صدقوا ما عاهدوا الله عليه .. بقلم الشيخ تراجي الجنزوري
- (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا).
- والله إن العين لتدمع .. وإن القلب ليحزن وإنا لما حدث لإخواننا في غزة لمحزونون .
- فإليكم يا أهل غزة - وإليكم فقط - أرسل هذه الآية بشرى لكم وتثبيتا ً، مواساة لكم وتحفيزا ً (من المؤمنين رجال..).
- لقد نزلت تصديقا ً وتوصيفا ً لحال الفئة المؤمنة يوم أحد .. فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : "عمي أنس بن النضر – رضي الله عنه – سميت به ، لم يشهد بدرا ً فشق عليه وقال : أول مشهد شهده رسول الله (صلى الله عليه وسلم) غبت عنه.. لئن أراني الله تعالى مشهدا ً فيما بعد مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ليرين الله عز وجل ما أصنع .. قال : فهاب أن يقول غيرها.. فشهد مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يوم أحد فاستقبل سعد بن معاذ – رضي الله عنه – فقال له أنس – رضي الله عنه – يا أبا عمرو واها ً لريح الجنة ، إني أجده دون أحد .. قال: فقاتلهم حتى قتل – رضي الله عنه – قال: فوجد في جسده بضع وثمانون بين ضربة وطعنة ورمية .. فقالت أخته عمتي الربيع ابنة النضر: فما عرفت أخي إلا ببنانه .. قال: فنزلت هذه الآية.. (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه..).. قال: فكانوا يرون أنها نزلت فيه ، وفي أصحابه رضي الله عنهم.
- حقا ً إنهم رجال.. وأنتم أيضا ً يا أهل غزة رجال.. ولا نزكيكم على الله.
- حقا ً إنهم صدقوا ما عاهدوا الله عليه .. وأنتم يا أهل غزة نحسبكم كذلك.
- حقا ً منهم من نال الدرجة العليا - وهي الشهادة - .. ومنهم من ينتظرها.. وهو أيضا ً حالكم.
- حقا ً: إنهم ما بدلوا تبديلا ً.. وأنتم أهل غزة نسأل الله لكم الثبات والسداد.
-ونود والله أن نقبل أقدامكم الثابتة قبل رؤوسكم العالية .. رجالها ونساءها .. أطفالا ً وشيوخا ً وشبابا ً يا أهل العزة والكرامة.
أناديكم..أناديكم أشد على أياديكم
أقبل الأرض تحت أقدامكم وأقول أفديكم
وأهديكم ضيا عيني ودم القلب أعطيكم
فمأساتي التي أحيا نصيبي من مآسيكم
وآمالي التي أرجو إشراقة أمانيكم
-والآن أنتقل بكم إلى هناك .. إلى أرض المعركة .. حيث الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، فمنهم من قضى نحبه ، ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا.
-بعد الهزيمة المنكرة للمشركين في يوم بدر - وقد قتل أئمة الكفر ورؤوسه من قريش - ترأس في قريش أبو سفيان بن حرب بعد ذهاب أشرافهم يوم بدر، فأخذ يؤلب على المسلمين لأخذ الثأر، فجمع ثلاثة آلاف من قريش والأحابيش ، وخرج بهم في شوال من السنة الثالثة للهجرة ، وجاءوا معهم بنسائهم ليدافعوا عنهن ولا يفروا ، ثم أقبل بهم نحو المدينة فنزل قريبا ً من أحد .. وكان فيهم مائتا فارس.
-فاستشار رسول الله أصحابه .. أيخرج إليهم ، أم يمكث في المدينة.. وكان رأيه (صلى الله عليه وسلم) أن يمكثوا بالمدينة .. وأن يتحصنوا بها .. فإن دخلوها قاتلهم المسلمون على أفواه الأزقة .. فقام جماعة كبيرة من الصحابة ممن فاتهم يوم بدر - وكان معظمهم شبابا ً - فأشاروا على النبي (صلى الله عليه وسلم) بالخروج ، وألحوا عليه حتى بدا أن هذا هو الرأي السائد في الجماعة .. فخرج (صلى الله عليه وسلم) في ألف من الصحابة .. ثم انخذل ابن أبي بثلث الجيش.
-فلما أصبح تهيأ للقتال في سبعمائة فيهم خمسون فارسا ً.. واستعمل على الرماة - وكانوا خمسين - عبد الله بن جبير وأمره وأصحابه أن يلزموا مركزهم وألا يفارقوه ولو رأوا الطير تتخطف العسكر .. وكانوا خلف الجيش .
-وأعطى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) اللواء مصعب بن عمير.. ودفع بسيفه إلى أبي دجانة.
-وبدأت المعركة ، وحمى الوطيس ، فكانت الدولة أول النهار للمسلمين على الكفار ، حيث قتل من هؤلاء سبعون من صناديدهم .. وانهزم أعداء الله وولوا مدبرين، حتى انتهوا إلى نسائهم ، وحتى شمرت النساء ثيابهن عن أرجلهن هاربات.
-فلما رأى الرماة هزيمة المشركين وانكشافهم تركوا مراكزهم التي أمرهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ألا يبرحوها .. وقالوا : يا قوم الغنيمة..الغنيمة ، فذكرهم أميرهم عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فلم يسمعوا ، وظنوا أن ليس للمشركين رجعة ، فذهبوا في طلب الغنيمة وأخلوا الثغر في أحد ..
-عندئذ أدركها خالد ، فكر في خيل المشركين ، فوجدوا الثغر خاليا ً فاحتلوه من خلف ظهور المسلمين ، وأقبل المنهزمون من المشركين حين رأوا خالدا ً والفرسان قد علوا المسلمين فأحاطوا بهم، وانقلبت المعركة فدارت الدائرة على المسلمين ، ووقع الهرج والمرج في الصف واستولى الاضطراب والذعر لهول المفاجأة التي لم يتوقعها أحد .. وكثر القتل بالمسلمين .. واستشهد من كتب الله له الشهادة ففي ذلك الوقت تتجلى صورة من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم...
-فقد روى مسلم في صحيحه أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش فلما رهقوه .. قال : "من يردهم عنا فهو رفيقي في الجنة".. فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل.. ثم رهقوه أيضا ً فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لصاحبه: "ما أنصفنا أصحابنا".
(من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه)
-طلحة بن عبيد الله "طلحة الخير".. " طلحة الجواد ".. روي النسائي عن جابر قال : لما أدرك المشركون رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال من للقوم؟ فقال طلحة: أنا.. ثم ذكر جابر تقدم الأنصار وقتلهم واحدا ً بعد واحد بنحو ما ذكرنا.. فلما قتل الأنصار كلهم تقدم طلحة فقاتل قتال الأحد عشر حتى ضربت يده فقطعت أصابعه.. فقال: حسن .. فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) "لو قلت : بسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون".
-وقد جرح رضي الله عنه .. فيقول : رأيت بين يديه رجلا ً يقاتل عنه ويحميه قلت : كن طلحة فداك أبي وأمي، كن طلحة فداك أبي وأمي.. فلم أنشب أن أدركني أبو عبيدة بن الجراح ، وإذا هو يشتد كأنه طير حتى لحقني فدفعنا إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) فإذا طلحة بين يديه صريعا ً، فقال النبي: "دونكم أخاكم فقد أوجب" .
-وقد رمي النبي (صلى الله عليه وسلم) في وجنته، حتى غابت حلقتان من حلق المغفر في وجنته فذهبت لأنزعهما عن النبي (صلى الله عليه وسلم) .. فقال أبو عبيدة: نشدتك بالله يا أبا بكر إلا تركتني – ، قال : فأخذ بثنيه ، فجعل ينضضه كراهية أن يؤذى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) .
-ثم استل السهم بفمه فندرت ثنية أبي عبيدة .. قال أبو بكر : ثم ذهبت لأخذ الآخر فقال أبو عبيدة : نشدتك بالله يا أبا بكر إلا تركتني، قال : فأخذه فجعل ينضضه حتى استله ، فندرت ثنية أبي عبيدة الأخرى .. ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) "دونكم أخاكم فقد أوجب"، وكان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول : "ومن سره أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله"
(من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا عليه)
-حنظلة الأنصاري (الملقب بحنظلة الغسيل).. فقد شد على أبي سفيان، فلما تمكن منه حمل على حنظلة شداد بن الأسود فقتله، وكان جنبا ً.. فإنه لما سمع صيحة الحرب وهو مع امرأته، قام من فراشه إلى الجهاد ملبيا ً النداء.. فأخبر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أصحابه أن الملائكة تغسله.. ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): سلوا أهله ما شأنه؟ فسألوا امرأته ، فأخبرتهم الخبر .
(من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه)
-سعد بن الربيع .. قال زيد بن ثابت: بعثني رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يوم أحد أطلب سعد بن الربيع .. قال: فجعلت أطوف بين القتلى فأتيته وهو بآخر رمق وبه سبعون ضربة، ما بين طعنة برمح وضربة بسيف ورمية بسهم.. فقلت: يا سعد ، إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقرأ عليك السلام ويقول أخبرني كيف تجدك؟.. فقال: وعلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) السلام، قل له : يا رسول الله ، أجد ريح الجنة، وقل لقومي الأنصار !.. لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وفيكم عين تطرف .. وفاضت نفسه من وقته .
-ويمر رجل من المهاجرين برجل من الأنصار وهو يتشحط في دمه.. فقال: يا هذا.. أشعرت أن محمدا ً قد قتل؟ فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قتل فقد بلغ .. فقاتلوا عن دينكم.
-وقال عبد الله بن حرام، رأيت في النوم قبل أحد، مبشر بن عبد المنذر يقول لي : أنت قادم علينا في أيام فقلت: وأين أنت؟.. فقال: في الجنة، نسرح فيها حيث نشاء .. فقلت له: ألم تقتل يوم بدر؟.. فقال: بلى.. ثم أحييت.. فذكرت ذلك لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: "هذه الشهادة يا أبا جابر".. فهنيئا ً لكم يا أهل غزة ذلك الوسام وتلك الشهادة.
(من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا..)
-عمرو بن الجموح.. رجل أعذر الله إليه .. كان أعرج شديد العرج ، وكان له أربعة بنين شباب يغزون مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فأراد بنوه أن يقعدوه عن الجهاد وعن الغزو مع رسول الله في أحد لما خرج رسول الله للغزو قائلين له: قد جعل الله لك رخصة ، فلو قعدت ونحن نكفيك.. وقد وضع الله عنك الجهاد .. فأتى عمرو بن الجموح رسول الله ، فقال : يا رسول الله ، إن بني هؤلاء يمنعوني أن أخرج معك والله إني لأرجو أن أستشهد فأطأ بعرجتى هذه الجنة .. فقال له (صلى الله عليه وسلم) : أما أنت فقد وضع الله عنك الجهاد .. وقال لبنيه : وما عليكم أن تدعوه لعل الله أن يرزقه الشهادة .. فخرج مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) .. فقتل يوم أحد شهيدا ً (رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه).
-إن عمرو بن الجموح ليضع هممنا في قفص الاتهام .. أين نصرنا لديننا ؟ أين دفاعنا عن ديننا ؟ ونحن الذين منّ الله علينا بالعافية ولسنا معذورين
"من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه"
-عبد الله بن جحش يقول يوم أحد : اللهم إني أقسم عليك أن ألقى العدو غداً..فيقتلوني ثم يبقروا بطني..ويجدعوا أنفي وأذني ، ثم تسألني فيم ذلك؟..فأقول:فيك يا رب .
-صورة مضيئة لأماني هؤلاء وغاياتهم.
-وانظر أخي الكريم إلى أماني شبابنا اليوم أوجزها في قول الشيخ عبد الحميد كشك هي خمسة أشياء تبدأ بالعين : عروسة ـ عربية ـ عمارة ـ عيادة ـ عزبة .. فشتان ثم شتان بين هؤلاء وهؤلاء.
-أبو خيثمة ذلك الرجل الذي بلغ من العمر عتيا ً استشهد ابنه خيثمة يوم بدر يقول: لقد أخطأتني وقعة بدر .. وكنت والله عليها حريصا ً حتى ساهمت ابني في الخروج فخرج سهمه فرزق الشهادة .. وقد رأيته البارحة في أحسن صورة يسرح في ثمار الجنة وأنهارها يقول : ألحق بنا ترافقنا في الجنة ، فقد وجدت ما وعدني ربى حقا ً .. وإني يا رسول الله أصبحت مشتاقا ً إلى مرافقته في الجنة .. وقد كبرت سني ورق عظمى وأحببت لقاء ربى فادع الله يا رسول الله أن يرزقني الشهادة ومرافقة ابنى في الجنة .. فدعا له رسول الله بذلك فقتل بأحد شهيدا ً
- فأين نحن أيها الكرام من هؤلاء الذين هممهم في الثريا وقد صارت هممنا في الثرى .. هممنا الدنياـ الدنيا وفقط ـ .. فهل من وقفة مع النفس وقفة محاسبة ، وقفة مراقبة ، وقفة مشارطة من خلالها نقتدي بهؤلاء الرجال .
- أختم الكلام وأنهى الحديث بالحديث عن أسد الله وأسد رسوله إنه (الحمزة بن عبد المطلب)
-ونترك الكلام لوحشي بن حرب وهو يصف لنا هذا المغوار فيقول:
-كنت غلاما ً لجبير بن مطعم - وكان عمه قد أصيب يوم بدر - فلما كان يوم أحد قال لي جبير : إن قتلت حمزة فأنت عتيق .. فخرجت مع الناس وكنت أقذف بالحربة لا أخطئ بها شيئاً .. فلما التقى الناس خرجت أنظر حمزة وأتبصره حتى رأيته في عرض الناس مثل الجمل الأورق.
-يهد الناس هدا ما يقوم له شيء .. فو الله إني لأتهيأ له أريده فأستتر منه بشجرة أو حجر ليدنو منى ، قام إليه سباع بن عبد العزي فلما رآه حمزة قال له:هلم إلى يا ابن مقطعة البظور فضربه ضربة أطاحت به قال : وهززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها إليه ، فوقعت في أحشائه حتى خرجت من بين رجليه .. وذهب لينوء نحوى ، وتركته وإياها حتى مات ثم أخذت حربتي وعدت إلى العسكر فقعدت فيه ولم يكن لي بغيره حاجة .. فبكاه رسول الله صلى الله عليه وسلم بكاء مريرا ً .. رضي الله عنك يا حمزة يا عم رسول الله يا أسد الله وأسد رسوله.
-ولقد أبلى أبو دجانة - صاحب العصابة الحمراء - بلاء حسنا في تلك المعركة ، أخذا بسيف رسول الله ، مصمما على أداء حقه ، وجعل لا يلقى مشركا ً إلا وقتله .. ثم أمعن في الصفوف وهدها حتى خلص إلى قائدة نسوة قريش - وهو لا يدرى بها - .. يقول : فرأيت إنسانا يخمش الناس خمشا ً شديدا ً فلما حملت عليه بالسيف فإذا هو امرأة .. فأكرمت سيف رسول الله .. وكانت هند بنت عتبة
-وكان للنساء نصيب عظيم ووافر أيضا ً في نصر دين الله في تلك المعركة فرضي الله عن الجميع حقا ً
-أيها الكرام .. إنها صورة مضيئة .. إنها شهادة تقدير.. إنه وسام شرف إنه تاج على الرؤوس .. هذا الوصف الذي وصف الله به عباده المؤمنين في كتابه المجيد
"من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه "
-وأنتم يا أهل غزة نحسبكم كذلك ولا نزكيكم على الله .. وسيسطر التاريخ لكم صورا ً مضيئة وصفحات مشرفة .. صورا ً لصبركم ـ لثباتكم ـ لعطائكم ـ لتضحياتكم وبذلكم رجالا ً ونساءً وشبابا ً وأطفالا ً
فالله مولانا ولا مولى لهم
وقتلانا في الجنة وقتلاهم في النار
عودة الى قبس من نور
|