يومك.. يومك بقلم الشيخ تراجي الجنزوري
"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون"
- حديثنا عن هذه الآية لن يدور حول تقوى الله عز وجل فالقائلون بها كثير والعاملون بها قليل .. ويكفينا أنها وصية الله للأولين والآخرين، وصدر كل خطية لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) ووصية كل أمير لجنده وكل مربي لتلاميذه .
- ولكن الحديث سيدور اليوم حول كلمة واحدة وهي " لغد " ماذا تعني هذه الكلمة وما المقصود منها وما واجبنا تجاهها.
- وهذا يجعلنا نتعرض لهذا العنوان " أيامنا خمسة " بالتفصيل :-
- أولا ً:- يوم مفقود .
- ثانيا ً:- يوم مشهود .
- ثالثا ً:- يوم مورود .
- رابعا ً:- يوم موعود .
- خامسا ً:- يوم ممدود .
- أما اليوم المفقود فهو الأمس الذي مضى .. واليوم المورود فهو اليوم الذي سيأتي .. وبالنسبة لهذين اليومين فقد كفانا مؤنة الحديث عنهما، وما سبيل السير فيهما وكيف تكون النجاة الفضيل بن عياض رحمه الله .. وذلك عندما مرّ عليه رجل شاب شعره وانحنى ظهره وسقط حاجباه .
- فبادره الفضيل قائلا ً: منذ كم وأنت تسير إلى الله؟
- فقال الرجل: منذ ستين سنة ؟.
- فقال الفضيل: أوشكت أن تصل .
- فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون .
- فقال الفضيل : أو تعلم معناها .
- فسكت الرجل ثم انهمر بالبكاء.
- فقال الفضيل: من علم أنه لله عبد فليعلم أنه إليه راجع .. ومن علم أنه إلى الله راجع فليعلم أنه بين يديه موقوف .. ومن علم أنه بين يدي الله موقوف فليعلم أنه مسئول .. ومن علم أنه مسئول فليعد للسؤال جوابا ً.
- فهل أعددتم أيها الأحبة للسؤال جوابا ً؟.. إن الله عز وجل مخاطب كل واحد فيكم ليس بينه وبينه ترجمان : ألم أعطك مالا ً ألم أعطك ولدا ً فماذا قدمت لهذا الدين فينظر العبد أيمن منه فلا يجد إلا ما قدم .. وينظر أشأم منه فلا يجد إلا ما قدم .. وينظر أمامه فلا يجد إلا النار فاتقوا النار لو بشق تمره .
- فإذا بالرجل يبادر الفضيل بهذا السؤال .. وما الحيلة؟ .. وقد مضى من العمر ما مضى.
- فقال الفضيل : الحيلة والنجاة أن تصلح فيما بقى يغفر الله لك ما بقى وما مضى .
- ثانيا ً: بالنسبة لليوم المشهود فهو " يومك.. يومك " :-
- أخي الحبيب: يومك.. يومك.. إذا أصبحت فلا تنتظر المساء .. اليوم فحسب ستعيش فلا أمس الذي ذهب بخيره وشره وحلوه ومره ، ولا الغد الذي لم يأت إلى الآن .
- اليوم الذي أظلتك شمسه ، وأدركك نهاره هو يومك فحسب .. ويومك هذا على أساسه ومستواه سيكون غدك "ولتنظر نفس ما قدمت لغد ".
- أخي الحبيب: عمرك يوم واحد فاجعل في خلدك العيش لهذا اليوم وكأنك ولدت فيه وستموت فيه.. عندها لا تتعثر حياتك بين هاجس الماضي وهمه وغمه وبين توقع المستقبل وشبحه المخيف المرعب .
- لليوم فقط أصرف تركيزك واهتمامك وإبداعك وكدك وجدك ، فلهذا اليوم لابد أن تقدم صلاة خاشعة، وتلاوة بتدبر، واطلاعا ً بتأمل، وذكرا ً بحضور، واتزانا ً في الأمور، وحسنا ً في خلق، ورضا بالمقسوم، واهتماما ً بالمظهر والجوهر ونفعا ً للآخرين .
- كونوا كأبي بكر عندما نال درجة الامتياز في (يومك.. يومك) في اختبار أجراه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بالأسئلة التالية في صلاة الفجر:
- من أصبح اليوم صائما ً.. فقال أبو بكر أنا يا رسول الله.
- من أطعم اليوم مسكينا ..ً فقال أبو بكر أنا يا رسول الله.
- من زار اليوم مريضا ً .. فقال أبو بكر أنا يا رسول الله.
- من شهد اليوم جنازة .. فقال أبو بكر أنا يا رسول الله.
- فأعطاه رسول الله شهادة تقدير فحواها " ما اجتمعت في عبد إلا وجبت له الجنة ".
- اليوم هذا الذي أنت فيه فتقسم ساعاته، وتجعل من دقائقه سنوات، ومن ثوانيه شهورا، تزرع فيه الخير، تسدى فيه الجميل، تستغفر فيه من الذنب، تذكر فيه الرب، تتهيأ فيه للرحيل، تعيش هذا اليوم فرحا وسرورا .. وأمنا وسكنيه ترضى فيه برزقك .. بزوجتك.. بأطفالك.. بوظيفتك.. ببيتك.. بعلمك.. بمستواك .. تعيش هذا اليوم بلا حزن بلا انزعاج ولا سخط ولا حقد ولا حسد .
- يومك.. يومك ينادي عليك كل صباح.. أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد فأغتنمني فإني لا أعود .. فهل أخي الكريم سيكون شاهد لك أم عليك .. إنك لو صدقت مع نفسك بإرادة صارمة لأخضعتها لنظرية " لن أعيش إلا هذا اليوم وهو الذي سينفعني في غدي .. حينها ستستغل كل لحظة فى هذا اليوم فى بناء كيانك، وتنمية مواهبك ، وتزكية عملك فتقول:
- اليوم فقط سوف أعتني بنظافة جسمي، وتحسين مظهري ، والاهتمام بهندامي والاتزان فى مشيتي وكلامي.
- اليوم فقط سأعيش فأجتهد في طاعة ربي، وتأدية صلاتي على أكمل وجه والتزود بالنوافل، اليوم أتعاهد مصحفي .
- اليوم أنظر في كتابي.
- اليوم لن يسبقني إلى الله أحد .
- اليوم أغرس في قلبي الفضيلة، وأجتث منه شجرة الشر بغصونها الشائكة من كبر وعجب ورياء وغل وحقد وحسد وسوء ظن.
- اليوم فقط سأعيش لأنفع الآخرين، وأسدى الجميل إلى الغير، أعود مريضا ً، أدل حيران، أشيع جنازة، أفرج كربا ً، أجبر كسرا ً، أستر عيبا ً، أرقع خرقا ً، اليوم أقف مع مظلوم، أشفع لضعيف، أواسي منكوبا ً، أكرم عالما ً، أرحم صغيرا ً، أجلّ كبيرا ً.
- أخي الحبيب: من رحمة الله ولطفه بك أنه كلفك كل يوم على قدر يومك.. ومن ظلم العبد لنفسه أن يحمل هم الغد .. وهذه صارت أم المشاكل.. فترى الواحد فينا اليوم جالسا ً يفكر آخر الشهر من أين سيأتي بالنقود .. يا أخي الحبيب.. أين أنت وأين آخر الشهر.
- ماذا أفعل والأولاد يكبرون يوما ً بعد يوم أين سيعيشون أني لي بالشقة لكل واحد منهم؟! يا أخي الحبيب عندهم رب ولهم إله يتكفل بهم أحنّ عليهم منك .
- تجد الأب وللأسف الشديد مشغولا ً بشراء قطعة أرض لكي يبني بيتا ً.. مشغولا ً بسعادتهم الدنيوية وراحتهم البدنية.. فينسى في خضم هذه المشاكل والظروف أن يعرفهم طريق الله والسير فيه الذي به سعادتهم في الدنيا والآخرة .. كما فعل سيدنا عمر بن عبد العزيز مع أبنائه لم يترك لهم شيئا ً ولكن علمهم طريق الله والسير فيه فسعدوا دنيا وآخرة.
- واقع مرير نحياه ونحن ننظر لحال المسلمين اليوم لا تجد أحدا ً يعيش يومه الكل إلا ما رحم ربي ينظر للمستقبل وناس ٍ أنه يمكن ألا يكمل يومه.
- إذا أصبحت فلا تنتظر المساء وإذا أمسيت فلا تنظر الصباح "يومك.. يومك " .
أخي الكريم
- انظر حولك لترى الناس كيف يعيشون وقد تعلقت قلوبهم بالغد همهم المستقبل .
- وصيتي لنفسي وإياكم وصية الإمام الموفق ابن قدامة:- اغتنم يرحمك الله حياتك النفيسة، واحتفظ بأوقاتك العزيزة، واعلم أن مدة حياتك محدودة، وأنفاسك معدودة، فكل نفس ينقص به جزء منك، والعمر كله قصير، والباقي منه هو اليسير، وكل جزء منه جوهرة نفيسة لا عدل لها ولا خلف منها ، فإن بهذه الحياة اليسيرة خلود الأبد في النعيم المقيم أو العذاب الأليم .. وإذا عادلت هذه الحياة بخلود الأبد ، علمت أن كل نفس يعادل مليونا ً بل أكثر في نعيم، وما كان هكذا فلا قيمة له .. فلا تضيع جواهر عمرك النفيسة بغير طاعة أو قربة تتقرب فيها، فإنك لو كان معك جوهرة من جواهر الدنيا لساءك ذهابها .. فكيف تفرط في ساعاتك، وكيف لا تحزن على عمرك الذاهب بغير عوض؟!".
- أخوتي الكرام، اعملوا لأنفسكم في هذا الليل وسواده، فإن المغبون من غبن خير الليل والنهار.. والمحروم من حرم خيرهما، إنما جعلا سبيلا ً للمؤمنين إلى طاعة ربهم.. ووبالا ً للآخرين للغفلة عن أنفسهم، فأحيوا الله أنفسكم بذكره، فإنما تحيى القلوب بذكر الله .. فكم من قائم لله في هذا الليل قد اغتبط بقيامه في ظلمة حقرته .. وكم من نائم في هذا الليل قد ندم على طول نومته عندما يرى كرامة الله للعابدين غدا ً، فاغتنموا ممر الساعات والليالي والأيام، وراقبوا الله في كل لحظة، وداوموا شكره في كل لفظة.
- فالزم أخي الكريم يومك الذي أنت .. وابذل قصارى جهدك في أن تجعل من هذا اليوم رطبة لرضا الله والجنة.. وان استطعت ألا يسبقك إلى الله أحد فأفعل .
- ثالثا ً:- اليوم الموعود .. موعدك مع الموت:-
- ونجمل الكلام فيها على أن يكون لنا تفصيل في لقاء آخر.
- كلا إذا بلغت التراقي وقيل من راق ....
- فلولا إذا بلغت الحلقوم ....
- أيامن يدعي الفهم .. إلى كم يا أخ الوهم.. تعد الذنب والذنب.. وتخطى الخطأ الجم .. أما بان لك العيب .. أما أنذرك الشيب.. وما في نصحه ريب .. أما نادي بك الموت .. أما أسمعك الصوت.. أما تخشى من الفوت.. فتحتاط وتهتم فكم تسير في السهو.. وتختال من الزهو.. وتنفض إلى اللهو .. كأن الموت ما عم .
- كأني بك تنحط .. إلى اللحد وتنغط.. وقد أسلمك الرهط.. إلى أضيق من فم
في القبر
- هناك الجسم ممدود .. ليستأكله الدود .. إلى أن ينخر العود .. فيمسى العضم قد رم .
في القبر
وأعلم أن كل مقعد مسئول ما الدين ما الرب وما الرسول
فعند ذا يثبت المهيمن بثابت القول الذين آمنوا
ويوقن المرتاب عند ذلك بأن مورده المهالك
- فزود نفسك الخير.. ودع ما يعقب الضمير.. وهيئ مركب السير.. وخف من لجة اليم.
- بذا أوصيك يا صاح .. وقد بحتك من باح .. فطوبي لفتى راح.. بآداب محمد يأتم .. كل باك فسيبكي .. وكل ناع فسينعى .. وكل مذكور فسينسى وكل مزجور سيفنى ليس غير الله يبقى .. من علا فالله أعلى .
- خامسا ً: اليوم الممدود .. يوم كان مقداره خمسين ألف سنة :-
- والكلام عنه يطول .. ولكن نجمله بقول ابن حكمي في " سلم الوصول ":
ويجمع الخلق ليوم الفصل جميعهم علويهم والسفل
في موقف يجل فيه الخطب ويعظم الهول به والكرب
وأحضروا للعرض والحساب وانقطعت علائق الأنساب
وارتكمت سحائب الأهوال وإنعجم البليغ في المقال
وعنت الوجوه للقيوم واقتص من ذي الظلم للمظلوم
وسادت الملوك للأجناد وجئ بالكتاب والأشهاد
وشهدت الأعضاء والجوارح وبدت السوءات والفضائح
وابتليت هنالك السرائر وانكشف المخفي في الضمائر
ونشرت صحائف الأعمال تؤخذ باليمن والشمال
طوبي لمن يؤخذ باليمين كتابه بشرى بحور عين
والويل للأخذ بالشمال وراء ظهر للجحيم صال
والوزن بالقسط فلا ظلم ولا يؤخذ عبد بسوي ما عملا
فبين ناج وراجح ميزانه ومقرف أوبقه عدوانه
وينصب الجسر بلا امتراء كما أتى في محكم الأنباء
يجوزه الناس على أحوال بقدر كسبهم من الأعمال
فبين مجتاز إلى الجنان ومسرف يكب في النيران
- أخي الحبيب.. يومك.. يومك هو نجاتك في اليوم الموعود ، واليوم الممدود .. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت في (يومك.. يومك) لغد وهو اليوم الموعود واليوم الممدود .
نسأل الله لنا ولكم النجاة.
عودة الى قبس من نور
|