English
  الرئـيسـية من نحن مشرف الموقع اتصل بنا سجل الزوار
  السيرة النبوية: خواطر معاصرة من السيرة - من التاريخ: يوميات مواطن عادي -124- وبقي الكثير من ثورة يوليو.. والحمد لله - الدفاع عن الإسلام: الاختراق الشيعي للطريقة العزمية.. والشيخ/ سلامة يقول أوقفوا بيع مسجد السويس - الذين سبقونا: العطيفي أسطورة الدعوة والصبر - الذين سبقونا: الدكتور عبد الله شحاتة .. العالم الرباني والجاذبية الدعوية - متنوعات: معاكسة البنات.. رؤية من قلب الشارع المصري - متنوعات: وأخيرا ابتسم الصعيدي.. وزواج مريم يبث السعادة في قلب زعيم المعتقلين.. الفرح ينزل قوص أخيرا - من التاريخ: خميس والبقري.. وضباط يوليو ولك الله يا مصر - اللقاء الأسبوعي: د/ رفيق حبيب في حوار هام: الجميع احتمى بالشريعة الإسلامية.. الأقباط والدولة - اللقاء الأسبوعي: اذهب وأكمل نومك .. ج8 من حوارنا مع د/ محمود جامع - الذين سبقونا: مهلاً أيها الجهّال ؛ إنها أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها . - الذين سبقونا: الصحابي الجليل.. أبي سفيان بن الحارث. - الأسرة المسلمة: نشرة أحوال المجتمع المصري: نواب العلاج إلى أين؟.. ورجولة ضابط شرطة.. وجدو (وصراع القطبين) -  
الاستطــــلاع
تصرف نواب مجلس الشعب فى قضية العلاج على نفقة الدولة
خدمة للمرضى
اهدار للمال العام
دعاية انتخابية
استعلال نفوذ
اقتراعات سابقة
القائمة البريدية
ادخل بريدك الالكترونى
القرآن و علومه
الحديث وعلـومه
الأخبار
  • نشرة اخبار مصر .. الخميس 29 يوليو 2010
  • النشرة الأقتصادية.. الخميس 29يوليو 2010
  • مقالات
  • فقه النهوض, لعنتان أصابتا مصر وضربتا سيناء, نهر النيل..تاريخ وحضارة
  • أقوال الصحافة من القدس العربي.. حسنين كروم
  • الأحكام
  • على هامش قضية الزواج الثاني عند الأقباط .. شريعتنا لم تقل: "فاحكم بينهم بما يدينون"
  • التأمين التعاوني .. البديل الشرعى للتأمين التجارى
  • الفتاوى
  • جواز ترشيح غير المسلمين في المجالس النيابية.
  • الحد الفاصل فيما يحل بالذبح وما لا يحل.
  • اللقاء الأسبوعي

    قزم يعمل وينفق على نفسه .. ويسعد ويحل مشاكل من حوله

    الاخ على واسرته عاش تجربته فتحي البسيوني

    في يوم من الأيام كنت ذاهبا من بلدتي مصطاي إلي مدينة قويسنا، وبينما أنا جالس في السيارة أتأمل الطريق من خلال زجاج السيارة وأنتظر الوصول إلى غايتي إذ بى أرى شيئا ً عجيبا ً غريبا ً  لم أره من قبل..  فقد سمعت صوت رجل بالغ  ولما نظرت إليه وجدته في هيئة طفل صغير لا يتعدي طوله الخمسين سنتيمترا..فأخذتني الدهشة .. وقلت في نفسي سبحان الله  ما هذا الذي أراه ؟!

     لقد وجدته رجلا ً  في هيئة طفل وله صوت رجل بالغ.. ولما دققت فيه نظري مرة آخري زاد عجبي واستغرابي وقلت سبحان الله .. هذه أول مرة أرى رجلا ً بهذه الهيئة الغريبة.

    ولما سألت الرجل الجالس إلى جواري  عن هذا الرجل القزم ؟

    فقال  لي إنه فلان .. وهو شاب في صورة طفل .

    شغلت قصته علي ّ كل فكري ومشاعري .. وودت أن أعرفه عن قرب.. وسارت السيارة وطوال الطريق وأنا أفكر في هذا الرجل ماليا ً..وأتعجب من النعم التي أنعم الله بها علينا ولا يعرف قدرها إلا من حرم منها.

    فالمرء منا عادة لا يعرف النعم إلا إذا كانت في المال والزوجة والسيارة ومثلها من النعم المادية.. ولكنه لا يعرف أن طول القامة أو قصرها والسمع والبصر والإحساس وهيئة الإنسان كلها مع الصحة هي من أكبر النعم إلا  إذا ما فقدها وذاق مرارة فقدانها فعشت وقتها بقلبي ومشاعري مع قوله تعالى 

    " وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا ".

    حمدت الله علي نعمه العظيمة  علينا وخجلة من نفسي ومن غفلتي وغفلة غيري عن نعم الله العظيمة.. وقررت يبني وبين نفسي أن أزور هذا الرجل في بيته وأتعرف عليه عن قرب..  لعلي أكون سببا ً في إسعاده ولو بشيء يسير.. وأرى كيف يعيش راضيا ً.. وكيف يتعامل مع الناس .. بل وكيف يأكل ويشرب وينام ويتكسب ويواجه الحياة ؟.

    وفعلا ً..  اتصلت بأحد أقاربه وحدد لي موعدا مع هذا الشخص وأسرته في بيتهم بعد صلاة العشاء.

    وفي بيت متواضع مبني بالطوب اللبن القديم وله سقف من البوص ويتكون من أربع غرف استقبلتني أسرته في الغرفة التي ينام فيها ورحب بى والده وأشقاؤه.

    وفي البداية  قمت بالتعرف عليه وعلي أسرته .. وتحاورت مع أفراد الأسرة جميعا ً مع والده ووالدته وأشقائه ومعه أيضا ً.. فكان هذا الحوار.. وقبله أود أن أعرفكم على بطل قصتنا الأخ / على إبراهيم عن قرب.

    الاسم: علي إبراهيم بكر عطية

    السن: 19 سنة

    الطول: خمسة وأربعين سنتيمترا.

    الذراع من أول أصابعه إلي الكتف عشرون سنتيمترا.

    أصابع اليد الواحدة ثلاث سنتيمترات.

    والرجل من أول الكعب إلي أعلى الفخذ خمسة وعشرون سنتيميترا..

    الوزن عشرون كيلو ..

    أما الأسرة فبياناتها كالتالي:

    الوالد: إبراهيم بكر عطية

    المهنة: فلاح

    العمر: 55 سنة

    الأم: صباح علي موسي

    المهنة: ست بيت

    العمر: 49 سنة

    الأشقاء :  بكر عمره ثلاثون سنة ومتزوج

    محمد 27عمره سبع وعشرون سنة ومتزوج

    وكل واحد من هؤلاء يسكن في غرفة من غرف البيت نفسه.

    وبدأت أتحدث مع الأسرة  فسألت الوالد.. هل توجد قرابة بينك وبين الزوجة ؟

    قال: هي بنت خالي.

    حدثني عن حالتكم الاجتماعية والاقتصادية؟

    كما تري بنفسك..  البيت بسيط جدا ً  وهو مبني بالطوب اللبن ومسقوف بالبوص فقط .. وكل واحد من أولادي يسكن في غرفة مع أسرته.

    وأنا أعمل فلاحا ً في الأرض الزراعية (بالأجرة) وليس عندي أرض ملك..  ولكني استأجر بعض القراريط وعندي ماشية.

     والزوجة هي الأخرى تعمل في الأرض الزراعية بالأجرة كي تساعدني على أعباء الحياة.. والأولاد كل واحد منهم يتحمل نفقة أسرته.

    ثم سألت الأم عن علي.. هل كان حمل علي طبيعيا أم كان غير طبيعي أو حدث في أثنائه ما يقلقك؟

    نعم.. كان طبيعيا ولم يحدث لي أي تعب من الحمل..  ومدة الحمل كانت تسعة أشهر مثل باقي إخوته.

    ولكن  في الريف في الماضي الحياة كانت  متخلفة جدا ً ومعدومة الإمكانيات تماما ً .. وحالنا وقتها لم يكن مثل اليوم .

    فأمهات اليوم تتابع الحمل كل أسبوع وكل شهر عند دكتور متخصص..  ولكني كنت مثل أي امرأة تحمل في الريف قديما ً ..  يعني طوال اليوم وأنا شغل سواء في البيت أو الحقل.. حتى ميعاد الوضع فألد في أي مكان .. وكان يمكن أن تلد المرأة في الحقل وهي جالسة لتستريح من العمل.

     ومنهن من كانت تقوم بعد الولادة لتكمل أعمالها الشاقة التي لم يكن لها من يقوم بها إذا غابت عنها هي!!

    هل تعتقدين أنك لو كنت عرضت نفسك علي دكتور وطلب منك عمل أشعة وتحاليل لتعرفي حجم  ابنك علي الحقيقي  ولاكتشاف ما بجسمه من تشوهات كنت توافقين وتقدرين على ذلك ؟

    لا.. لم تكن توجد في الريف في هذا الوقت  مثل هذه الإمكانيات.. ولم يكن هناك إدراك ووعي إلي هذه الدرجة، وإنما كما ذكرت لك كانت المرأة تحمل وتضع حملها في هذا الزمن وهي في الحقل أو وهي تقوم بأعمال البيت.

     ولكن الآن المرأة من أول يوم حملها تذهب إلي الدكتور وتتابع حالتها معه إلي أن تضع حملها.

     حتى في الوحم تختلف النساء اليوم عن الزمن الذي قبله..  لقد كانت المرأة في زمننا لا تعرف معنى الوحم وإن حصل هذا كنا نأكل قطعة من الطوب الأحمر ليضيع هذا الوحم.. "والوحم هو الرغبة في القيء صباحا ً في أشهر الحمل الأولى .

    وكمعظم نساء الريف في ذلك الوقت.. مرت أشهر الحمل التسعة ووضعت علي على يد الداية كما هو معروف في القرى.

    كيف كان شعورك عند أول نظرة لمولودك علي ؟

    دائما الأم بعد الولادة تكون مرهقة ومتعبة جداً ولكنها تريد قبل أن تغيب في النوم أن ترى وجه طفلها الجديد.. وأن تعرف هل ولدت ذكرا أم أنثى.

     وقد نظرت إلي طفلي علي الذي ينام بجواري بطرف عيني لأعرف ماذا أنجبت فوجدت في أعينهم نظرة استغراب فدهشت وتساءلت: ماذا حدث؟

    فنظرت إلي مولودى فرأيته غير طبيعي في حجمه.. الرأس كبيرة وباقي الجسم كله في حجم  الرأس..  وكانت رجلاه ويداه صغيرتان جداً..  وكان طوله كله من الرأس إلى القدمين لا يتجاوز خمسة وعشرين سنتيمترا.

     وكانت الداية متعجبة لصغر حجمه وقالت لي في صوت خفيض: غدا سوف يكبر إن شاء الله لتخفف عني ..

    وكم كان وزنه؟

    أنا لم أعرف وزنه في هذا الوقت، ولكن أعتقد أنه كان يقدر بحوالي كيلو ونصف وكانت أعضائه سليمة كلها وكاملة ..

    وماذا عن الرضاعة .. هل كانت طبيعية..  أم لا؟!!!

    الرضاعة كانت طبيعية ولكني في أول الأيام لم أكن أستطيع أن أحمله لكي يرضع مني لشدة صغر حجمه.. فأعطيته ماء مذاب فيه سكر حتى بدأت أتعود علي حمله وأتمكن من الإمساك بجسمه الصغير في وضع الرضاعة.

    كيف كنت تفكرين في مصير علي وهو بهذا الشكل؟

    والله أنا في أول الأمر لم أكن أفكر في صغر الحجم وظننت أنه بعد فترة سوف يكون طبيعيا وأن هذا مجرد أمر مؤقت..  لكن بعد ذلك وجدت الحال كما هو.. ولم يحدث فيه تغير.

    متى بدأت تدركين أن هناك مشكلة وتقلقين منها؟

    الاخ على ابراهيم يقف على السريربعد سنه من الولادة بدأت أنتبه وأفكر في حالة ابني.. وجدته كما هو صغير الحجم لا يتحرك أو تظهر عليه أية علامات نمو مثل أي طفل في عمره.. فقد كان دائما ً نائما ً علي ظهره لا يتحرك يمينا ً أو شمالا ً.

    ونصحني بعض الجيران أن أذهب إلي المستشفي حيث يمكن أن يعطوني بعض الأدوية لعلاج حالته.. وفعلا ذهبت به إلي المستشفي واجتمع أكثر من دكتور حوله وقالوا ليس فيه شيئا ً .. الأعضاء كاملة وهو بحالة صحية جيدة.. ولكنه سيظل قصير القامة.. ومن يومها لم يدخل  ابني علي عند أي دكتور إلا في ظروف المرض العادية .. "ومن يومها عرفت الحقيقة.. إن ابني قزم".

    احك لنا كيف تطورت حالة علي في عمر السنتين؟

    كان علي مستمرا في الرضاعة بشكل طبيعي، وظل هكذا حتى بلغ سنتين ونصف من عمره.. كان يرضع ولكن ظل جسمه كما هو صغيرا ً.. ونموه بطيء .. فلا تصدر عنه إلا حركات قليلة ليديه ورجليه..

    أما رأسه كانت طبيعيه لكنها كبيرة جداً بالمقارنة مع حجم الجسم وكنت بعدما أرضعه ينام بجواري سواء في البيت أو الحقل، وفي هذه الفترة لم ألحظ عليه مراحل النمو الطبيعي التي يمر بها باقي الأطفال.

    هل كان فطامه طبيعيا بعد أن بدأ يأكل قليلا مثل باقي الأطفال؟

    لم يكن مثل الأطفال..  فقد تأخر في موضوع الأكل لفترة لكنه بعد ذلك تعلم كيف يأكل بشكل طبيعي.

    متى بدأ يجلس ويمشي أو يقف علي رجليه مثل الأطفال؟

    كان الجلوس صعبا عليه جداً لأن رأسه كانت أثقل من جسمه..  فلم يستطع التحكم في الجلوس أو الوقوف حتى وصل إلى سن السادسة من عمره، وبدأ شيئا فشيئا يحاول أن يجلس، وبعد ذلك بدأ يقف، وكان هذا هو الوقت الذي بدأت ملامحه تتضح وكان حجمه حجم طفل عنده سنة.

    وبصراحة أنا كدت أفقد الأمل فيه وبدأت أخشى أن يظل نائما علي ظهره طوال حياته.

    فلما تحسن وجلس قليلاً ومشي بعض الخطوات فرحت بذلك جداً وقلت الحمد لله هو أحسن من غيره.. حتى لو عرف يجلس أو يمشي يقدر يذهب إلي الحمام ويقضي حاجته بمفرده.. هذا فضل عظيم من ربنا.

    ألم تحاولي أن تلحقيه بالمدرسة بعد عمر السبع سنوات؟

    لم أفكر في ذلك لأن حالته كانت غير طبيعية ولم يكن تقدمه في النمو كتقدم أقرانه..  فلم يكن في ذلك العمر يستطيع أن يتكلم أو يمشي..  وكان من الصعب قبول أي مدرسة له.. لأن مثل علي كان يحتاج إلى مدرسة لذوي الاحتياجات الخاصة أو ما شابه ذلك.

     وكان هذا الأمر صعبا عليه وعلينا ولكن لم يكن بيدنا إلا أن نسلم الأمر كله لله.. وظل علي هكذا حتى وصل إلي سن عشر سنوات.

    وكيف كانت حياة علي بعد العاشرة من عمره؟

    بدأت ملامحه تتغير وتتقدم قدرته على المشي والجلوس، ولكن ببط شديد.

    وفي تلك المرحلة وصل وزنه إلي خمسة عشر كيلو جرام.. وبدأ يتكلم أفضل من ذي قبل..  ولكن لم يمكنه أن يمشي على نحو طبيعي.. وكنا نضع أمامه جركن بلاستك فارغ كبير الحجم فيضع يده عليه ثم يدفعه إلي الأمام وهو يستند بيده  عليه .. وهذه كانت أفضل طريقة تعلم بها المشي.. لأنه لم يقدر علي الحفاظ على توازن جسمه ورأسه معا .. فكان ينحني بعض الشيء إلي الأمام ويمشي وهو يدفع الجركن فارغا أمامه حتى وقت قريب..

    ما نوع الرعاية التي كان يحتاجها في ذلك الوقت؟ هل كان يظل في البيت وحده..  وخاصة بعدما عرفت أن حالته ستستمر على هذا دائما؟

    ماذا بيدنا أن نفعل؟ هذا قدر الله علينا.. أخذنا الأمر على نحو طبيعي جدا .. ولم يعد يشغل بالنا كثيراً فالحياة لا بد أن تسير بطريقتها الطبيعية.. نخرج إلي العمل في الحقل فنأخذه معنا ونضعه أمامنا في الشغل وهو يلعب في أي شيء أمامنا  طوال اليوم.. ثم نحضره إلي البيت بعد العمل وهكذا.. سواء معي أو مع والده..

    هل كان الخروج من البيت وحده يمثل خطرا عليه؟

    كنا نخاف عليه من الخروج وحده حتى وقت قريب..  ولكن بعد ما بدأ يفهم حياته ويعرف كثيرا من الناس بدأ يخرج وحده ويذهب إلي أي مكان.. ونحن لا نعرف أين هو..  لأنه تعرف على بعض الأشخاص وأحبوه وبدأ يتعلق بهم.. يأخذونه معهم إلي أعمالهم وينظرون إلى هذا على أنه نوع من البركة لهم ولأعمالهم.

     هل يمكنك أن تذكري لنا بعض هؤلاء الناس الذين يتعامل معهم الآن أو يعمل معهم ؟

     أهم هؤلاء هو نبيل حجاج ويسري المكاوي ورضا سعيد..  فهؤلاء كل واحد منهم يقوم بأعمال مختلفة ويأخذوا عليا معهم دائما.. لأنه بصغر حجمه وصوته الجهوري الذي لا يدل علي طوله دائما ما يشد الانتباه إليه وقد يقوم علي ابني بحل مشاكل لا يستطيع الكبار حلها.

     فمثلا نبيل حجاج رجل عنده جرار زراعي، ويقوم بحرث الأرض، وعنده مقطورة تحمل الجزر من مكان إلي مكان، فيقوم بشراء الجزر ثم يقوم بتقليعة ونقلة من الحقل من الزراعات إلي مصنع (الطرشى).. ودائما يكون عليا معه في هذه الأعمال جميعها، لأنه يقوم بتسلية العمال أثناء شغلهم سواء في التقليع طول اليوم في الحقل أو الذهاب إلي عمال الغسيل.. ويعمل عليهم ريس عمال.. ثم يذهب بالمقطورة حتى تصل إلي محلات التخليل بالمدينة.

     لأن صاحب محل المخلل كثيرا ما يعيد بعض الجرارات لعدم نظافة الجزر، فهنا يكون دور علي مع نبيل أن يقوم  بالتفاوض والكلام مع صاحب المحل فيقول له مثلا "يا عم هذا أكل عيش وورائنا ناس كثيرة بتأكل عيش من وراء هذا العمل".. وبالمزاح مع صاحب المحل  يقنعه بأخذ الجزر وعدم رده ..وهكذا يظل العمل مع نبيل طوال فترة الجزر وهي خمسة أشهر..

    وتنتهي هذه الفترة ببدء حصاد القمح ويتغير نشاط علي من الجزر إلي دريس القمح ( وهي عملية فصل التبن عن القمح) بواسطة  الجرار وماكينة الدريس، وهذه الآله يمكن أن تعمل 24 ساعة بلا توقف.. فيأخذ يسري عليا لمساعدته في هذا العمل فيتناوبان على العمل كأنه شغال في وردية لمراقبة تشغيل الماكينة ..

    فعندما يأتي الدور علي يسري في النوم بجوار الجرار يقف علي بصفارة ليراقب عمال الماكينة حتى لا يضعوا بها كميات كبيرة من القمح فيؤدي ذلك إلى تعطيل الجرار.. فكلما وضعوا حزمة كبيرة أطلق لهم الصفارة..  كي يخففوا عن الماكينة قليلا حتى لا تتوقف عن العمل وهكذا .. حتى ينتهي موسم دريس القمح وهكذا يستمر موسم القمح شهرا ونصف شهر من العمل بالتبادل مع يسري ..

    وبعد أن ينتهي من هذا الموسم يفرغ علي تماماً من الشغل فيقف في موقف السيارات فيركب مع أي شخص من سواقين التوك توك يتسلى معه طوال الوقت.

     أو يأخذه عمي رضا صاحب سيارة ميكروباص لنقل الركاب ما بين قويسنا وبركة السبع طوال اليوم وخاصة أن علي لا يسبب ضيقا في المكان – لصغر حجمه - ويظل معه طوال اليوم..  وهذا هو حال علي في التسالي مع الشغل..

    ثم انتقلت للحديث مع على نفسه وقلت له: هل أنت سعيد بحياتك العملية؟

    هو طبعا مش شغل فأنا لا أقوم بعمل معين محدد ..  وأعتبر ذلك كله مجرد تسالي مع الناس.. وتسعدني وتسري عني وعن الناس اللي بتشتغل معانا.

    هل أنت مستريح في العمل؟

    أنا مش مرتاح ولكن بقول أنا أتسلي بدلا ً من الجلوس في البيت طوال اليوم..  وأنا لا أنفع لأشتغل أي شيء .. وقد فكرت أن أعمل أي عمل بسيط مثل بقال ولكن لم أعرف أن هذه المهنة محتاجة أن تكون البضاعة قريبة مني وفي متناول يدي..  وهذا لا يمكن فلن تكون البضاعة أبدا ً كلها بجواري وفي متناول يدي.

    احك لنا يوما كاملا من حياتك؟

    يومي عادي جدا لا يختلف عن يوم شخص طويل مثلك (يبتسم).

     فأنا أستيقظ في الساعة السابعة صباحاً أستعد للخروج وأصلي الصبح وأخرج من البيت بدون إفطار، ثم أذهب إلي موقف السيارات وأدخل عند عم جميل بائع الطعمية فأفطر عنده، ثم أذهب إلي القهوة المجاورة وأشرب الشاي، ثم أنتظر من يأخذني معه في العمل حتى المغرب.. ثم أعود إلي البيت وأدخل لكي أستحم وأصلي العشاء وأجلس قليلا ً مع أهلي لأشاهد التلفزيون وأحب أن أتابع المسلسلات والأفلام، وبعد ذلك أنام في الساعة العاشرة مساء.

    ما هو شعورك وأنت في هذا السن؟ هل تشعر أن الناس تعاملك على أنك طفل صغير..  أم رجل كبير.. وأي الطريقتين أحب إليك؟

    أنا دائما أشعر أنني رجل وفي سن الشباب .. ودائما ما أتكلم وأتعامل مع الرجال سواء في الشارع أو العمل ولا يزعجني هذا ولا أجد صعوبة في التقارب مع الآخرين.

    هل تجد صعوبة في الحياة اليومية أو في النوم أو دخول الحمام مثلا ً؟

    أنا لا أشعر أن لدي مشكلة في النوم وأنا أحب أن أنام وحدي ولي غرفة خاصة وأنام بدون غطاء.. ودائما لبسي واحد في الصيف والشتاء. 

    أما بالنسبة للأكل فآكل جميع أنواع الطعام  ولكن يوجد مشكلة في تناول الطعام بالخبز (الغموس).. لأن يدي قصيرة فلا أستطيع أن آكل مثل أي شخص يمد يده إلى الطبق فتصل إليه وهو بعيد عنه ثم يعيدها إلى فمه لأن طول ذراعه مناسب لهذا العمل.

     أما أنا فألقي باللقمة في فمي لأن يدي لا تستطيع الوصول إليه.. ثم آخذ الطعام (الخضار مثلا) بالملعقة التي بها أستطيع الوصول إلى فمي.. ولذلك أفضل أكل السندوتش لأنه قريب من فمي وأجد أن التحكم فيه أسهل من الوصول إلى الطبق..

    ثم قمت بمقابلة بعض الأشخاص الذين يشاركهم علي في العمل ويأخذونه معهم دائما ً لاستطلع رأيهم في المشاكل التي تواجه الأخ/ علي في حياته وعمله.. وما هي الطرائف التي تحدث معه.. وكذلك بركاته عليهم وخيره بالنسبة لهم؟

    فقال لي نبيل: كنت آخذ عليا معي وفي مرة من المرات كنا علي الجرار ثم أردنا أن ننزل إلي مكان في الأرض الزراعية، وهذا الجزء كان مرويا بالماء فكانت الأرض مبتلة فخفت أن يقع من علي الجرار.

     فقلت له: انزل"

     فنظر إلي وقال: مش نازل".

     فأنزلته رغما عنه وهو غير راض.

     وأثناء نزوله قال لي: "إن شاء الله سوف تغرز" .

    وفعلاً عندما وصلت إلي هذا المكان غرز مني الجرار في الطين ولم نستطيع الخروج إلا بمساعدة جرار آخر.. وكثيرا ما كانت تحدث مثل هذه المواقف ويصح كلام علي..  وأنا دائما أحب أن أنفذ كلامه.. وهذا من باب البركة .

     وهناك موقف آخر يحكيه السائق رضا:

     "عندما كان علي بجواري ونحن علي الطريق الزراعي بين مصر والإسكندرية صادفت العربة لجنة مرور فأخذوا مني رخصة القيادة ولم أستطع أخذها من الضابط..  فنزل علي من السيارة وذهب إلي ضابط المرور.. وقال له لو سمحت يا باشا نريد رخصة القيادة..  وعندما رآه الضابط دهش لصغر حجمه وكلامه معه..  فأعطاه الرخصة!!

     ثم عدت لأتحدث مع الأخ / علي بطل قصتنا وقلت له: احك لنا موقفا من المواقف العجيبة والطريفة التي حدثت معك مؤخرا ً؟ .

    في يوم الأيام دخلت مني الكرة تحت السرير فحاولت أن أدخل وأحضرها.. وبينما أنا تحت السرير أحاول أن أصل إليها دخل بعض تجار المواشي مع أبي في الغرفة وهم يتحدثون عن شراء الماشية الخاصة بنا حتى وصلوا إلى سعر معين.. فما كان مني إلا أن خرجت من تحت السرير وظهرت أمامهم  وقلت لهم: "زودوا السعر شوية"

    فما كنا منهم إلا أن قاموا مفزوعين وخرجوا بعيدا عن الغرفة خائفين مني ولم يكونوا يعرفونني من قبل!.. ورجع أبي ينادي عليهم ويقول لهم لا تخافوا فهذا ابني علي .

    هل تحكي لنا موقفا ً غريبا  آخر حدث معك ً؟

     نعم .. فقد ذهبت مع أمي عند خالي في القاهرة وكان يسكن في الدور الثاني وكانت تسكن تحت خالي امرأة ولم تكن تعرفني.. ودائما كانت تصعد إلي شقة خالي لتنشر الغسيل وذات مرة وهي في البلكونة إذا بى أدخل عليها وأنا أدندن بالغناء..  فعندما رأتني أخذت في الصراخ وكادت أن تلقي بنفسها من الطابق الثاني لولا أن دخل خالي وهدأ من روعها وقال لها هو علي ابن أختي.

    وهكذا انتهى حديثي مع علي وأسرته وأنا أفكر كيف يعيش في دوامة هذه الحياة الصعبة الشاقة وهو في هذه الظروف الصحية العصيبة.. وتأملت البساطة التي أخذ بها هو وأسرته ما قد يعده غيرهم مصيبة كبرى.

    وكثيرا ً ما يشعر الناس بأن مثل هذا الابن مصيبة ويخجلون منه ومن إظهاره للناس..  بينما يتناول علي وأسرته الموضوع ببساطة ورضا بقضاء الله.. بل وبمرح في كثير من الأحيان حيث يتضاحكون حول المواقف التي تمر بهم بسبب قصر طوله.. ويعتبرون ابنهم هذا مصدرا للخير والبركة في حياتهم وحياة من حولهم من الناس.

    بل إنهم لا يشعرون أن هذا الابن عالة عليهم رغم أنه لا يتلقى أية مساعدة من أي جهة حكومية..  والذي يقوم بالإنفاق عليه هو والده – من دخله المحدود جدا - وبعض الأشخاص الذين يذهب علي للعمل معهم أحيانا.

     لقد ذهبت لأخفف وأسري عن علي وأسرته فخرجت من عنده وقد سرى عني برضاه بقضاء الله وقدره.. وقدرته على التعامل مع الآخرين بسهولة .. بل إنه يعتبر  نفسه مصدر لتسليتهم وإدخال السرور إلى أنفسهم..  وهو يجد في هذا سرورا وتسلية له كما قال لنا.

     إنه يعيش حياته الصعبة بسهولة ويرى إنه ليست لديه أية مشاكل رغم أن الكثير من الناس  الذين لم يحرموا مما حرم هو منه يجدون حياتهم صعبة ولا يكادون يكفون عن الشكوى منها!

    دروس كثيرة يمكن أن يتعلمها طوال القامة من رجل قصير القامة!

     

     


    الإسماحمد زكريا
    عنوان التعليقفتح الله عليك ياشيخ فتحي
    زادك الله التقاطاللنوادر والطرائف المفيدة

    الإسمTalat
    عنوان التعليقElhamedu Lellah
    Jazak Allah Khyran ya 3am Fathy.. Elhamed Lellah 3ala ne3ameh alaty la tohsa.

    الإسمأم سمية
    عنوان التعليقدرس في الرضا بالقدر
    رغم إعاقة هذا الشخص المؤلمة فإن الكثيرين يمكنهم ان يتعلموا منه ومن أسرته حسن التأقلم على ظروفهم القاسية مهما كانت وهذا هو معنى الرضا بقضاء الله- التعايش مع أية ظروف وتحمل ما تجلبه من صعوبات والتمتع بما هو متاح من نعم ولو كانت قليلة فإنها غالية. أحيانا لا نتوصل إلى نعمة الرضا بالقدر إلا حين لا يكون امامنا أي اختيار آخر- فالاضطرار إلى العيش في ظروف معينة هو أفضل وسيلة لجعل الاإنسان يتقبلها ويتحملها وبذلك يصبح الاضطرار نعمة في حد ذاته- هذا لمن هو مؤمن وراغب في الحياة بسعادة ودون تذمر وحسرة وشفقة دائمة على الذات. شكرا للشيخ الكريم على هذه القصة المؤثرة والدرس المفيد.


    عودة الى اللقاء الأسبوعي

    قضــايا شرعـــية
    منبر الدعوة
    واحـــة الأدب
    خدمات الموقع