الأربعاء 10 محرم 1430     7 يناير 2009
البحث التفصيلي
التفاصيلمأساة أسرة , الجيران قتلوا ابنها الأصغر طمعاً في مبلغ التعويض عن «الأكبر» في غرق العبّارة السلام
خبر وتعليق

هل ستنجح اسرائيل فى تنفيذ مخططها بشأن قطاع غزة
لا لن تنجح
ستنجح بالتأكيد
المجتمع الدولى سيتدخل
اقتراعات سابقة

المحنة , المبادرة , التعليم ,.. وقفات في حياة \" محمد أبو الحجاج \"

حاوره وقدم له: الشيخ / رجب حسن

- لم يكن بخاطري أن أجري حوارا ً مع الشيخ محمد أبو الحجاج علي الأقل في هذه الأيام .. فالمسافات بيني وبينه بعيدة .. وهو رجل قليل الكلام لا يعرف إلا كثرة السكوت والتأمل .. هكذا عرفته في رحلة امتدت أربعة عشرة عاما ً في السجون .

- ولكن شجعني لأن أحاوره ما حدث من قضية ضرب تلميذ حتي الموت في إحدى مدارس مصر .. وما صاحب ذلك من ضجة إعلامية كبيرة .. فقلت هي الفرصة قتمسكت بها وأجريت حوارا ً بسيطا ً يتناسب مع عمق فكرته ، وكثرة صمته سائلا ً الله تعالي أن يجعله في ميزان حسناته .

- الشيخ محمد أبو الحجاج حدثنا عن نفسك من خلال بطاقتك الشخصية ؟

- اسمي محمد أبو الحجاج صديق مصطفي .

- من مواليد الأقصر عام 1967 .

- وحاصل علي ليسانس دار العلوم 89 19.

- اعمل مدرسا ً للغة العربية .. وغير متزوج .

- نشأت في أسرة من أعماق الصعيد فكيف كان أثرها في نشأتك وعلي حياتك العملية ؟

- نعم نشأت في أسرة متوسطة الحال .. حيث أن أبي حاصل علي الابتدائية القديمة .. وكان يعمل أمينا لأحد فروع السلع الغذائية بوزارة التموين .. ولم يكن له أي مصدر دخل آخر .. ونحن أربعة أولاد وبنت .. وقد عاش حياته بالصدق والحلال .. فعاش بسيطا ً ولكننا كنا سعداء .

- وقد توفيت أمي رحمها الله وأنا في السادسة من عمري .. وتولت تربيتنا جدتي وزوجة أبى .. والحمد لله اهتم والدي بتعليمنا .. فكان والدي يعتبر أن التعليم أهم شئ في حياتنا .. ولم يبخل علينا بشئ في سبيل أن نتعلم علي الرغم من إمكانياته المحدودة .. حتي أنه قد ألحقنا بمدارس الفرنسيسكان الخاصة في المرحلة الإبتدائي .. لأنه كان يعتقد أن التعليم العام فيه قصور شديد .. وكنا كسائر الأسر في الصعيد تربي أبناءها علي ترك العيب والصدق والأمانة .. وعمل الخير والصلاة وإحترام الكبير .

- ولكن كان هناك شخص هام في حياتي ولا زلت أدين له بالفضل وهو عمي .. فقد كان مثقفا ومحبا للقراءة والعلم .. وكان هو الذي أثر فيّ وفي شخصيتي .. حيث أني أخذت منه حب القراءة والعلم والثقافة .. وكان يشتري لي الكتب والمجلات لأقرأها ويشجعني علي القراءة .. لذا كنت أقضي كثيرا ً من أوقاتي في مكتبة مجلس المدينة في الأقصر .. وكنت أستعير منها الكتب .. وكبرت معي هذه الهواية فكنت أنفق مصروفي علي شراء المجلات والكتب .. وإذا تعذر معي ثمن كتاب أو مجلة كان عمي يسرع بإعطائي ثمنه .. ولازلت حتي الآن أشغل وقت فراغي بالقراءة .

- التحقت بالجماعة الإسلامية في زمن الدعوة الجميل .. فكيف كنت تري صورة العمل الإسلامي وقتها  .. وما هي المعاني الجميلة التي عشتها في مرحلة الدعوة ؟

- نعم عرفت الجماعة الاسلامية في بداية حياتي الجامعية  في الأقصر .. حيث  كانت الأقصر من أكبر مراكز قنا في العمل الجماعي وعدد الإخوة وأنشطتها الدعوية والعلمية .

- وكان مسجد صلاح الدين منارة للعلم والدعوة علي الرغم من قصر الفترة التي ظل الإخوة متواجدين فيه .. ففيه دروس العلم والتجويد والقرآن .. وكان يعقد فيه اللقاء الأسبوعي والذي حرص فيه الإخوة القائمون علي الدعوة علي إحضار قيادات الدعوة المشهورين في سائر المحافظات .

- فقد شاهدنا في الأقصر الشيخ الدندراوى .. والشيخ أحمد البدري .. والشيخ رجب حسن .. والشيخ عمر .. وكثير غيرهم .

- ومن المسجد انطلقت قوافل الدعوة في القري تبصر الناس بأمور دينها .. ولقد عشت معاني جميلة في الدعوة إلي الله في تلك الفترة .. حيث كان الحب في الله والاجتماع علي طاعته .. وفرحة أنك تجد إخوة لك يعينونك علي طاعة الله .. فكانت بحق أياما ً جميلة .

- أنت رجل درعمي  نبتت في أصولك لغة العرب نبتا ً كريما ً مباركا ً .. فحدثنا عن سر التحاقك بدار العلوم .. وكيف تري العمل الاسلامي في تلك الكلية ؟

- لم يكن يخطر لي علي بال أن ألتحق بدار العلوم .. ولكن بعد نجاحي في الثانوية العامة كان هناك جار لي وكان رجلا ً ملتزما ً .. فأقنعني أن أدخل هذه الكلية حيث أني سأدرس العلوم الشرعية .. وأتعلم ديني .. فتوافق ذلك مع رغبتي بأن أدرس في القاهرة حيث أني كنت أحب القاهرة والعيش بها .. ففضلت دار العلوم جامعة القاهرة .. وكانت كلية ليس لها نظير في الجامعات الأخرى آنذاك .

- وعندما شددت الرحال إليها وجدت عالما ً آخر غير الذي كنت أعيش فيه .. ووجدت الكلية تموج بتيارات  إسلامية مختلفة عكس ما هو في الصعيد .. حيث أنه كان لا يوجد وقتها أي تيار سوى الجماعة الإسلامية .. ولكن كان التيار المسيطر هو تيار الإخوان بالإضافة إلي السلفية .

- وكان العمل في الكلية يسع مختلف الأفكار .. وكان أكبر عدد من الملتزمين بمختلف انتماءاتهم في الجامعة تجده في دار العلوم .. وساعد علي ذلك طبيعة الدراسة في الكلية .. بالإضافة إلي ذلك كانت الكلية تحوي بين جنباتها ثلة من أفاضل علماء مصر في اللغة العربية .. والعلوم الشرعية .. ولا زلت أذكر كثيرا ً من أساتذتي الأفاضل مثل : الدكتور /عبد الله شحاتة - رحمه الله- والدكتور/ عبد الصبور شاهين .. والدكتور/ محمد السيد الجليند .. والدكتور/ محمد بلتاجي .. والدكتور/ عبد الرحمن السيد .. وكثير غيرهم أسال الله أن يجزيهم عني خيرا .

- عشت في السجون سنين عددا .. وذقت من مرها وحلوها .. فهل لنا أن نعرف كيف رأيت المحنة .. وكيف صنعت فيك رجلا ً حنكته التجارب والصعاب ؟

- الحمد لله رب العالمين علي نعمه التي لا تحصي .. وعلي كرمه الذي لا ينسي .. فقد عشت في السجن 13 عاما ً وذقت وإخواني من مرها الكثير والكثير .. ولكن الحمد لله علي كل حال .. فقد كانت محنة عظيمة ولولا معية الله معنا ما صبرنا وما  خرجنا أحياء .. وما خرجنا بهذه الروح الإيمانية العالية .. ولكن الله بلطفه وكرمه كان ينزل علينا سكينته في أحلك اللحظات .

- وأنا الآن لا أصدق حين استرجع بذاكرتي أيام المحنة  .. وأسأل نفسي كيف مرت وكيف صبرنا ؟! .. وكانت تلك الأيام كفيلة أن تذهب لب ذا اللب .

- ولكن بفضل الله ثم بفضل بعض مشايخنا في السجون استطعنا أن نحول تلك المحنة إلي منحة .. فقد حفظنا كتاب الله وهذا من أجل نعم الله عليّ  .. ولو لم يكن لي غيرها لكفت .

- أيضا تعلمت من تلك المحنة كثيرا ً من المعاني التربوية ومنها : شكر النعمة حتي ولو كانت يسيرة للناظر .. وأضرب مثلا ً لذلك وهو : عندما كنا في سجن وادي النطرون وكنا لا نخرج من الغرف مطلقا ً إلا للزيارة أو المستشفي .. فكنا نحلم أن نخرج للشمس ولو لدقائق معدودة .. وكان الأخ الذي يخرج ويعود يصف لنا فرحته بجلوسه في الشمس دقائق قليلة .. وعندما كان يدخل لنا شعاع من الشمس في الغرفة نفرح كثيرا ً ونتسابق للجلوس في ظله .. فكانت الشمس التي تنير الكون يوميا ً ويتقلب الناس فيها كانت حلما لنا  .

- وأيضا تعلمت حفظ الفضل لصاحب الفضل .. وكثير من الإخوة لهم عليّ أياد بيضاء أسال الله أن يوفقني لرد جميلهم و صنائعهم  .

- أيضا ساعدتني تلك المحنة علي  هدوء الفكر والرويّة .. والنظر للأمور نظرة شاملة وحسن تقديرها .. والصبر علي المكاره بفضل التجارب الكثيرة التي خضناها .

- جاءت مبادرة وقف العنف والمراجعات التي قامت بها الجماعة الاسلامية بمثابة نقطة تحول في حياتك كيف كان ذلك ؟

- نعم كانت نقطة تحول في حياتي .. وإني لأشبهها برجل غارق في لجة من ظلام البحر وظلام الليل .. وإذا بضوء ينير فجأة  .. ويد تمتد لتأخذ بيده إلي شاطئ الأمان .. ولو لم يكن من ثمار المبادرة إلا وقف نزيف الدماء .. وإنقاذ الإخوة من هلاك السجون لكفي بذلك نعمة عظيمة  .

- خرجت من السجن ورجعت إلي مهنة التدريس وهي مهنة شاقة وممتعة ..  فحدثنا كيف تجد نفسك فيها  ؟

- نعم كما قلت هي مهنة شاقة وممتعة في الوقت نفسه .. فهي شاقة لما يقاسيه المعلم من متاعب وصعاب في طريقه .. وأنت تعلم أن من أصعب الأمور أن تصنع  وتربي نفسا ً فإن ذلك يحتاج إلي وقت طويل .. وصبر شديد .. والواقع لا يساعدك علي ما تقوم من ظروف مادية .. ومناهج تربوية غير سوية .. وإهمال الآباء في تربية أبنائهم .

- وهي مهنة ممتعة .. لأنك حين تجد ثمار عملك في إنسان صالح أو طالب نابه صنعته يداك يفيد نفسه ووطنه .. تشعر عندها بلذة شعورية لا يتذوقها إلا من قام بمثل ما قمت به .

- وعندما عدت إلي التدريس وكلي أمل في أداء رسالتي .. صدمت بالواقع الأليم في المدارس حيث لا علم .. ولا تربية .. ولا مناهج  .. وكأنه يراد لهذا البلد أن يدمر مستقبله بتدمير تعليمه .

- اليوم يرفعون من المعلم كل وسائل العقاب بقوة القانون .. فكيف تري التعليم بغير عقاب .. وما هي المتاعب التي تعانيها كرجل تعلم الاجيال ؟

- هم يريدون أن يخربوا هذا البلد بتخريب التعليم .. والذي سن قانون منع الضرب في التعليم لم يرد الخير بالتلميذ .. بل أراد به الشر .. فمن بديهيات السياسات التعليمية أنك حين تضع منهجا ً تربويا ً أن يكون في يد المربي مبدأ الثواب والعقاب .

- فكيف يستقيم الأمر في يد المربي إذا لم يكن في يده وسيلة للعقاب إذا أخطا المتعلم .. وأنا أعيش كمعلم في خضم العملية التعليمية فلو غلت يدي عن عقاب التلميذ فستكون فوضي .. ولن أستطيع أن أؤدي واجبي علي الوجه الأكمل .

- وضع نفسك مكاني .. فإذا دخلت الفصل ووجدت طالبا ً مشاغبا ً .. أو يضرب زميلا ً له والضرب غير مسموح لك .. وأيضا ممنوع فصل الطالب في مرحلة التعليم الأساسي  .. وممنوع أن تخرجه من الفصل فقل لي ماذا ستصنع تجاه هذه المشكلة  ..وهل تتوقع بعد ذلك أن يحترم التلميذ أستاذه ؟

- هل تري أن منع العقاب نهائيا  وبكل درجاته وفي كل الظروف وعلي كافة المستويات من المدرس حتي المدير أضر بالعملية التعليمية ؟

- إن منع العقاب في المدارس كارثة تهدد التعليم .. وتحط من قدر المعلم في نظر تلاميذه .

- ويخرج أحدهم ويقول لك عالج الطالب بخبرتك ومهارتك التربوية .. ولكن لا تضرب .

- وأنا أقول له اترك الغرفة المكيفة التي تجلس فيها .. والكرسي الوثير الذي تجلس عليه .. وأنزل مكاني وأرني ماذا تفعل ؟

- سيدي الكريم إننا معاشر المعلمين نعاني كثيرا ً في المدارس من سوء أخلاق التلاميذ .. وازدياد العنف بينهم بشكل مروع .. فلا يكاد يمر أسبوع إلا ونحمل طالبا ً أو أكثر إلي المستشفي من جراء العنف المتبادل بين الطلاب .. فكيف يا سيدي نفرض هيبتنا علي الطلاب في ظل عدم وجود وسيلة عقاب رادعة ؟

- فنحن نعاني معشر المعلمين من مشاكل كثيرة : منها قلة الراتب .. فهو قليل في ظل الظروف الصعبة التي نمر بها .. وازدياد الأسعار الجنوني .. وقارن بين دخل أي موظف في أي جهة أخري .. وبين دخل المعلم تجد البون شاسعا ً .

- فكيف تتوقع مني جهدا ً وعملا ً وأنا مرتبي لا يكاد يكفيني .. لا حياة كريمة .. وأيضا كما سبق أن قلت ازدياد العنف بين الطلاب وتجرؤهم علي المعلمين .. وإذا ضربت طالبا ً أو عاقبته .. فلن يقف معك أحد .. وكنا في الماضي عندما يعاقب المعلم الطالب ويذهب الطالب إلي أبيه يشكو له .. كان الوالد يضرب ابنه ويقول للمعلم القولة المشهورة   ( اكسر وأنا أجبس ) .

- أما الآن إذا ضربت طالبا ً لا تأمن أن يشكوك والده للنيابة .. ولا أبالغ فقد حدث معنا هذا في المدرسة التي أعمل بها ( فقد قام زميل لنا بعقاب طالب علي شغبه .. وهذا الطالب معروف عندنا جميعا ً بسوء أخلاقه .. ودائم الرسوب .. فما كان من ولي أمره إلا أن قام بعمل محضر في القسم ضد المدرس .. وجاء المخبرون في مشهد مؤسف ليصطحبوا زميلنا إلي القسم .. ولولا أن تدخل بعض الزملاء ممن يعرفون ولي أمر الطالب .. وقدم المعلم اعتذاره لولي أمر الطالب .. لحدث مالا يحمد عقباه .

- بالله عليك كيف يعمل المعلم في ظل هذه الظروف ؟ وكيف تطلب منه ثمرة طيبة لعملك ؟

- أيضا خذ قصة أخري ( أحد مديري المدارس قام بعقاب طالب لأنه جمع زملائه وأمسكوا بطالب آخر ووضعوا في فمه شطة .. فقام المدير بمعاقبتهم .. فقام أحد أولياء أولئك الطلاب بشكوى المدير في النيابة الإدارية .. فقامت النيابة بتوقيع الجزاء علي المدير وخصم ثلاثة أيام من راتبه .

- شعرت من كلامك أن التعليم في مصر في محنة ومأزق .. فكيف تري صورة التعليم الآن .. وأرجو أن تحدثنا عن نماذج مما تراه كل يوم ؟

- التعليم في مصر الآن سيئ للغاية .. ويسير إلي الأسوأ .. وتعال معي ننظر إلي العملية التعليمية من خلال أركانها الأربعة : المعلم – المتعلم – المدارس – المناهج .. لكي نعرف ونقيم التعليم في مصر وإلي أين يسير .

- أولا : المعلم وقد حدثتك عما يعانيه من مشاكل .. والكثير من المعلمين الآن لجأوا إلي الدروس الخصوصية رغبة في تحسين دخلهم في ظل قلة رواتبهم .. وأصبحت الدروس الخصوصية كوباء انتشر في مصر .. بل أصبحت ثقافة الدروس الخصوصية هي الغالبة علي أفكار الشعب المصري .

- فالناس تعتقد أن أبناءها إذا لم يحصلوا علي درس خصوصي فهم لا محالة راسبون .. علي الرغم أن أبناءهم قد يكونوا متفوقين ولا يحتاجونها .

- وأصبحت الدروس عبئا ً علي أولياء الأمور الذين ينفقون المليارات علي الدروس الخصوصية .. وأيضا ً عبئا ً علي الطلاب الذين ما يكاد أن ينتهوا من يومهم الدراسي إلا ويبدأ يوم دراسي جديد من الدروس الخصوصية  بعد المدرسة.

- وقد حكي لي زميل يعمل في مدرسة ثانوية أنه وجد طالبة نائمة أثناء الحصة فسألها هل أنت مريضة  فقالت : لا ولكني لا أستطيع النوم إلا هنا في المدرسة .. فيومها تقضيه في الانتقال من درس خصوصي إلي آخر .. ولا يوجد وقت للنوم إلا في المدرسة  .

- و كما قلت أصبحت ثقافة عامة .. وساعدهم علي ذلك انعدام ضمائر كثير من المدرسين .. وعدم شرح الدروس لطلاب الفصول .. بل وإجبارهم الطلبة علي أخذ دروس خصوصية عندهم .. فالتعليم أصبح بمقابل وإن لم تدفع فلا تعليم  .

- إذا كان هذا رأيك في المدرس فما رأيك في الطلبة هذه الأيام وهو القسم الثاني من أقسام العملية التعليمية  ؟

- المتعلم أو التلميذ وكما قلت لك من قبل أصبح كثير من الطلاب في غاية السوء أخلاقيا .. فلم تعد هناك هيبة للمدرس في نفس الطالب .. وأصبح الطالب يتجرأ علي مدرسه .. بل ويصل إلي حد الضرب لمدرسه .. وهذا حدث أيضا ًعندنا حيث قام أحد الزملاء بنهر طالب علي سلوك سيئ ارتكبه .. فما كان من الطالب إلا أن قام هو ومجموعة من الطلاب بضرب المعلم ضربا ً مبرحا ً .

- وقصة أخري حدثت  في مدرسة تعمل بها شقيقتي .. حيث قام معلم الكمبيوتر بنهر طالب ولم يضربه .. فما كان من الطالب إلا أن شكا لأخيه فجاء الأخ إلي المدرسة وقام بضرب المعلم أمام زملائه .. والكثير من الحكايات التي لا يتسع لها المقام .

- وكما قلت لك : فقد ازداد العنف بين الطلاب في العشر سنوات الأخيرة بصورة كبيرة جدا ً وأصبح هو السمة الغالبة علي سلوك الطلاب .. وأصبحنا نري سلوكيات يفعلها الطلاب كانت بالأمس لا يفعلها إلا قلة من الطلاب لا يقاس عليهم .. أما الآن فأصبحت الكثرة من الطلاب يقومون بها بلا حياء  .

- ومثال علي ذلك : هل تتصور أخي الكريم أن طالبا في الاعدادي يشرب المخدرات والبانجو .. ولا يسير إلا والمطواة  في جيبه .. وهذا ليس مبالغة بل هو واقع فعلا ً في محيط عملي .

- بل والأدهى من ذلك أن وجدنا أحد الطلاب في مدرستي التي أعمل بها .. معه موبايل ( محمول) .. وقد سجل عليه فيلما ً إباحيا ً ويقوم بتمريره علي زملائه .. هذا يحدث في المدارس  الإعدادية في الصعيد .. فما بالك بغيرها  .

- بل خذ هذه القصة .. فقد ضبط أحد زملائنا في مدرسة إعدادية للبنات .. وأكرر إعدادية للبنات طالبة قامت بتسجيل فيلم إباحي علي المحمول .. وراحت تؤجره لزميلاتها بأجر معين .

- أما إذا نظرنا إلي الطالب من الجانب العلمي  .. فحدث ولا حرج الطلاب يأتون إلينا في الإعدادي لا يجيدون القراءة والكتابة .. فكيف لي أن أقوم بتعليمهم منهج الفصل الدراسي .. وهو لا يستطيع أن يكتب اسمه .. نعم لا يستطيع كتابة اسمه .

- وأنا في الفصل الذي أعمل به لا أجد إلا خمسة طلاب فقط .. هم الذين و يكتبون ويقرأون بشكل جيد .. والباقي يتجاوز عدده الأربعين لا يعرف الكتابة .

- هل يمكنك عرض بعض الأمثلة التي تؤيد رأيك هذا وتعضده ؟

- نعم يا أخي .. هذه بعض القصص التي رأيتها بنفسي وهي تدمي القلب لتعرف إلي أين يسير التعليم في مصر .

- في امتحان آخر العام - السنة الماضية -  وبعد توزيع أوراق الإجابة وجدت أن طالبا ً معه ورقتان فسألته عنهما فقال إنها ورقة زميله الذي بجواره أعطاه إياها ليكتب له اسمه حيث أنه لا يعرف كتابة اسمه.

- وموقف أخر وقفت في امتحان آخر العام لأملي علي التلاميذ قطعة الإملاء فرحت استهجي الكلمات حرفا ً حرفا ً .. فوجدت الكثير من الطلاب لا يكتبون فسألتهم .. فقالوا لا نعرف أن نكتب .. فهم لا يعرفون بعض الحروف .. وإذا ذهبت إلي الدبلومات .. فحدث ولا حرج آلاف من الطلاب يتخرجون كل عام ولا يجيدون القراءة والكتابة .

- فماذا عن المدارس .. وخاصة مدارس القرى التي تعاني كثيرا ً من نقص الإمكانيات ؟

- نعم يا أخي لنترك مدارس المدن وننزل إلي مدارس القرى والنجوع .. تري المدارس متهالكة .. والمقاعد لا تكفي عدد الطلاب.. مع انعدام المرافق العامة .

- أما عن المدن فالكثير منها يحتاج إلي كثير من المرافق والمنشأت .

- فماذا عن المناهج التعليمية .. وهي ركن أساسي في العملية التعليمية كلها ؟

- للأسف المناهج الموجودة لا تصنع شخصية .. ولا تربي فردا ً  .. ولا تنشأ جيلا ً سويا ً .. مناهج غير مطابقة لديننا وتصوراته نحو الكون والحياة .. مناهج مشوهة استوردوا معظمها من الخارج .. تقتل النخوة بدعوى التسامح مع الغير .. تلغي الفروق بين المؤمنين والكافرين بدعوى احترام الآخر .

- مناهج لا تصنع جيلا ً محبا ً لله ورسوله .. جيلا ً بلا عقيدة واضحة .

- انظر إلي كثير من المفاهيم التي غيروها حيث استبدلوا المحرمات بالممنوعات .. كما حذفوا من كثير من المناهج غزوات الرسول – صلي الله عليه وسلم – والصحابة  .

- أين بناء العقيدة الصحيحة  في المناهج ؟

- أين سيرة الرسول العظيمة ؟ .. وسيرة صحبه الكرام ؟

- أين تاريخنا المشرف بعد أن شوهوه وجعلوا العصر العباسي الزاهر عصر مجون وفسق ..  وجعلوا الخلافة العثمانية احتلالا ً ؟

- هل يمكنك أن تضرب لنا مثالا ً واقعيا ً علي ما تقول ؟

- نعم اضرب لك مثالا ً بسيطا ً (في كتاب عقبة بن نافع المقرر علي الصف الأول الإعدادي عندما همّ سيدنا عقبة ببناء القيروان فاختار بقعة مليئة بالسباع والحشرات .. ووقف فيها ونادي بصوته أيتها السباع إنا أصحاب رسول الله فارتحلوا فخرجت السباع والحشرات من جحورها وتركت المكان ) فحذفوا تلك الفقرة ( إنا أصحاب رسول الله ) كرهوا ذكر تلك المعجزة .. وكثير من التحريف لعلي في وقت لاحق أن أعد ملفا ً عن التغيير الذي حدث في المناهج .

- هذه سيدي باختصار أركان العملية التعليمية في مصر وأترك للقارئ أن يتخيل مستقبل التعليم في مصر .

- كيف تري جدوى الخطط والمناهج المعدة الآن لتطبيقها في العملية التعليمية لتطويرها وتحسينها مع الواقع الذي نعيشه الآن ؟

- إذا وسد الأمر إلي غير أهله فلا تنتظر خيرا ً .. أخي الكريم قبل أن تسأل عن الخطط .. فسل عمن وضعها أولا ً .

- إن وزارة التربية والتعليم وزارة من لا وزارة له .. انظر إلي وزيرها وما تخصصه سيدي الكريم في خلال العشرين عاما ً الماضية .. لم يتول الوزارة وزير واحد من المعلمين الذين مارسوا التعليم وخبروه وعرفوا مشاكله .

- فكيف يا سيدي يتولي التعليم مهندسا ً كالوزير الحالي .. أو محاسبا ً .. أو طبيب أطفال .. أو أستاذ في القانون الجنائي كالوزراء السابقين .. وأني ّ لهم أن يضعوا خططا ً لعملية تعليمية ليس لهم بها خبرة ولا دراية .. وليس تخصصهم ويتركون من خبروا التعليم وعاشوا فيه سنينا ً طوال .

- وهل سمعت من قبل أن وزارة الصحة تولاها مهندس .. أو أن وزارة النقل تولاها طبيب أطفال .. أو أن وزارة الأقتصاد تولاها أستاذ قانون جنائي  ؟!

- لماذا وزارة التعليم بالذات تخضع للأهواء ويتولاها من ليس منها .

- أما عن الخطط  فلا يمكن أن تضع خطه قبل أن تدرس الواقع .. ولكن جهابذة التعليم في الوزارة الجالسون علي مقاعدهم الوثيرة في الغرف المكيفة يستوردون خططا ً مستوردة لا تتناسب مع واقعنا .. ويأمرون بتطبيقها دون نقاش .

- ولا يلبث أن يذهب الوزير حتي تلغي ويضعون خططا ً أخري .. وهكذا .

- وما قصة سادسة ابتدائي عنا ببعيد .. ثم إنه عندما تضع خطة لا بد لها من استمرارية  .. ولا ترتبط ببقاء الوزير في منصبه .. والآتي من الوزراء عليه أن يقوم باستكمال ما سبق من خطط .

- ولكن هنا في مصر بلد العجائب تكون الخطط مرتبطة بالوزير وجودا ً وعدما ً .

- هل تضرب لنا مثالا ً عمليا ً علي تغير الخطط مع تغير الوزير ؟

- نعم أضرب لك مثالا ً هذا العام .. تقرر العمل بمنهج التقويم الشامل في الصف الخامس الابتدائي .. والصف الأول الإعدادي .. ثم فوجئنا بالآتي :

- أولا ً : مر حتي الآن أكثر من شهر ونصف  علي بدء  العام الدراسي .. ولا ندري شيئا ً عن هذا المنهج .

- وأخيرا : قاموا منذ يومين بتدريبنا علي هذا المنهج بعد شهر ونصف .. أما عن المنهج نفسه فهو منهج وتصور خيالي في ضوء واقعنا .. فكيف أطلب من الطالب أن يأتي بأبحاث من علي النت وهو لا يستطيع أن يدفع المصاريف ولا يجيد القراءة أصلا ً فضلا ًعن استخدام الكمبيوتر .

- وإني أجد طلابا ً لا يجدون حذاء ً يلبسونه كي يأتوا به إلي المدرسة .. وكيف أطلب منه صنع لوحة وليس معه ثمن ساندوتش يأكله ..  مع العلم أن تلك الأشياء عليها درجات تقارب ربع درجة الامتحان النهائي  .

- هل تري المدرسة وحدها كافية لإنشاء أجيال صالحة ؟

- عملية التربية عملية صعبة وشاقة ولابد من وجود أطراف كثيرة تساهم بمجهودها معا في صنع شخصية سوية صالحة .

- أولا ً : البيت .. ثم المدرسة والمناهج الموضوعة .. ثم الصحبة الصالحة والبيئة التي يعيش فيها .. ومنظومة الأخلاق والقيم التي يتلقاها الطالب في حياته من خلال الاعلام الذي أصبح له دور كبير يتجاوز دور المدرسة وجميع الأدوار في تشكيل أفكار ووجدان الفرد وأي خلل في تلك العناصر يؤثر سلبا علي عملية بناء الشخصية السوية الصالحة .

- فالمدرسة وحدها لا تكفي وتخيل مثلا لو إنك ربيت التلميذ علي مفاهيم وقيم صحيحة في المدرسة .. فإن القنوات الفضائية  قد يهدم في ثواني ما قمت به في شهور .. أو أنك علمت التلميذ أن  الصدق فضيلة ثم رجع إلي البيت فوجد أمه تكذب علي أبيه  ماذا تتوقع منه ؟ .

- ماذا علي المدرسين من وجهة نظرك ؟

- علي المعلم أن يعلم أن التعليم رسالة وأمانة وأن مستقبل الأمة بين يديه .. فيجب عليه أن يكون مقتنعا بمهنته .. بمعني أن يكون محبا ً لمهنة التدريس مستعدا أن يبذل فيها كل جهده .. فإن كان لا يحبها فعليه أن يتركها لأنه لن ينجح في مهمته .. وعليه أن يراعي الله في عمله .. فللأسف بعض المدرسين شوهوا صورة المعلم في نفوس الطلاب وفقدوا احترام طلابهم  بتكالبهم علي المال والدروس الخصوصية .

- الشيخ محمد أنت رجل هادئ الطباع قليل الكلام كيف تصنع وقد امتلأت المدارس بالشغب والفوضي ؟

- كما يجب أن يصنع المدرس وكما تعلمنا نحن في صغرنا  أستخدم العصا كي أفرض النظام والهدوء حتي أقوم بعملي .. فلا حل إلا ذلك .

- وكما قال الشاعر :

فقسا ليزدجروا ومن يك حازما **** فليقس أحيانا علي من يرحم .

-  ولكن الأمر لابد له من حل .. وعلي المعنيين بالأمر ورجال التربية والتعليم أن يناقشوا ملف الشغب والعنف ويدرسوه جيدا ً ويبحثوا تلك الظاهرة ويضعوا الحلول لها عاجلا ً.. فإن الأمر جد خطير ولو استمر الحال علي ذلك فالنتائج كارثية .

- بماذا تنصح إخوانك المدرسين في ظل أزمة التعليم في مصر  ؟

- أنصح إخواني أن يجتهدوا في عملهم ويحاولوا أن يسخروا إمكانياتهم قدر استطاعتهم في المساهمة في بناء جيل جديد .. وأن يهتموا بالنوابه والنوابغ من تلاميذهم .. ويحرصوا قدر استطاعتهم في تربية الطلاب علي حب الله ورسوله وصحابته ويغرسوا في نفوسهم الخوف من الله .. حتي وإن خرجوا عن المناهج التي يدرسونها فالمعول عليهم في بناء أجيال صالحة .

- كيف تري حاجة الساحة إلي شباب صالح يأخذ بأيدى العصاة إلي طريق الله ؟

- الساحة في أشد الحاجة إلي شباب صالح يهدى ويرشد .. فلم يبق إلا ذلك .. فالمناهج التعليمية والإعلام يخرب أيما تخريب في عقول ووجدان وأفكار النشء .. والبيت مشغول بالبحث عن لقمة العيش .. والشباب تائه وحائر وفي أشد الحاجة لمن يأخذ بيده .

- وإني لأرجو أن تتسع الساحة للمخلصين ليقوموا بدورهم الهام جدا في بناء وتربية  النشء وهدايتهم لما في الخير لأنفسهم ولدينهم ولوطنهم.

- وختاما فقد أسعدني الحوار معك .. وأرجو أن يكون هذا الحوار هو نقطة البداية للخروج من الصمت إلي إمتاعنا بمقالاتك وحواراتك وأفكارك .. لك منا ومن جميع القراء خالص الحب والشكر والثناء .

 

حاوره وقدم له: الشيخ / رجب حسن


الإسمعصام عز
عنوان التعليقتحية
تحية للشيخ رجب حسن والأستاذ محمد أبوالجاج على هذا الحوار الطيب وجزاكم الله خيراً.


عودة الى اللقاء الأسبوعي

حقوق النشر محفوظة
islam - islamic - muslim - egypt - egyptian - islamicgroup - group - religion - gamaa - jamaa - islamia - الجماعة - الإسلامية - اسلام - مصر - الاسلامية -
Locations of visitors to this page
       ._