|
لو كنت في زمانهم ..القدس في أيدي الصليبيين \"جدعنه\" سنة 626 هـ بقلم/ إسماعيل أحمد
كانت الحروب الصليبية من أقسى التحديات التي واجهتها الأمة الإسلامية عبر تاريخنا الطويل.. ولا تزال تمثل إلى جانب غزو التتار المصاب الأكبر منذ بعثة النبي (صلى الله عليه وسلم) .. فقد بدأت الحروب والأمة تقابل العدوان دويلة بعد دويلة ولا تتدخل الخلافة ولا الدويلة المجاورة حتى تذوب الأولى (وهو نفس ما جرى في الغزو التتري).
ولم تتمكن الأمة من استعادة وعيها لفترة تبلغ حوالي سبعين سنة أو يزيد.. حتى ولي نور الدين محمود .. ثم عماد الدين زنكي.. وتتوجت جهود الأمة بصلاح الدين الأيوبي الذي نجح في جمع الشام ومصر تحت سلطانه.
وقد استغرق الانتصار على الصليبيين واسترداد القدس جهودا ً مضنية من صلاح الدين الأيوبي بين معاهدات وحروب استنزاف وصدامات فرعية.. حتى نجح في دخول القدس.
ولم يكن مستغرباً أن يشق الخروج المهين على بابا روما وجموع الملوك الصليبيين في غرب أوروبا أو إماراتهم في الشام .. وقد ظلت لهم بعد القدس إمارات في الشام لمائة سنة أخرى قبل أن يستأصلهم الناصر محمد بن قلاوون من الشام كله.
وكان منطقياً أن يحاولوا مرات عديدة أن يعودوا للقدس.. وظل هذا العداء كامنا في ضمائرهم لسبعة قرون أخرى .. حتى قال أحد قادة الجيش الفرنسي حين دخلوا دمشق في الثلث الأول من القرن الماضي: "ها قد عدنا يا صلاح الدين"
قدم على السلطان الناصر محمد بعض رسل الإفرنج - من قبل فيليب السادس ملك فرنسا - يطلبون منه بعض البلاد الساحلية .. وأولها طبعا القدس فقال لهم:
"لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكم".. ثم سيرهم إلى بلادهم خاسئين
وبعدها قدم رسول ملك الفرنج في البحر إلى الملك المعظم يطلب منه ما كان فتحه عمه السلطان الملك الناصر صلاح الدين من بلاد السواحل.. فأغلظ لهم المعظم في الجواب وقال له: "قل لصاحبك ما عندي إلا السيف"
ومرت سنوات قليلة ولي فيها الملك الكامل من ذرية البيت الأيوبي.. وكان فريدريك ملك ألمانيا قد دخل في حالة من العصيان مع بابا روما وخالفه مرة في طلب الخروج لاسترداد القدس.. فحرمه وأوقع عليه من عقوبات الكنيسة .. ما جعله يحاول العثور على نصر يبيض وجهه أمام البابا.
وكان- في نفس التوقيت تقريباً - ملوك بني أيوب مفترقون مختلفون، فقويت نفوس الإفرنج بوفاة الملك المعظّم.
وآل الحكم للكامل الذي كانت أطماعه فيما تحت يد أخوته وبني عمومته أهم عنده .. فتراسل هو وفريدريك زمناً حتى وافق أن يعطيه صلحا مدينة القدس وبيت لحم- مع شريط من الأرض يخترق اللد وينتهي عند يافا على البحر.. فضلا عن الناصرة وغرب الجليل مع حصني مونت فورت.. وتبنين من حصونهم التي كانوا قد شيدوها حول القدس أثناء الحروب الصليبية واستردها صلاح الدين .. على أن يظل بأيدي المسلمين من بيت المقدس، منطقة المعبد بما تحتوي عليه من قبة الصخرة والمسجد الأقصى، وأن يكون للمسلمين الحق في التردد إليها وحرية العبادة، وإطلاق سراح الأسرى عند كل من الجانبين.. وأن يكون أجلها عشر سنين (مسيحية) الموافقة عشر سنين وخمسة شهور (هجرية)([1]).
فعظم ذلك على المسلمين جدا ً.. وحصل وهن شديد وإرجاف عظيم، فإنا لله وإنا إليه راجعون ([2]).
ثم قدم الملك الكامل فحاصر دمشق التي كانت تحت يد ابن أخيه وضيق على أهلها.. فقطعت الأنهار ونهبت المحاصيل وغلت الأسعار.. ولم يزل جنوده حولها حتى أخرج منها ابن أخيه صلاح الدين الملك الناصر داود بن المعظم.. وظل يتوسع شرقاً وغرباً في أملاك بني أيوب وكأنه لم يفعل فعلة ًما سبقه إليها أحد من الخلفاء والولاة عبر التاريخ الإسلامي كله.
ولو كنت في زمانه ووضعتني جلسة بين العلماء والشيوخ لاستفتيتهم عن صحة إمارة أو ملك هذا الحاكم.. بل كيف لهؤلاء العلماء أن يترحموا عليه - كما فعل الإمام ابن كثير- عند ذكره.. لعل له من الحسنات ما لم يذكرها التاريخ وقد أورد ابن كثير في ترجمته أنه:
كان مولده في سنة ست وسبعين وخمسمائة.. وكان أكبر أولاد العادل بعد مودود، وإليه أوصى العادل لعلمه بشأنه وكمال عقله، وتوفر معرفته.
وقد كان جيد الفهم يحب العلماء، ويسألهم أسئلة مشكلة، وله كلام جيد على صحيح مسلم، وكان ذكيا ً مهيبا ً ذا بأس شديد، عادل منصف له حرمة وافرة، وسطوة قوية، ملك مصر ثلاثين سنة.
وكانت له اليد البيضاء في رد ثغر دمياط إلى المسلمين بعد أن استحوذ عليه الفرنج لعنهم الله، فرابطهم أربع سنين حتى استنقذه منهم، وكان يوم أخذه له واسترجاعه إياه يوما ً مشهودا([3]).. ولعله تاب بعد ذلك عن فعلته تلك (توفي سنة خمس وثلاثين وستمائة هـ).
لكنني اندهشت جداً حين قرأت في أحد الكتب الغربية التي ساقت نصوص رسائل فيليب له .. وكيف أنه كانّ إلحاحاً "مقرفاً " من ملك يخشى على نفسه الطرد من الكنيسة.. لملك يفترض به أن يعتقد أن طرده من رحمة تلك الكنيسة أرحم له.
لكنك يجب أن تبحث معي عما يبرر تصرف هذا الحاكم خصوصا ً حين تقرنه بما فعله أعمامه مما أوردته سلفاً.. وأعجب منه سكوت الناس وأولهم العلماء في هذا الزمان ( حتى اكتفوا بقولهم إنا لله وإنا إليه راجعون) .
لكي تدرك أن الأئمة العظماء أمثال ابن تيمية والعز بن عبد السلام فلتاتٌ قل أن يجود الدهر بمثلهم.. ولو أن ذلك الملك حارب الفرنجة وطاولهم وقد أرهقت الحروب جنوده لكان أعذر له في التاريخ وأمام الله لكنه بعدما تصدق بالقدس على ذلك الملك الألماني راح يقصقص أطراف ملك ابن أخيه بما يعني أن شهيته للحرب كانت مفتوحة.
ولو أنه جاء قبل عمه الناصر صلاح الدين لقلنا أنه يخشى الفرنجة ويعلم أنهم لا يقهرون فآثر السلامة.. لكنه ولا بد عايش انتصار صلاح الدين أو سمع ممن عايشوه .. فكيف له أن يخور كما يخور أحفادٌ كثيرون له اليوم؟
ألم يسمع عن عمه أنه اتفق مع أخيه بعدما يفرغ من أمر الفرنجة أن يسير هو إلى بلاد الروم.. ويبعث أخاه إلى بغداد.. فإذا فرغا من شأنهما سارا جميعا إلى بلاد أذربيجان، بلاد العجم.. فإنه ليس دونها أحد يمانع عنها([4])
وقد ذكرت كتب السير أنه كان ينوي أن يغزو أوروبا إن عاش لسنةٍ مقبلة؟!
إن مراجعة القرار السياسي الذي يصدره الحاكم كان معروفاً منذ بدء الخلافة.. كما كان الفاروق يراجع الصديق في حروب الردة وجمع القرآن وغيرهما.
وكان علي وغيره يراجعون الفاروق في مواضع عديدة .. وامتد هذا التقليد في الخلافة زمانا ً طويلا ً.. حتى تلمحه بوضوح فيما ينقل عن معاوية رضي الله عنه حين كان يطرح الواقعة على ولده يزيد .. ثم يبين له التصرف الصحيح.
وكان يحادث أهل العلم ويستشير من أدرك حكمه من صحابة النبي (صلى الله عليه وسلم) ومن بعده خلفاء كثيرون مثل المأمون والمعتصم وهارون الرشيد
وهل كان السلطان عبد الحميد الثاني مثلاً غريباً عن مبادئنا وتفكيرنا حين أعلن لليهود أن القدس ليست ملكاً له يستطيع وحده أن يتبرع بها لهم .. بل هي ملك المسلمين منذ فتحها لهم الفاروق؟!
هذه المحنة المتمثلة في حملات الصليبيين تقارب ما تعرضوا هم له من استيلاء المسلمين على الأندلس لثمانية قرون.. ولكنهم حين نجحوا في استرداد كامل أراضيهم انطلقوا في نهضة شاملة بدأت – بالمناسبة- بطموحهم في الاستيلاء على قبر المسيح ومدينة القدس.. وأعقبتها الكشوف الجغرافية في الأمريكتين وأستراليا ثم النهضة الحديثة والتصنيع.. وانطلق التقدم الأوروبي حتى صارت أوروبا التي نعرفها.
فلماذا لم تحدث عندنا نهضة مثلها حتى تكرر سيناريو العدوان مع التتار في نفس القرون – كان في عين جالوت صليبيون لهم إمارات .. أضطر قطز لتخويفهم حتى لا يمالئوا التتار على المسلمين- وتكرر مع خوارزم شاه ما جرى مع السلاجقة في الحروب الصليبية.
ولست أدري كيف استرخت الأمة بعد حطين ورجعت لسابق شتاتها؟
وها هي عين جالوت تأتي بنفس المشاق والصعاب.
الأربعاء الموافق
8-9-1431هـ
18-8-2010م
البداية والنهاية (13/173)
عودة الى من التاريخ
|