة الحوثية منذ بدايتها قبل أكثر من خمس سنوات وحتى اليوم، تتبين لمن كان محايدا هذه الحقيقة بوضوح تام. ومع الأخذ في الاعتبار الفارق الكبير من النواحي الجغرافية والطبوغرافية والجيو - سياسية وحتى الاجتماعية والثقافية بين الظروف المحيطة بالمشكلة الحوثية من ناحية، وانتفاضة الجنوب من ناحية أخرى، إلا أن تعامل الحكومة اليمنية مع المشكلتين يختلف اختلافا كبيرا، ولذلك لا داعي للحيرة، ولسان حال الممسكين بزمام الأمور في صنعاء يقول (اللي تكسب به العب به)»، أي أن الحكومة وراء اللعبة الحوثية، لكنها من جهة أخرى لا تمسك بخيوط الحركة الانفصالية اليمنية الجنوبية.
ومن قارئ تكنى بابن يحيى، علق يقول: «اليمن بلد كبير أستاذ عبد الرحمن، ولا شك أن استمرار وجود الرئيس علي صالح في الحكم كل هذه المدة كان نتيجة الحفاظ على كل هذه المتناقضات التي تحكي عنها، وأزيدك من الشعر بيتا: أبناء الشيخ الأحمر مثلا يمثلون ما تحكي عنه من التناقض، فأحدهم نائب رئيس مجلس النواب، والثاني نائب وزير الشباب، والثالث أحد ضباط الحرس الجمهوري، وفي الكفة الأخرى حميد الأحمر يقود المعارضة. إنها المصالح يا عزيزي، وعليكم قبول اليمن بخيره وشره، فليس لكم حيلة في التخلي عنه، وهنا ينطبق ما ورد في الأثر: (يؤجر المؤمن رغم أنفه)».ولا أستطيع أن أنهي الحديث دون أن أعلق على تعليق عبد الله اليافعي، الذي يقول: «لا أعتقد أن هناك عربيا سيذهب في حب اليمن إلى أبعد ما ذهب إليه الجنوبيون، الذين من حبهم لليمن صهروا أنفسهم فيه، وقدموا ثلاثة أرباع مساحة اليمن الحالية، ونحو 80 في المائة من الثروات النفطية، كل ذلك ليصبحوا أقلية مهمشة بين عشرين مليونا أو يزيدون».
أنا، مثل معظم الكتاب، نتحاشى الخوض في القضايا الانفصالية، والحراك الجنوبي انفصالي البرنامج. كلنا نخاف من تبعات تفكيك الدول مهما وقعت فيها من أخطاء ومظالم، فالأمل والحل في إصلاح القيادة، لا في تفكيك البلاد. ولا بد أن أذكّر بأن الجنوبيين هم من طلب الوحدة مع الشمال. وسبق أن كتبت متحسرا على أن تعامل القيادة اليمنية مع الجنوب، الذي كان دولة وتوحدت معها، يعبر عن جهل وسوء إدارة فاضحين.
القيادة فشلت في دمج الجنوب والاستفادة منه، الذي يؤهل البلاد لاستثمارات أضخم، واستقرار أكبر. وبالجنوب، اليمن قادر على أن يكون دولة أكبر في المنطقة، وذات وزن سياسي واقتصادي أعظم. بكل أسف، القيادة اليمنية انشغلت بلعبة التوازنات الصغيرة، ووضعت عينها فقط على الكعكة الصغيرة في الخلافات الشمالية. ورغم هذا الأخطاء ما زلت أعتقد أن دعاة الانفصال يقودون الجنوب، لا اليمن فقط، إلى الكارثة.
عودة الى مقالات
|