|
مضـي قرن كامـل علي اغتيـال بطرس غالي, ظاهرة خطيرة! التنمية المهنية للمعلمين.. رؤية تربوية إعداد عبد العزيز محمود
لتكن مقالات اليوم عن ملف التعليم .ولم لا ؟ وللتعليم أهمية كبيرة في حياة الأمم فبه تنهض وتتقدم على غيرها ، ولقد وصى به الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم وكان من أولى التكليفات..ففي الأهرام يكتب لبيب السباعي كما عودنا في باب التعليم عن ظاهرة خطيرة .. إننا أمام ظاهرة خطيرة لأن إعادة قراءة الرسالة قراءة منظومية تحليلية فاحصة يتضح لنا مدي الانهيار الذي أصاب منظومة التعليم والتعلم في بعض مدارسنا.....وفي نفس الباب نتعرف على رأي أخر تحت عنوان جودة التعليم.. خطوة علي طريق الإصلاح.. ويقول الدكتور مجدي قاسم رئيس الهيئة القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد إن المرحلة الأولي من المشروع تهدف إلي الترويج لفكرته وأنشطته بين العلماء المصريين في الخارج وتحفيز العدد الأكبر منهم للمشاركة الإيجابية في جهود تطوير منظومة التعليم والبحث في مصر.....وفي الجمهورية يكتب محمد رجب فضل الله تحت عنوان -التنمية المهنية للمعلمين.. رؤية تربوية.. إذا كان إعداد المعلم قبل الخدمة يلقي اهتمام الأنظمة التعليمية عالميا وعربيا باعتبار المعلم محور عملياتها. وأساس نجاحها في القيام بمهامها في تربية الناشئة وإعدادهم للحياة المستقبلية. فان تدريب هؤلاء المعلمين أثناء الخدمة. واستمرارية هذا التدريب وتكامل استراتيجياته مع استراتيجيات الإعداد قبل الخدمة أمر لا غني عنه......وبعيدا عن التعليم يكتب عدنان بو مطيع في المصريون عن سكوت العرب على اقتحام إسرائيل للمسجد الأقصى .. الجريمة تمت باقتحام الجنود الصهاينة لباحة المسجد مصحوبين بميليشيات المستوطنين المتعصبين، والدخول إلى فنائه أمام كاميرات التلفزة إمعاناً في تحدي الشعور العربي والإسلامي ( إن كان هنالك شعوراً). ولم يتصد للعدوان سوى المصلين من كبار السن. حيث يمنع اليهود من هم أقل من أربعين عاماً من الدخول للمسجد. ولم يأبه لهذا الحال ولا حكومة عربية أو مسؤول كبير أو حتى موظف في وزارة خارجية عربية أو إسلامية. وجرح أكثر من أربعين فلسطينياً كانوا يدافعون عن حرمة الأقصى بأياديهم العارية وكراسي خشبية والحجارة....وفي الأهرام يكتب مصطفي الفقى عن قراءة في تاريخ بطرس غالي الأب بعد مرور قرن كامل على اغتياله ..وإلى التفاصيل
ظاهرة خطيرة!
بقلم لبيب السباعي
يبدو أن سب الدين ـ والعياذ بالله ـ لم يكن مقصورا علي الوزراء ونواب البرلمان بل سبقهم المدرسون في المدارس, ففي رسالة التلميذ الذي لا يكذب التي نشرها الكاتب الكبير الأستاذ عزت السعدني في الأهرام اتهامات للمدرسين بهذه الجريمة
وهي الرسالة التي يحللها الدكتور فاروق فهمي أستاذ متفرغ بكلية العلوم ومدير مركز تطوير تدريس العلوم( سابقا) جامعة عين شمس, حيث يقول إننا أمام ظاهرة خطيرة لأن إعادة قراءة الرسالة قراءة منظومية تحليلية فاحصة يتضح لنا مدي الانهيار الذي أصاب منظومة التعليم والتعلم في بعض مدارسنا, وقد أسفرت هذه القراءة عن التشخيص الآتي:
أولا من حيث الشكل فإن كتابة طفل العاشرة من العمر رسالة موجهة للصحافة هو بمثابة تعبير عن يأس كامل من الشكوي للسادة المسئولين عن إدارة الجودة في هذه المدرسة والإدارة التعليمية التابعة لها, ألا يعلم السادة المسؤلون عن الجودة أن أولي متطلباتها أرضاء العميل وهو التلميذ الذي وصل الي مرحلة الكراهية والقرف من المدرسة.
أي جودة تلك وأي تعليم هذا الذي أوصل تلاميذنا الصغار الي مرحلة القرف من المدارس والهروب منها الي أوكار الدروس الخصوصية التي أفسدت منظومة التعليم والتعلم, كما أن الرسالة كتبها تلميذ في الصف السادس الابتدائي أي في نهاية المرحلة الابتدائية, ومع ذلك جاءت مليئة بالأخطاء مما يعكس تدهورا خطيرا في تعليم اللغة العربية في بعض مدارسنا في ظل مراكز التطوير التكنولوجي والمناهج والتقويم التربوي ونظم الجودة والتأهيل للاعتماد.
وثانيا من حيث مضمون الرسالة فإن المعلم الذي من المفترض أن يكون رسولا للعلم عف اللسان وقيمة تربوية عالية يشتم التلاميذ بالأب والأم, وفوق ذلك يسب الدين.
ويتساءل الدكتور فاروق فهمي في تحليله: أي معلم ذلك وأي تربية تكون وأي مدرسة تلك في ظل ما يحدث خلف أسوارها؟ إن الذي يحدث فيما لوصح لأوقع هؤلاء المعلمين تحت طائلة القانون. فالمدرسة مؤسسة تربوية قبل ان تكون مؤسسة تعليمية, ووظيفة المعلم فيها مرب قبل أن يكون معلما. ماذا ننتظر من هؤلاء التلاميذ خارج أسوار المدرسة؟ قطعا سوف يكررون ما سمعوه وتعلموه من معلميهم علي أسماعنا, وهكذا يشيع سب الدين والعياذ بالله خارج أسوار المدرسة وسب الأم والأب بسبب وبدون سبب.ومن منا يقدر علي محاسبة هؤلاء الأطفال علي ما تعلموه في مدارسهم؟.
وعندما نعرض الرسالة لأن المدرسين يلعبون الكرة أثناء الحصة فإن ذلك يعني أن المدرسة تحولت الي مدرسين يلعبون في فناء وملاعب المدرسة وتلاميذ يلهون داخل فصولها. وخطورة هذا المشهد أنه ينعكس علي التلاميذ سلبا, فالمعلم هنا يعطي تلاميذه الصغار المثل في الاستهتار والتسيب وعدم الانضباط في العمل تاركا تلاميذه لا حول لهم ولا قوة الا بالدروس الخصوصية التي يمارسها المدرسون خارج اسوار المدرسة في أوكار الدروس الخصوصية. كما أن ملاعب المدرسة المخصصة لممارسة التلاميذ لأنشطتهم استولي عليها المدرسون لممارسة أنشطتهم نيابة عن تلاميذهم أي أن المدرسة تحولت الي عزبة للمدرسين يلعبون فيها أثناء أوقات العمل الرسمية هروبا من التدريس.
وتقول رسالة التلميذ الذي لا يكذب إن المدرسين يعاملون من لا يأخذ دروسا معاملة سيئة.
وهنا نقول: كيف يمكن لمعلم أن يؤتمن علي أطفالنا وهو يعاملهم طبقا لما يدفعونه في الدروس الخصوصية من جيوب أولياء أمورهم الخاوية.
هذا السلوك المعيب يشعر التلاميذ بعدم المساواة والانتهازية والمحسوبية والقهر والعجز, لقد كنا نعطي المعلم بعض العذر قبل تطبيق الكادر الذي طبق علي معظمهم وأدي الي تحسين دخول الكثيرين منهم فكيف يمكن تفسير هذا السلوك المعيب الذي أبسط ما يوصف به الابتزاز والرشوة والمحسوبية؟.
وتصف الرسالة كل المدرسين بأنهم وحشين ويضربون التلاميذ ضرب جامد وهنا نقول إن الضرب ممنوع في المدارس بل هو أبعد الأساليب التربوية عن التعليم, فحينما نضرب تلاميذنا في المدارس نقودهم الي كراهية المناهج التي يدرسونها والمعلمين الذين يدرسونها والمدرسة التي يتم فيها هذا التعلم أي نقودهم إلي كراهية منظومة التعليم برمتها, وهنا لا يحدث تعليم أو تعلم وتنهار المنظومة التعليمية بأيدي بعض معلمينا.
ويعترف التلميذ الذي لا يكذب في رسالته بأن المدرسين يغششون التلاميذ في الامتحان قائلا: وأنا كمان بصراحة غشيت في امتحان آخر العام في كل المواد.
هذا يؤكد أن الغش الجماعي في المدارس أصبح ظاهرة نتعايش معها موسميا مع قدوم موسم الامتحانات, وهذه الظاهرة في منتهي الخطورة علي المجتمع ككل, لأن تلاميذ اليوم هم قيادات المستقبل.. فهل نتخيل ـ والعياذ بالله ـ أن نجد أجيال مصر المستقبل من الغشاشين.
كما أن قيام المدرسين بتغشيش التلاميذ فيه إهدار كبير لصورتهم كمــربين وتفقدهم الأمانة والشرف أمام أجيال بأكملها.
(ونستكمل في الأسبوع المقبل بإذن الله)
جودة التعليم.. خطوة علي طريق الإصلاح
في خطوة مهمة علي طريق إصلاح التعليم بادرت الهيئة القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد إلي تعزيز الروابط مع علماء مصر في الخارج من خلال زيارة عمل إلي كل من أمريكا وكندا
باعتبارها من مشروعات تطوير التعليم في مصر نظرا لما تتيحه من فرص لاستثمار الخبرات لدي علمائنا بالخارج والتي قد اكتسبوها من خلال عملهم في منظومات علمية وتعليمية وبحثية متطورة.
وقد حرصت الهيئة علي أن تخلق من خلال تلك المبادرة قناة اتصال دائمة بتنظيم مؤسسي يضمن استمرارية الأنشطة والمكاسب المحققة من خلال هذا المشروع.
ويقول الدكتور مجدي قاسم رئيس الهيئة القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد إن المرحلة الأولي من المشروع تهدف إلي الترويج لفكرته وأنشطته بين العلماء المصريين في الخارج وتحفيز العدد الأكبر منهم للمشاركة الإيجابية في جهود تطوير منظومة التعليم والبحث في مصر, وتعد اللقاءات التي أجرتها إدارة الهيئة مع عدد من العلماء المصريين بكل من أمريكا وكندا هي أولي جولات تلك المرحلة والتي من المخطط استكمالها في جولة ثانية تشمل غرب أمريكا والدول الأوروبية وعلي وجه الخصوص انجلترا وفرنسا, حيث تعقد سلسلة من اللقاءات مع علماء مصر في الدولتين.
ويضيف: لقد جاءت نتائج الجولة الأولي ناجحة بمختلف المقاييس بدءا من الإقبال علي الحضور ونوعية الأفكار والمناقشات التي طرحت من المشاركين وانتهاء بالنتائج والمخرجات التي أسفرت عنها ورشتا العمل. في تقرير شامل عن هذه الخطوة يطرح الدكتور مجدي قاسم مسار الزيارة وأبرز الموضوعات التي طرحت للمناقشة ورؤية علمائنا في الخارج وبعض من المقترحات التي طرحوها خلال اللقاءات ونتائج الزيارة وأهم التوصيات التي تم التوصل إليها.
هدفت الزيارة التي قام بها فريق الهيئة في الأساس إلي عقد ورشتي عمل في كل من أمريكا وكندا مع العلماء المصريين بالخارج, إلا إن الفريق الزائر قام بعدد من الأنشطة الأخري علي هامش الزيارة والتي كان قد أعد لها لاستغلال الأوقات المتوافرة لإجراء أنشطة أخري تحقق أهداف الهيئة فقام الفريق بإجراء عدد من المقابلات مع جهات لضمان جودة التعليم في البلدين هدفت إلي تفعيل الاتفاقيات السابقة أو التمهيد لعقد اتفاقيات تعاون مع جهات جديدة. وقد شملت لقاء مع مجلس اعتماد التعليم الهندسي والتكنولوجي لتفعيل اتفاق التعاون معها وزيارة للهيئة القومية لاعتماد المؤسسات المعدة للمعلمين ـ كليات التربية ـ تمهيدا لعقد اتفاق تعاون معهم, وقد جري الاتصال بعدد من الهيئات الكندية المماثلة لاستطلاع إمكانية توقيع اتفاقيات تفاهم معها.
وقال لقد سبق ورشتي العمل اللتين تم عقدهما في كل من أمريكا وكندا لقاء للفريق الزائر مع سفير مصر في كل من البلدين وتم خلالها استعراض جهود ضمان جودة التعليم في مصر وقد أبدي كل منهما كامل الاستعداد لدعم تلك الجهود وتيسير أنشطتها من خلال مواقعهم.
وحظيت كل من ورشتي العمل بإقبال علي الحضور من علمائنا في كل من الدولتين حيث تعدي مجموع عدد الحاضرين في الورشتين المائة مشارك ويعد هذا مؤشرا للنجاح في ظل تباعد المسابقات التي كان علي العلماء قطعها للوجود بمكان ورش العمل, هذا بالإضافة إلي برودة الجو الشديدة في هذا الوقت من العام فضلا عن أن ورشة العمل التي أقيمت في كندا كانت في يوم عمل وليس في عطلة نهاية الأسبوع, ويرجع النجاح في خلق الإقبال علي المشاركة لجهود الإعداد المكثقة التي سبقت الزيارة واستمرت علي مدار أكثر من شهر لتنسيق الجهود بين الهيئة والملحق الثقافي في كل من أمريكا وكندا, اللذين أسهمت علاقاتهما الطيبة مع العلماء في الخارج بشكل مؤثر في تحفيز العلماء للمشاركة.
وشارك في اللقاء في كل من أمريكا وكندا عناصر من الطلاب مما أعطي المناقشات ثراء لتعدد المنظور في وجهات النظر المطروحة وكذلك اتساع التجارب المطروحة لتشمل تجارب المشاركة الطلابية في الإدارة الجامعية.
وحضر اللقاء في كل من الدولتين مساعد السفير, كما حضر اللقاء في كندا ممثل الخارجية الكندية من إدارة التعاون الدولي, وقد أبدي حماسه وإعجابه بالجهود المصرية لتطوير التعليم. وأعرب عن استعداده للعمل علي مشاركة المتخصصين والخبراء الكنديين في اللقاءات القادمة وفي أنشطة المبادرة وإمكانية العمل علي دعم تلك الأنشطة من خلال القنوات المخصصة لذلك.
ويعد عدد الحاضرين في اللقاءين في كل من أمريكا وكندا المائة مشارك وقد كانت عينة الحضور ممثله للمستويات العلمية والقيادية المختلفة وشملت أساتذة رؤساء أقسام عمداء كليات ونواب لرؤساء الجامعات وقد حضر كذلك بعض الممثلين من القطاع الخاص والذين اظهروا رغبة صادقة في تقديم أي دعم ممكن.
كما تنوعت تخصصات العلماء الحاضرين وكان أغلبها في المجال الهندسي ولكنها شملت أيضا عددا من التخصصات الأخري مثل إدارة الأعمال, العلوم, الزراعة, الصيدلة والطب.
كان اللقاء في كل من أمريكا وكندا تفاعليا تميز برغبة صادقة من الحضارين في مساعدة النظام التعليمي في مصر علي النهوض والتقدم, وقد كان للعرض الذي افتتح به الفريق الزائر من الهيئة كلا من اللقاءين متناولا التجربة المصرية في مجال ضمان الجودة والاعتماد كبير الأثر في تجاوز حالة تدني الثقة التي شهدتها بداية اللقاءين.
وأضاف الدكتور مجدي قاسم: لقد طرح عدد من القضايا والموضوعات للمناقشة وعرض العلماء الحضور بعض الأمور التي تثير قلقهم وكذلك عدد من المقترحات ذات القيمة. ويمكن تلخيص أهم الموضوعات المطروحة في الآتي:
ـ أن الكثير من علماؤنا بالخارج لديهم رصيد من التجارب الخاصة بمحاولات سابقة للتعاون مع مؤسسات التعليم في مصر نبعت من رغبتهم في العمل لخدمة الوطن إلا أن أغلب تلك التجارب تركت انطباعا سيئا لديهم, مما كان سببا رئيسا في تدني الثقة في جهود تطوير التعليم الذي استشعرناه في بدايات اللقاءين ونجحنا بالمناقشة والدليل علي تخطيه, وتمثلت انطباعات العلماء التي استقوها من التجارب السابقة في أن هناك نوعا من التجاهل للتعامل المنظم معهم من قبل منظومة التعليم والبحث العلمي في مصر, وإن التعاملات السابقة لم تحقق النتائج المرجوة منها أو لم يقدر لنتائجها الاستمرارية نظرا لغياب التنظيم المؤسسي في تلك التعاملات, وقد اظهروا تخوفا واضحا في البداية من أن تكون المبادرة التي نحن بصددها غير قادرة بسبب ظروف تمويلية أو تنظيمية علي ضمان استمراريتها بما يتيح استثمار المكاسب التي ستتحقق منها لإحداث نقلة نوعية في منظومة التعليم والبحث العلمي في مصر. وبعد مناقشات أطمأن الحضور إلي أن الهيئة لديها من الدعم السياسي من قيادات الدولة ومن السياسات الداخلية والتخطيط والقدرة المؤسسية ما يتيح لها ضمان استمرارية جهود التطوير والبناء عليها.
ـ طرح الحاضرون قضية بالغة الأهمية تتمثل في محاولات حثيثة لعدد من الدول العربية في استقطاب العقول المصرية بالخارج تتنوع العروض بين عروض بعقود طويلة الأجل وأخري في صورة مهمات علمية واستشارات قصيرة الأجل وكلها مصحوبة بعوامل جذب شديدة كان أبرزها مؤخرا تجربة قطرية مماثلة للمبادرة المصرية هدفت لاستقطاب العلماء المصريين بالخارج تتضمن إغرائهم بمبالغ طائلة, ولذا فإنه يتعين علينا التنبه إلي الأنشطة التنافسية في الدول المحيطة والتي لديها استراتيجيات تهدف إلي الريادة الإقليمية في التعليم تلك الريادة التي كانت مصرية علي مر العصور وعلينا أن نحافظ عليها وتعد فرصنا التنافسية في الاستفادة من العقول المصرية بالخارج أقوي من المحاولات التي أشرنا إليها برغم عوامل الجذب التي تدعمها نظرا لأن علماءنا بالخارج تغلب عليهم مشاعر الانتماء لمصر ولديهم رغبة صادقة في المساهمة في تطوير التعليم والبحث العلمي ردا لجميل الوطن ودون مقابل.
ـ تناول اللقاء استعراض خبرات الحاضرين في مجال ضمان جودة التعليم حيث اتضح أن الكثير من العلماء المصريين بالخارج شاركوا ويشاركون في أعمال مراجعة واعتماد لمؤسسات وبرامج تعليمية بأمريكا وكندا, وإن بعض الجهات التي يسهم العلماء في أنشطتها هي جهات لدي الهيئة اتفاقيات تعاون معها.
ـ تم طرح موضوع مشاركة الطلاب في الإدارة الجامعية كمقترح لشراكة الطلاب في عمليات اتخاذ القرار وهو ما يتماشي مع معايير الجودة العالمية والتي تبنتها عملية بولونيا حيث وضعت للمشاركة الطلابية خمس مستويات يعد عملية التمثيل الطلابي في مجالس اتخاذ القرار إحداها. وقد تم طرح هذا الموضوع من خلال استعراض التجربة الرائدة للطلاب بكندا, حيث يشترك ممثل لهم بإدارة الجامعة مما له كثير من الأثر في نقل خبرات إدارة الجامعات للطلاب المشاركين.
ـ تمت مناقشة أنشطة المبادرة المطروحة والتي تهدف إلي الارتقاء بمنظومة التعليم المصري وتطويرها من خلال الاستفادة من الخبرات المتراكمة للعلماء في تقديم التدريب ونشر الممارسات التطبيقية الجيدة لديهم وكذلك العمل علي الوصول بالهيئة القومية لضمان الجودة والاعتماد إلي العالمية من خلال اكتساب ثقة المجتمع الدولي في موضوعية معاييرها وشفافية عملياتها واتخاذ قراراتها علي أن يتحقق ذلك من خلال تدويل فرق المراجعة بمشاركة عملائنا بالخارج في أعمال زيارات اعتماد الكليات في مصر.
يقول الدكتور مجدي قاسم: لقد طرح الحاضرون عددا من المقترحات لأوجه وأنشطة التعاون التي يمكن الاستفادة بخبراتهم من خلالها. وتشمل تلك المقترحات:
* وضع آلية دائمة لتقديم العلماء المصريين لمقترحاتهم لحل مشاكل التعليم والبحث العلمي في مصر.
* تنويع مجالات التعاون مع العلماء المصريين لتشمل إلي جانب نقل الممارسات الجيدة في الأبحاث والتجارب مجالات أخري منها أساليب الإدارة الحديثة للجامعات والمؤسسات التعليمية والتي يمكن أن يكون لها كثير الأثر في تطوير التعليم في مصر.
في النهاية من المؤكد أن مصر لديها عدد هائل من العلماء بالخارج يحتلون مناصب رفيعة بالجامعات ومراكز البحوث والقطاع الخاص والحكومي وقد خلصت اللقاءات التي أجريت مع عدد منهم في إطار المبادرة التي طرحتها الهيئة القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد إلي التأكيد علي الأهمية الكبري لاستغلال هذه الفرصة غير المسبوقة من تجارب العلماء المصريين بالخارج ورغبتهم في العمل الوطني.
وقد نجحت الزيارة في تحقيق عدة أهداف أهمها:
* تحفيز علمائنا بالخارج للمشاركة الايجابية في جهود تطوير التعليم والبحث العلمي في مصر, وقد أبدي الكثيرون استعدادهم للتعاون العلمي منهم عدد من الأساتذة ذوي تخصصات مهمة يجب الاستفادة بهم.
* إنشاء بنك أفكار ومشاريع للعلماء بالخارج والتي يمكن دراسة الاستفادة منها بمصر وسيحمل أيضا هذا البنك طابع السرية.
* تسهيل الاتفاق علي تشكيل لجان بحثية في تخصصات دقيقة وحيوية من الجانب المصري وعلماء مصر بالخارج في مجالات محددة وتستغل للنهوض بالصناعة في مصر.
* أن هذه الفرصة يجب ألا تتحول إلي احتفالية لا يتم متابعتها بأنشطة حقيقية حتي لا يكون لها اثر سلبي لدي الجميع, ففي ضوء سابق التجارب التي لم تتصف بالاستمرارية أو إعاقتها بعض التحديات يتضح ضرورة أن نعمل علي إيجاد ضمانات الاستمرارية لتلك المبادرة وأنشطتها حتي لا يصاب المشاركون من العلماء بالإحباط.
* إقامة لقاءات مع مجموعات أخري بغرب وشمال أمريكا وكندا وكذلك أوروبا.
* وضع آلية دائمة لدراسة مشاكل التعليم والبحث العلمي في مصر وتقديم مقترحات بالحلول لها.
* الاستفادة من خبرات العلماء العاملين في تقديم النماذج الحديثة لإدارة الجامعات بالخارج ودورها في تقديم رؤية تشكيل الجامعات والمؤسسات التعليمية.
وعلي مدي أيام قليلة بعد انتهاء الزيارتين تلقت الهيئة العديد من المبادرات التي تؤكد استجابة علماء مصر في أمريكا وكندا للتجربة ورغبتهم في المشاركة في تحقيق الجودة للمؤسسات التعليمية المصرية.
التنمية المهنية للمعلمين.. رؤية تربوية
بقلم : أ.د. محمد رجب فضل الله من الجمهورية
إذا كان اعداد المعلم قبل الخدمة يلقي اهتمام الأنظمة التعليمية عالميا وعربيا باعتبار المعلم محور عملياتها. وأساس نجاحها في القيام بمهامها في تربية الناشئة واعدادهم للحياة المستقبلية. فان تدريب هؤلاء المعلمين أثناء الخدمة. واستمرارية هذا التدريب وتكامل استراتيجياته مع استراتيجيات الاعداد قبل الخدمة أمر لا غني عنه ليقابل المعلم المعارف والعلوم والأفكار والتقنيات المتجددة دائما في مجال التربية والتعليم. وليفي بما يحتاجه من حلول لكثير من صعوبات العمل الفعلي بشقيها التخصصي والتربوي.
وبرامج تدريب المعلمين تجدد معلومات المعلم. وتعرفه بالاتجاهات الحديثة في التربية وطرائق التدريس. وتكسبه مهارات تطبيقها. كما تحيطه بالتطورات المستجدة في نظم التعليم والادارة وغير ذلك من محاور العمل المدرسي. واحتياجاته داخل قاعة الدرس وخارجها. وداخل المدرسة وخارجها.
والاحتياجات الحقيقية مدخل أساسي لتصميم وتنفيذ برامج تدريب المعلمين أثناء الخدمة. نضمن معه تفاعل المعلمين مع هذه البرامج. وتأثرهم بها. ومن ثم رضاهم عنها باعتبار أن هذه الاحتياجات تمثل مجموعة التغييرات التي يرغبون في حدوثها بمعلوماتهم وخبراتهم. وأي برنامج تدريبي لا يؤسس علي قياس علمي للاحتياجات التدريبية لا يؤدي دوره بشكل مناسب.
ومن المعروف ان تصميم البرامج التدريبية وفقا لمدخل محدد يضمن صلاحيتها المنهجية. وجدوي تطبيقها معرفيا ووجدانيا ومهاريا. ودقة تقويمها. وان التصميم الشخصي غير المدروس يؤدي غالبا إلي برامج غير جيدة تعتمد غالبا علي الاجتهاد العشوائي لأفرادها: مسئولين ومدربين ومتدربين.. ويمكن تصميم برنامج لتدريب المعلمين مرورا بالمراحل التالية:
* مرحلة تحديد الاحتياجات التدريبية: وتعد هذه المرحلة أهم وأخطر مراحل تصميم البرنامج. ويجب أن تعطي ما تستحقه من عناية ودون التسرع المعهود في بعض خطط تطوير التعليم. فالركيزة الأساسية لكفاءة وفعالية التدريب هي تلبيته للاحتياجات التدريبية في المرحلة التعليمية المقصودة والنوعية المستهدفة منهم "تربويون - غير تربويين - قدامي - جدد - معلمون - معلمات".
ويمكن تحديد هذه الاحتياجات بعدة وسائل من أبسطها وأصدقها سؤال المعلمين أنفسهم. ويتم ذلك عن طريق تقديم قائمة مقترحة بهذه الاحتياجات يحدد المعلمون منها - ووفقا لاحتياجاتهم الفعلية - ما يوافقون عليه من بنود القائمة ودرجة هذه الموافقة "ملح جدا - ملح إلي حد ما". وما لا يوافقون عليه ودرجة رفضه "لا أحتاج - لا أحتاج مطلقا".
ويمكن أن يقترح تحت كل احتياج أساسي عدد من الاحتياجات الفرعية ليرتبها المعلمون وفقا لأهميتها لديهم.
* مرحلة تصميم البرامج التدريبية: وتعتمد هذه المرحلة علي القائمة النهائية لاحتياجات المعلمين والتي يتم علي أثرها تحديد وصياغة الأهداف العامة للبرنامج. وأهدافه التفصيلية "الاجرائية". ومحتواه من المعارف والمهارات والاتجاهات وطرق التدريس وبالوسائل المساعدة. والوقت المخصص للتدريب. وأدوات تقويم كفاءة وفعالية البرامج.
ويمكن أن تكون الأهداف العامة للبرنامج تنمية بعض المعارف والمهارات التخصصية أو بعض المعارف والمهارات التربوية أو الاثنين معا علي أن تتضمن في جميع الحالات ما يدفع المعلمين إلي التنمية الذاتية. ويعزز لديهم الاتجاهات المهنية الايجابية ليصل بقناعاتهم إلي مستوي التبني والالتزام.
أما الأهداف التفصيلية لكل برنامج تدريبي فيتحدد علي أساسها محتواه من الوحدات التدريبية. ولكل وحدة عنوان رئيسي ثم عدد من الموضوعات الفرعية فمثلا وحدة القواعد اللغوية يمكن أن تقدم المعرفة أو المهارة المقرونة بطريقة تقديمها أو وسيلة تنميتها لدي المتعلمين.
ويتم حساب الزمن الكلي اللازم لتنفيذ البرنامج. وطرق ووسائل التدريب التي يمكن أن تتنوع بين المحاضرات القصيرة. وحلقات النقاش. والحلقات التطبيقية. ومعامل اللغات. والمطبوعات وما شابه ذلك.
ويتم في هذه المرحلة أيضا تحديد أدوات تقويم البرامج. ويقترح أن تركز علي وسائل قياس النمو في الأداء كالاختبارات العملية أو بطاقات الملاحظة إلي جانب الاختبارات الشفهية أو التحريرية.
ويمكن في هذه المرحلة وضع شروط لمن يسمح لهم أو يتم اختيارهم للالتحاق بالبرنامج سواء من حيث الدرجة العلمية. أو عدد سنوات الخبرة السابقة. أو طبيعة الاحتياجات. أو أي شروط أخري تضمن أكبر قدر من التجانس بين المتدربين.
* مرحلة الاستعداد للتنفيذ: ويتم في هذه المرحلة اعداد الحقائب التدريبية. ويقوم بها متخصصون في التخصص وطرق التدريس واعداد مواد تعلمها. والحقيبة التدريبية ببساطة هي: "المادة التعليمية التي سيستعين بها المتدربون لدراسة موضوعات البرنامج بالشكل الذي يحقق أهدافه".
ويقترح أن تشتمل الحقيبة التدريبية التي تستخدم في برامج تدريب المعلمين أثناء الخدمة علي: مقدمة تعرف المتدرب بالحقيبة ومحتوياتها وطريقة استخدامها. دليل للاستخدام. وعدد من البدائل التدريبية: مادة مطبوعة - مادة مسموعة - "شريط كاسيت" - مادة مسموعة ومرئية "شريط فيديو" - أقراص كمبيوتر. واختبارات مرحلية. وأدوات قياس للأداءات.
* مرحلة التنفيذ التجريبي: ويتم في هذه المرحلة التأكد من صلاحية البرنامج التدريبي. ويمكن أن يتحقق ذلك بتطبيق البرنامج المقترح علي عينة من المعلمين. وبعدها يتم ادخال ما يلزم من تعديلات علي عناصر البرنامج.
* مرحلة تعميم البرنامج التدريبي: ويتم فيها التطبيق الفعلي للبرنامج علي جميع المعلمين المحددين للتدريب مع استمرار عمليات التقويم والتطوير استجابة للتغيرات المستقبلية في الاحتياجات التدريبية.. ومن المستحسن - وبصفة عامة - التأكيد علي ضرورة توفير الوقت والامكانات المادية والبشرية لكل مراحل تصميم البرنامج. مع وجود هيكل تنظيمي لادارة عملية التصميم من مشرف عام. ومنسقين أحدهما فني "ويفضل أن يكون متخصصا في اعداد المعلمين" وآخر اداري "ويفضل أن يكون متخصصا في تدريب وتنمية الموارد البشرية". مع ضرورة تحقيق القدر المقبول من التكامل الأفقي "مع برامج التدريب الأخري التي تعقدها الوزارة" والرأسي "مع برامج التدريب السابقة واللاحقة التي حضرها أو سيحضرها هؤلاء المتدربون" وذلك في الخبرات التخصصية والتربوية المقدمة لهم.
جريمة اقتحام الأقصى.. لماذا يصمت العرب؟
د. عدنان بومطيع من المصريون
جريمة اقتحام المسجد الأقصى مرت مروراً عابراً رغم عظمة الجرم وفداحة الاعتداء. فالعرب مبهورون بموافقة إسرائيل باستئناف المفاوضات مع كل ما فعلته من استمرار الاستيطان وإحكام الحصار على الضفة وغزة. وكأن عودة المفاوضات أهم بكثيرمن جريمة اقتحام الأقصى، بكل ما يرمز إليه من معان في الوجدان والتاريخ وحركة الصراع المستمر مع اليهود.
الجريمة تمت باقتحام الجنود الصهاينة لباحة المسجد مصحوبين بميليشيات المستوطنين المتعصبين، والدخول إلى فنائه أمام كاميرات التلفزة إمعاناً في تحدي الشعور العربي والإسلامي ( إن كان هنالك شعوراً). ولم يتصد للعدوان سوى المصلين من كبار السن. حيث يمنع اليهود من هم أقل من أربعين عاماً من الدخول للمسجد. ولم يأبه لهذا الحال ولا حكومة عربية أو مسؤول كبير أو حتى موظف في وزارة خارجية عربية أو إسلامية. وجرح أكثر من أربعين فلسطينياً كانوا يدافعون عن حرمة الأقصى بأياديهم العارية وكراسي خشبية والحجارة.
الاقتحام الصهيوني جاء للبدء الفعلي لهدم الأقصى، بعد أن فعلت الحفريات فعلها تحت أساسات المسجد. وقد بحت أصوات المقدسيين وهم ينادون الضمير العربي والاسلامي بسرعة التدخل، أو حتى الاحتجاج لوقف عملية الهدم المنظمة، والتي تجري على قدم وساق منذ سنوات. والمشروع قائم، وبشكل سافر، تدعمه الكنائس الصليبية المتحالفة مع الصهيونية العالمية لبناء حجر الأساس لهيكل سليمان في باحة الأقصى.
جرى كل ذلك تحت دخان التصريحات السياسية التي أطلقها رئيس الوزارء الصهيوني العنصري نتنياهو باستعداده لذهاب لدمشق لبدء حوار مع السوريين. بالتوازي مع إعلان حكومة بلاده استئناف المفاوضات العقيمة مع سلطة الفساد في رام الله. وهي السلطة التي ساهمت - من حيث تدري أو لاتدري- في تهويد الحرم الإبراهيمي وضمه كمعلم يهودي، فضلا عن ضم مسجد بلال بن رباح مؤذن الرسول (ص) إلى التراث اليهودي. وذلك بعد أن فجرت اسرائيل فضيحة الفساد الأخلاقي لمدير مكتب السيد عباس وتركت سلطته تتخبط في متاهات الرد والنفي والإثبات والمراوغة الفارغة. ولاندري سبب اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة على أي شيئ اجتمعوا أو قرروا الأسبوع الماضي. حيث كان أفضل ما خرجوا به هو إعطاء الجانب الإسرائيلي مدة لا تتجاوز أربعة أشهر لاستئناف المفاوضات ووقف الاستيطان!!!. وهي مدة كفيلة أصلاً لهدم الأقصى، وليس فقط اقتحامه، وإعادة بناء الهيكل المزعوم.
اقتحام الأقصى في هذا الوقت هو لتبديد الضغط الدولي على إسرائيل بعد فضيحة الموساد باغتيال محمود المبحوح في دبي. وهي جريمة جعلت إسرائيل ولأول مرة في مواجهة مع حلفائها الغربيين وجهاً لوجه. وللأسف، وبدلاً من أن يكسب العرب أو الحكومات العربية ذات العلاقة مع إسرائيل عنصراً مهماًً يمكن الإفادة منه في كسب موقف جديد، انقلب الوضع فصارت الدول العربية هي الممتنة لاسرائيل على موافقتها على استمرار المفاوضات مع الفلسطينيين. أضف إلى ذلك، إعطائها فرصة سياسية وإعلامية أمام الغرب بإظهارها بأنها دولة تسعى للسلام مع الفلسطينيين في حين أنها تستعد لمواجهة إقليمية مع حزب الله أو سوريا.
لكن ماذا لو لم تلتزم إسرائيل بالمهلة المحددة للمفاوضات؟ الجواب هو لن يحدث شيئ على الإطلاق سوى الانتظار لتعطف إسرائيلي جديد بوعد مبهم حول المفاوضات البائسة لكسب الوقت وتبديد الجهد وزيادة تخدير الحكومات العربية بمزيد من الأوهام..
مضـي قرن كامـل علي اغتيـال بطرس غالي
بقلم: د. مصطفى الفقى
في غمار الرفض العام للضريبة العقارية الجديدة حذر عضو في البرلمان المصري وزير المالية الحالي من أن يتعرض لمصير جده الراحل بطرس باشا غالي.
ولقد أزعجتني هذه العبارة كثيرا وفتحت أمامي ملفا كاملا يمتد علي طول قرن كامل منذ أن اغتال إبراهيم ناصف الورداني طالب الصيدلي العائد من سويسرا بطرس باشا غالي رئيس وزراء مصر في جريمة شنعاء اكتسبت بعدا طائفيا مقيتا أدي إلي انعقاد المؤتمر القبطي في أسيوط ثم المؤتمر الإسلامي في مصر الجديدة في أعقاب ذلك الحادث الأليم الذي نراه من زاويته السياسية وليس من بعد طائفي, ولقد حضرت القداس الذي أقيم بمناسبة الذكري المئوية لاغتيال بطرس باشا واستأذنت أستاذي الدكتوربطرس غالي في أن أكون المتحدث في تلك المناسبة وعلي بعد أمتار قليلة من مدفن بطرس باشا داخل الكنيسة البطرسية, ولقد ركزت في حديثي علي عدد من النقاط حاولت بها تقديم تحليل موضوعي لمسيرة ذلك الرجل بما له وما عليه مركزا علي المطاعن الرئيسية التي وجهت إليه ورأي فيها الكثيرون الدافع الحقيقي وراء اغتياله, وسوف أستعرض في النقاط التالية تلك المطاعن التي لاتخلو من تجاوز ولاتبرأ من مبالغة, وتؤكد في مجملها أن حادث الاغتيال سياسي بالدرجة الأولي وإن كانت تداعياته بعد ذلك طائفية كما حدث, والآن دعونا نخوض قليلا للبحث في تلك الشخصية الجدلية التي اختلف حولها المؤرخون وتحامل عليها الوطنيون:
أولا: يتمثل المطعن الأول في التاريخ السياسي لـبطرس باشا غالي في مشاركته في التوقيع علي اتفاقية السودان عام1899 ومانجم عنها من تداعيات ينظر إليها معظم المؤرخين باعتبارها سقطة سياسية وقع فيها بطرس باشا ضد الإرادة الشعبية في ذلك الوقت, ولقد دافع رئيس الوزراء الراحل عن نفسه مؤكدا أنه كان عضو مجلس الوزراء المعني بالتوقيع ولم يكن هو صاحب القرار الوحيد إذ أن المسئولية الوزارية تضامنية وليس هو المسئول وحده, ونحن نتفق معه فيما ذهب إليه ونري أنه يتحمل جزءا من الخطأ ولكنه لايتحمل الخطيئة كلها, ومازلت أتذكر مقالا لأستاذي الدكتور بطرس بطرس غالي في مجلة الشعلة عام1944 في أول زيارة له إلي السودان حيث تحدث عن حساسية المسألة السودانية عنده لأنها تمس عائلته ودور جده الراحل فيها.
ثانيا: تثير مسألة مد امتياز شركة قناة السويس وتورط بطرس باشا في هذا الشأن جدلا كبيرا في التاريخ السياسي لذلك الرجل الذي كان دائما موظفا مطيعا وسياسيا ملتزما, وقد دافع هو عن نفسه في هذا الشأن مؤكدا أنه عرض هذا الأمر علي البرلمان المصري حينذاك حتي ينال منه قرارا بالرفض يستطيع به أن يواجه الدول الأوروبية الساعية إلي مد الامتياز, وهو بذلك يعتبر مسئولا حصيفا حاول إيجاد الحجة الشعبية لمواجهة الضغط الأجنبي, أما موافقته علي ما يسمي قانون المطبوعات فالكل يعرف أن ذلك القانون كان سيمر منه أو من غيره لأنه تعبير عن إرادة أعلي لايملكبطرس باشا لها رفضا.
ثالثا: نأتي هنا إلي أهم المطاعن وأبرزها وأكثرها صعوبة عند الدفاع عن بطرس باشا غالي وهي قبوله لرئاسة المحكمة التي أصدرت أحكامها الجائرة بالإعدام علي شهداء دنشواي وبالسجن والجلد علي عدد آخر منهم وهو أمر يصعب تبريره ولكن موقعه الوظيفي في ذلك الوقت باعتباره أكبر رأس مصرية في وزارة الحقانية( العدل) هو الذي دفع به إلي المشاركة في تلك الجريمة الوطنية, ولم يكن يستطيع ــ وهو الموظف المطيع والسياسي المسالم كما أسلفنا ــ أن يتمرد علي سلطة الاحتلال والمعتمد البريطانياللورد كرومر في هذا الشأن, ولكن إنصافا للرجل فإن دراسة مداولات تلك المحكمة الاستثنائية الظالمة تشير إلي أن بطرس غالي حاول بكل جهده أن يخفف من تلك الأحكام ولكن لم يتحقق من مسعاه شيء.
رابعا: لم يكن كل تاريخ بطرس باشا غالي محل إدانة سياسية أو نقد وطني فذلك هو بطرس باشا الذي سعي إلي منزل الإمام الأكبر الشيخ البشري عندما أقاله الخديو توفيق من مشيخة الأزهر وأعلن ــ وهو الشخصية القبطية المرموقة ــ تضامنه مع شيخ الأزهر في إشارة إيجابية للمفهوم المبكر للوحدة الوطنية المصرية, ولذلك فإنني أزعم وبصورة موضوعية أن دوافع الرجل في معظم قراراته كانت من منظور رؤيته السياسية ــ اتفقنا معها أو اختلفنا ــ ولكنها لم تكن غالبا من منطلق طائفي كما يزعم غلاة المؤرخين.
خامسا: عندما قام الخديو عباس حلمي الثاني بزيارته الشهيرة إلي الباب العالي ليلتقي بالسلطان العثماني عبدالحميد اصطحب معه بطرس باشا غالي الذي كان يعتز به ويقدره, فإذا بالسلطان العثماني بعد المباحثات والمشاورات يبدي إعجابه الشديد بالوزير المصري متمنيا لو أن لديه في البلاط العثماني من هم في كفاءته وحصافته ثم قلده واحدا من أرفع الأوسمة العثمانية التي كان يطلق عليها النيشان المجيدي وهو ذاته الذي قلده لرئيس الوزراء المصري مصطفي باشا فهمي أثناء ذات الزيارة ويومها أصر بطرس باشا علي أن يحصل رئيس الوزراء علي الوسام أولا قبله احتراما لقواعد البروتوكول وإثباتا لولائه لرئيسه وتأكيدا لمنطق الطاعة الأخلاقية التي جبل عليها.
سادسا: يعتبر بطرس باشا غالي أبرز مؤسسي جمعية التوفيق القبطية مع بدايات الربع الأخير من القرن التاسع عشر والتي تزامنت في ظهورها مع الجمعية الخيرية الإسلامية, فالرجل بهذا المعني واحد من أهم واضعي اللبنات الأولي للمجتمع المدني المصري والمشاركين في ميلاده, وهذه نقطة أخري تحسب لـ بطرس باشا حتي لايصبح كل تاريخه إدانة ونقدا بحق وبغير حق!
سابعا: إنني أزعم ــ وأرجو أن يكون زعمي مقبولا ــ أن بطرس باشا غالي يجسد مدرسة خاصة في العمل السياسي المصري لم تكن دوافعها عميلة أو خائنة ولكن أسلوبها استفز بعض قطاعات الشعب المصري, وأذكر هنا بأن هذا النمط من التفكير قد تنامي بعد ذلك وظهرت شخصيات عبر التاريخ المصري اتخذت مواقف لم تكن مألوفة ودفع أصحابها حياتهم ثمنا لها, وأظن أن اغتيال الرئيس السادات ــ مع الفارق ــ لايبتعد كثيرا عن ذلك النمط غير التقليدي في الحياة السياسية للشعوب وأمام القرارات المصيرية للأمم.
...إنني أبدي هذه الملاحظات مؤكدا أننا بحاجة إلي قراءة جديدة وعادلة لتاريخنا السياسي فقد نجد في بعض أزقته ساسة مظاليم وفي بعض ميادينه أبطالا زائفين وتلك هي مهمة المؤرخ المنصف الذي يلاحقه المحلل السياسي في تجرد وموضوعية, وبهذه المناسبة فإنني أطالب بريطانيا بالاعتذار لـ مصر رسميا عن جريمة دنشواي مثلما اعتذرت دول أخري عن جرائمها عبر التاريخ, ولقد طالبت في كلمتي بالجلسة الافتتاحية لمؤتمر الذكري الخمسين لحرب السويس(بجامعة لندن عام2006) باعتذار آخر من بريطانيا عن مؤامرة السويس وهو أمر استقبلته وسائل الإعلام البريطانية بالاهتمام والمتابعة, وأظن ـ مخلصا ـ أن جريمة دنشواي ومؤامرة السويس يمكن أن تجعل اعتذار المملكة المتحدة عنهما يأخذ شكلا عمليا يتمثل في تطهير الصحراء الغربية ــ التي كانت مسرحا لعمليات الحرب العالمية الثانية ــ من الألغام التي تعوق التنمية المصرية وتحجب مايقرب من ربع مساحة مصر بعيدا عن الاستغلال الإنساني والعمران الوطني, وأعود مرة أخري إلي بطرس باشا غالي لأتذكر أن المرة الوحيدة التي دخل فيها الخديو منزل أحد المصريين كانت عندما قام عباس حلمي الثاني بتقديم واجب العزاء في دار آل غالي تأثرا منه وحزنا علي السياسي الراحل الذي أمسك بيديه وهو يحتضر قائلا:أشكر أفندينا علي زيارته وكأنه يؤكد طاعته للحاكم وولاءه للشرعية حتي في آخر لحظات الرحيل, ولقد وقف بيت غالي ـ رغم العاصفة التي أعقبت الاغتيال وصورته بأنه حادث طائفي مع أنني أراه سياسيا ــ موقفا وطنيا قاده الابن واصف بطرس غالي الذي أعلن أنه يستعوض الله في دماء أبيه حفاظا علي الوحدة الوطنية المصرية, وقد قال شيخ الأزهر يومها إن بطرس باشا غالي قد قدم للمسلمين من الخدمات مالم يقدمه كثير من الساسة المسلمين أنفسهم.. ألم أقل لكم أن تاريخنا الوطني يحتاج إلي إعادة قراءة؟
عودة الى مقالات
|