|
ما أسكر كثيره فقليله حرام بقلم / تراجي الجنزوري
روي أبو داود في سننه .. عن جابر رضي الله عنه.. أن رسول الله (صلي الله عليه وسلم) قال:
" ما أسكر كثيره فقليله حرام"
إن الناظر لظاهر اللفظ في هذا الحديث يري بأن الخمر وحدها هي المقصودة بالحديث.
ولكن المتأمل بعين البصيرة يلمح أنها قاعدة تشريعية شاملة.. لا تنطبق علي الخمر وحدها.. ولكنها تشمل الحرام كله والممنوع كله .
تنطبق علي الخمر والربا .. الغش والسرقة .. الغمز واللمز .. الغيبة والنميمة.. الكذب والنفاق.. تنطبق علي كل جريمة خلقية.
فقليل الخمر لا يسكر .. وقليل كل شئ لا ضرر فيه .
ما شربة خمر؟.. ما كأس في حفلة؟.. ما كأس في مناسبة ؟.
ما كذبة بين الحين والحين ؟
ما قروش قليلة تختلس من مبلغ ضخم لا تؤثر فيه؟.
وما الضرر في قليل النفاق.. والنظرة العابرة لفتاة.. أو ابتسامة أو كلمة.. أو قليل من المداعبة ؟.
كذلك تبدو الأمور في أول وهلة.. سهلة هينة.. لا تستلزم التشديد ولا توجب الاهتمام.
ولكن هيهات هيهات.. ما كان حكم رسول الله (صلي الله عليه وسلم) علي هذه الأمور بهذه النظرة.. بل كانت حكمة بالغة.. تلك التي نطق بها رسول الله (صلي الله عليه وسلم) .. ودراية عميقة منه (صلي الله عليه وسلم) بالنفس البشرية ..ونظرة بعيدة جدا ً لا تقف عند الجزئية الصغيرة ولا الفرد الواحد.. حتى ولا الجيل الواحد.
إنها النظرة العميقة الفاحصة الشاملة التي تأخذ في حسابها الفرد والمجتمع والإنسان علي امتداد حياته في تلك الأرض " إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ".
إن ما يحدث للفرد والجماعة من جراء شرب الخمر يحدث أيضا مع كل جريمة خلقية .
في مسألة الخمر:
يقول الطب: أن أبناء السكارى يولدون وفيهم استعداد موروث لشرب الخمر ينتقل إليهم عن طريق النطفة .
يقول علم النفس:
أن أبناء السكارى يصابون باضطرابات نفسية وعصبية عنيفة.. وأما المرأة فيصيبها صراع من نوع أخر .. ينتهي إلي كراهية الرجال جميعاً والنفور في المستقبل من الزواج .
هب أيها الكريم أن ذلك لم يحدث منه شيء .. وهذا أمر غير صحيح !!!.
يبقي بعد ذلك كله شيء لم تستطع الأجيال .. ألا وهو:
ما هو موقف السكير حين يعلم أن أبناءه وقعوا فيما وقع فيه ؟ !!!
أيزجرهم.. أم يرخي لهم العنان ؟!!!
ولماذا يا تري يزجرهم وهو لا يؤمن بأن هناك ضرراً في الأمر ؟!!!
بل إنه يؤمن أن تجربته الشخصية خير شاهد علي ما يقول .. ها هو يشرب فما الذي حدث ؟
إنه لم يبلغ حد الإدمان .. ولم يفصل من عمله .. ولم يؤثر الشرب في مركزه الاجتماعي .. ولم تتلف أعصابه ولم تفسد قدراته علي التفكير.
إنها كلها كأس بين الحين والحين .
فما الضير علي الأولاد إذا ساروا في نفس الطريق.. وعندما يكبرون سيعقلون وتسير الأمور!!!! .
هنا موطن الخطر لا يدركه الشارب في أول جيل !
إنه ينسي أنه نشأ في بيئة محافظة تستنكر الخمر.. وإنه نشأ وفي عقله الباطن فرامل قوية مستمدة من البيئة المحافظة حالت بينه وبين الإسراف والإدمان.. وفي أعماق نفسه ضمير ينهال عليه ضربا ً إذا تجاوز الحدود .
أما الأبناء فأين هذا الشخص في نفوسهم ؟
من غرسه في أخلادهم وهم صغار .. هل هو أبوهم ؟ .. أم المجتمع الذي يسرح فيه أباء كأبيهم ؟
كلا !.. لقد وجدت القدوة السيئة وانتهي الأمر .. ثم لم توجد الزواجر التي منعت الجيل الأول من الإسراف !
ومن ثم يشرب الأبناء فيسرفون عن ذي قبل.. وينشأ بعد ذلك جيل ثم أجيال ويختفي رويداً ذلك الوازع من الضمير .. ويندفع الناس بلا حواجز ... ويسرفون بلا حدود.
اعلم يا رعاك الله:
إن قصة الخمر علي مدار الأجيال تتمثل في جيل متيقظ في أول الأمر ... عيونه علي الجريمة.. ثم أفراد يتسللون خفية من وراء الستار ... فإذا ظلوا في استتارهم.. لا يتبجحون بالإثم.. ولا يسمح لهم المجتمع بذلك.. فثم هناك أمل في بقاء المجتمع .
أما إذا أمنوا زجر المجتمع فخرجوا من خفيتهم ... وقعدوا علي قارعة الطريق ... فهنا ينشأ أول جيل منحرف ... وهو انحراف بسيط في أول الأمر ... لا ينذر بالخطر.. ولا يبدو فيه النكير.
ولكن الانحراف البسيط يمتد كما يمتد ذراعا الزاوية من نقطة الابتداء حتى تتفرج الشقة ويبعد الذراعان .... ثم تكون الهاوية المحتومة في نهاية الطريق وهي قصة كل جريمة من جرائم الأخلاق .
قصة الكذب والخداع والنفاق والغش والتدليس .
قصة الغيبة والنميمة ونهش الأعراض وكشف العورات
قصة الرشوة والظلم والفساد .
قصة القعود والتخاذل عن نصرة الحق والجهاد في سبيله .
قصة الترف والسرف والفجور والمجون
بدأ المجتمع نظيفاً نتيجة الحرص الدائم الذي يبذله المجتمع في عملية التنظيف ... ولكنه في وقت من الأوقات يتراخى .
عندئذ يأخذ الوباء في الانتشار التدريجي البطيء المفعول ... ونتيجة بطء المفعول قد يظن الناس أنهم ناجون مما كانوا يحذرون .
ولكن سنة الله في النهاية تتحقق .. وهي لم تتخلف مرة واحدة في التاريخ .
يقول أ/ محمد قطب عافاه الله :
" لم يحدث أن استمتع أقوام بشهواتهم الزائدة إلي غير حد .. ثم استمروا إلي الأبد أقوياء متماسكين قادرين علي الحياة .
وها هي صفحة التاريخ مفتوحة أمام الجميع لمن أراد أن يتعظ أو يعتبر:
صفحة اليونان القديمة.
صفحة روما القديمة
صفحة فارس القديمة
صفحة العالم الإسلامي حين غرق في الشهوات
صفحة الغرب في الواقع المعاصر ستكون لها أيضا ً نهاية محتومة ".
"فهل أنتم منتهون "
الثلاثاء الموافق:
21/4/1431هـ
6/4/2010م
عودة الى حديث وشرحه
|