\"هذا بيان للناس\" رسالة آل عمران لأهل غزة بقلم الشيخ تراجي الجنزوري
لقد نزل هذا البيان أعقاب غزوة " أحد ".. تلك الغزوة التي تجسد لنا صورة حية لما يحدث الآن لإخواننا في غزة .. يوم أن خرج المشركون من مكة قاصدين المدينة المنورة غازين إياها مريدين استئصال شأفة النبي (صلى الله عليه وسلم ) والمسلمين معه .. كما يفعل اليهود اليوم .. فقد تجمعوا من بلاد متفرقة وأماكن شتى وأتوا عن عمد منهم وتخطيط قاصدين الأرض المقدسة - أرض فلسطين - يريدون إخراج أهلها منها يبغون استئصال شأفتهم عن أخرهم .
ويوم أحد كان النصر في بداية المعركة حليف الفئة المؤمنة بقيادة رسول الله (صلي الله عليه وسلم) .. ولكن بسبب المخالفة التي كانت من الرماة لأمر البني (صلى الله عليه وسلم ) انقلب الأمر .. وكانت الهزيمة للمسلمين .. فقد قتل سبعون من خيرة الصحابة منهم مصعب والحمزة .. وأشيع مقتل النبي (صلى الله عليه وسلم) وكسرت رباعيته وشج وجهه الكريم صلوات ربى وسلامه عليه .. فتنزل تلك الآية " هذا بيان للناس .." مثوبة ومواساة ومثبتة للفئة المؤمنة.
* ونتوجه بهذا البيان لأهل غزة سائلين الله عز وجل أن يجعل آياته مثوبة ومواساة ومثبتة لهم وأن يعافيهم سبحانه .
هذا بيان للناس .. بعد أحد .. ولأهل غزة
* "قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كانت عاقبة المكذبين".
* والسنن التي يشير إليها البيان هنا هو توجيه أبصارهم إلي عاقبة المكذبين علي مدار التاريخ .
* مداولة الأيام بين الناس .
* الابتلاء لتمحيص السرائر.
* امتحان قوة الصبر علي الشدائد.
* استحقاق النصر للصابرين والمحق للكافرين .
* من سنن الله في هذا الكون : سنة التدافع .. " ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض ".
* سنة الصراع بين الحق والباطل سنة كونية .. أي حتمية الوقوع ، ولكن فانظروا عاقبة تشهد بها آثارهم في الأرض.. وتشهد بها سيرهم التي يتناقلها خلفهم هناك وقد حكاها لنا القرآن " ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد ..إلي قوله تعالي .. إن ربك لبالمرصاد " .."ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ...إلي قوله تعالى.. كعصف مأكول " إن ما جري للمكذبين بالأمس سيجري مثله للمكذبين اليوم وغدا ً
* ذلك كي تطمئن قلوب أهل الإيمان - وقلوبكم يا أهل غزة - إلي العاقبة.
هذا بيان للناس .. بعد أحد .. ولكم يا أهل غزة
1. "ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين "
أنتم الأعلون بإيمانكم فلا تهنوا .
* أنتم الأعلون بعقيدتكم فلا تحزنوا ، عقيدتكم أعلي .. فأنتم موحدون وهم مشركون ملحدون .. ومنهجكم أعلي.. فأنتم تسيرون علي منهج من صنع الله .. وهم يسيرون علي منهج من صنع خلق الله .. ودوركم أعلي فأنتم المصلحون وهم المفسدون.. وأنتم الهداة وهم الضالون .. ومكانكم في الأرض أعلي .. فأنتم الوارثون وهم إلي الفناء والنسيان صائرون.. فإن كنتم مؤمنين حقا ً فأنتم الأعلون .. وإن كنتم مؤمنين حقا ً فلا تهنوا ولا تحزنوا.
2. لا عبرة بالخسائر المادية .. " إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله " - وذلك إشارة إلي غزوة بدر - وكذلك أنتم يا أهل غزة بثباتكم وما تحدثه صواريخكم ليزلزل قلوبهم خوفا ً وهلعا ً ورعبا ً " إن تكونوا تألمون فأنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون ."
وتلك الأيام نداولها للناس .
3. والمحنة ضرورية ..... لماذا ؟
أ- وليعلم الذين أمنوا
* إن مداولة الأيام بين الناس وتعاقب الشدة والرخاء محل لا يخطئ وميزان لا يظلم.. فالشدة هي التي تكشف عن معادن النفوس وطبائع القلوب.. ودرجة الغبش فيها والصفاء.. ودرجة الهلع فيها والصبر .. ودرجة الثقة فيها بالله أو القنوط .. ودرجة الاستسلام فيها لقدر الله أو التبرم به .
عندئذ يتميز الصف ، وينكشف المنافقون عن المؤمنين .. ويظهر هؤلاء وهؤلاء علي حقيقتهم ، وتتكشف في دنيا الناس دخائل نفوسهم ويزول عن الصف ذلك الدخل وتلك الخلخلة .
ب- ويتخذ منكم شهداء
ما أعظمه من فضل ، وما أعلاها من منزلة .. إنها الشهادة ـ "قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار "
يغفر للشهيد بأول قطرة دم .. يأمن فتنة القبر .. يشفع في سبعين .. يزوج بالحور العين .. أرواحهم في حواصل طير خضر تسرح في الجنة تحت عرش الرحمن .. رائحة دمهم كرائحة المسك ، فهنيئا لشهداء أحد .
وهنيئا لشهدائكم - نحسبكم كذلك ولا نزكي على الله أحدا ً- .. فهنيئا لكم أن يختاركم الله من بين المجاهدين .. ويتخذكم لنفسه .. ويجعلكم بقربه ..ولم لا يكون لكم ذلك.. وأنتم اليوم حصن الأمة وسدها المنيع ..فقد قمتم بالجهاد في سبيل الله لإحقاق الحق وإبطال الباطل.
قمتم بذروة سنام هذا الدين فكان لكم أعلي المنزلة
ج - والله لا يحب الظالمين
وفي هذا كفاية من السوء والخزي لكفار قريش - واليهود اليوم - فالله لا يحبهم بل يبغضهم .. فهم عند الله من المبعدين ، من المطرودين ، من الملعونين .
والتعبير بأن الله لا يحب الظالمين يثير في نفس المؤمن بغض الظلم والظالمين .. ونشهدك يارب أننا نبغضهم فيك .
د - وليمحص الله الذين أمنوا
والتمحيص درجة بعد الفحص والفرز والتمييز، التمحيص عملية تتم في داخل النفس، وفي الضمير.. إنها عملية كشف المكنونات الشخصية ، وتسليط الضوء على هذه المكنونات تمهيدا ً لإخراج الدخل والدغل والأوشاب .. وتركها نقية واضحة مستقرة علي الحق بلا غش ولا ضباب.
* وفي هذا التمحيص الذي يتولاه الله بمداولة الأيام بين الناس بين الشدة والرخاء .. يعلم المؤمنون من أنفسهم ما لم يكونوا يعلمونه من قبل هذا المحك المرير.
* فقد يظن الإنسان في نفسه القدرة والشجاعة والتجرد والإخلاص من الشح والحرص .. ثم إذا هو يكشف علي ضوء التجربة العملية أن في نفسه عقابيل لم تمحص .. وأنه لم يتهيأ لمثل هذا المستوى من الضغوط .. فيعاود المحاولة في سبك نفسه من جديد .
ه - ويمحق الكافرين ..
نهاية مؤلمة وموجعة أنها محق الله لهم .. فأبشر يا أولمرت.. أبشر يا باراك ..أبشروا بالذي يسوؤكم في نهايتكم .. ستكونون مثل فرعون وهامان وأبي جهل إن متم علي ذلك ولم تسلموا.. وليكن لكم في سلفكم شارون العبرة والعظة.
هذا بيان للناس
4. لا جنة بلا جهاد "أم حسبتم أن تدخلوا الجنة.."
إن صيغة الاستفهام الاستنكارية يقصد بها التنبيه بشدة إلي خطأ هذا التصور .. تصور أنه يكفي الإنسان أن يقولها كلمة باللسان أسلمت وأنا علي استعداد للموت والتضحية والفداء .. فيبلغ بهذه الكلمة الجنة والرضوان .. إنما هي التجربة الواعية والامتحان العملي .. إنما هو الجهاد وملاقاة البلاء ، ثم الصبر علي تكاليف الجهاد ، وعلى معاناة البلاء.
5. الارتباط بالرسالة لا بشخص الرسول :
" وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل.."
فالدعوة أقدم من الداعية ، وهي أكبر منه .. وكذلك أقدم منه .. فالدعاة يجيئون ويذهبون وتبقي الدعوة على مر الأجيال والقرون ، ويبقي أتباعها موصولين بمصدرها الأول الذي أرسل به الرسل وهو باق سبحانه .
* يتوجه إليه المؤمنون وما يجوز أن ينقلب أحد منهم علي عقبيه .. ولا يرتد عن هدى الله.. والله حي لا يموت .
فيا أهل غزة إن مات أحمد ياسين وإن مات عبد الله عزام ، وإن مات عز الدين القسام .. فالله حي لا يموت .. فليكن عهدكم مع الله مباشرة .. وليكن ارتباطكم بالله مباشرة.
" وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله..."
7ـ الرباني لا يعرف الوهن والضعف.
" وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير "
وكم من نبي قاتلت معه جماعات كثيرة .. فما ضعفت نفوسهم لما أصابهم من البلاء والكرب الشدة والجراح .. وما ضعفت قواهم عن الاستمرار في الكفاح .. وما استسلموا للجزع ولا للأعداء .. فهذا هو شأن المؤمنين المنافحين عن عقيدة ودين.
ونحسبكم كذلك يا أهل غزة فلا تضعف نفوسكم .. ولا تتضعضع قواكم .. ولا تلين عزائمكم .. ولا تستكينوا.. ولا تستسلموا.. والله يحب الصابرين.
8. غاية الرباني المغفرة..فالثبات.. فالنصر
" وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا "
إنه الأدب الجم من النفوس المؤمنة وهي تتوجه إلي الله لا لتطلب النصر أولا ً .. ولكن لتطلب العفو والصفح والمغفرة قبل أن تطلب الثبات والنصر علي الأعداء .. إنهم لم يطلبوا نعمة ولا ثراء .. لم يطلبوا ثوابا ولا جزاء .. لم يطلبوا ثواب الدنيا ، بل ثواب الآخرة.
- لقد كانوا أكثر أدبا ً مع الله وهم يقاتلون في سبيله.
- فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة .. والله يحب المحسنين نسأل الله أن يجعل هذا ثوابكم يا أهل غزة
- يا أهل غزة .. " ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون ولئن متم أو قتلتم لإلي الله تحشرون " .
- يا أهل غزة : "ليسوا سواء.. أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس المصير "
- يا أهل غزة : اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون
- وأنهي معكم يا أهل غزة بما أنهي به رسول الله ( صلي الله عليه وسلم ) الغزوة.
- قال (صلى الله عليه وسلم) : استووا - أي للصحابة - حتي أثني علي ربي عز وجل .. فصاروا خلفه صفوفا فقال: " اللهم لك الحمد كله .. اللهم لا قابض لما بسطت.. ولا باسط لما قبضت.. ولا هادى لمن أضللت ولا مضل لمن هديت .. ولا معطي لما منعت .. ولا مانع لما أعطيت .. ولا مقرب لما بعدت .. ولا مبعد لما قربت .. اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك" .
- اللهم أني أسألك النعيم المبين الذي لا يحول ولا يزول ..اللهم أني أسألك العون يوم العيلة .. والأمن يوم الخوف ـ اللهم أني أعوذ بك من شر ما أعطينا وشر ما منعتنا .. اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين.. اللهم توفنا مسلمين وأحينا مسلمين وألحقنا بالصالحين.. غير خزايا ولا مفتونين .. اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك .. ويصدون عن سبيلك .. واجعل عليهم رجزك وعذابك .. اللهم قاتل الكفرة من الذين أوتوا الكتاب إله الحق .
آمين.. آمين.. آمين.
عودة الى قبس من نور
|