|
اجتهادات خاصة للشيخ الغزالي.. في تفسير القرآن الكريم بقلم/ أحمد زكريا
كان للشيخ الغزالي فهمه الخاص وشخصيته العلمية المتفردة.. لذا حاول أن يقدم بعض الاجتهادات في ميادين الشريعة المختلفة.. والتي ربما تخالف قول جمهور العلماء.
من ذلك ما أورده في تفسير سورة النساء حول قوله تعالى:
"وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا" [النساء:86].
وقد كان المسلمون يسلمون على الناس كلهم.. ويردون بالسلام على من حياهم.. حتى حرف اليهود الكلمة فجعلوها "السام عليكم".. فأُمر المؤمنون أن يكون الرد "وعليكم".. فيستجيب الله فيهم ولا يستجيب منهم.
ويظهر لي أن ذلك موقفاً خاصاً.. والآية على عمومها.. ومن كرم الإسلام وأمته أن يحيوا الآخرين تأليفا لقلوبهم وإعلانا عن مبدئهم وهو السلام.
روى ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنه قال:
"من سلم عليك من خلق الله فاردد عليه.. وإن كان مجوسيا فالله يقول:
"وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا"
ورد الشعبي على نصراني سلم عليه.. فقال: وعليك السلام ورحمة الله.. فقيل له في ذلك فقال: "أليس في رحمة الله يعيش"؟.
ومن ذلك أيضاً.. ما أورد في تفسيره لسورة النساء.. حيث ساق قوله تعالى: "وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ" [النساء:101].
حيث علق عليها بقوله:
الظاهر أن هذه الآية وما بعدها في صلاة الخوف.. أي عند الاشتباك مع الأعداء.
أما القصر في السفر.. فحكمه مقرر من نصوص أخرى، ويمكن في علم الفقه الوقوف على الأحكام الكثيرة الخاصة بالموضوع.
وقد فصلت الآية التالية حكم الصلاة في أثناء الحروب:
"وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ" [النساء:102].
وجمهور الفقهاء:
على أن الرسول عليه الصلاة والسلام هو الإمام.. وأن المسلمين يصلون خلفه بالتتابع.
والذي أميل إليه.. أن هذا الحكم خاص بالرسول وصحابته.. فليس من السائغ أن يؤم المسلمين أحد وهو موجود.
أما في هذا العصر مثلاً فإن تعدد الأئمة سهل.. وقد اختلفت أساليب القتال، ومن الممكن أن تتعدد الجماعات والقيادات دون خوف على دين أو دنيا"
ومن اجتهاده في علوم القرآن.. اعتراضه على الرأي السائد بأن سورة الرعد مدنية.. حيث قرر أنها مكية بالنظر إلي موضوعها ومضمونها الذي يدل على أنها نزلت في مكة لا في المدينة.
يقول:
والرأي السائد أن سورة الرعد مدنية نزلت بعد سورة محمد.. والذي أميل إليه أنها مكية.. وأسلوبها يرجح ما أرى.. لاسيما والمشركون يلحون فيها على طلب معجزة حسية مثل ما حكت سورة الأنعام ويونس والإسراء.. الخ.
وكذلك رأيه في المقصود بقوم "يأجوج ومأجوج" المذكورين في سورة الكهف.. حيث انتقد رأي المفسرين القائلين بأنهم المغول والتتار الذين دمروا الخلافة الإسلامية في بغداد.
يقول:
ويبدو أن هذا التقطع بين أتباع الرسل سوف يبقى حتى يظهر جنس همجي من شرق العالم لم يحمل يوماً ما رسالة سماوية.. فيجتاح الدنيا ويهزم من يعترضه.
"حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ* وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا" [الأنبياء:96،97].
والذي يظهر لي أن هؤلاء من الصين وشرق أسيا عامة.
ومن المفسرين من يقول:
أنهم المغول والتتار الذين أسقطوا دولة الإسلام في بغداد.. وداسو الشعوب من سبعة قرون تقريباً.. وليس هذا بمقبول.
فالسياق يدل على إن يأجوج ومأجوج من الفتن التي تظهر بين يدي الساعة.. وأنهم من أشراطها القريبة جدا "
والنماذج من هذا القبيل كثيرة في تفسير الشيخ.. وفي سائر بحوثه ودراساته.. ولكن اكتفينا بهذه الأمثلة المتنوعة للتدليل على عقلية الشيخ الاجتهادية.. وحسن نظره في الأدلة الشرعية.
الجمعة الموافق
11-8-1431هـ
23-7-2010م
عودة الى قبس من نور
|