أجابت عليها أ/ سميابنتي الغالية:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
أما بعد..
لما كان الإسلام يهتم بالأسرة اهتماما ً بالغا ً.. فقد حث على أن قيام الأسرة المسلمة يجب أن يكون على أساس متين.. حيث يكون قوامه الدين والخلق.. ولذلك كان الإسلام حريصا ً على أن يجعل كلا من الرجل والمرأة مسئولاً عن أمانة بيته.. حيث يقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم):
(كلكم راع و كلكم مسئول عن رعيته .. الرجل راع في بيته ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها).. (أخرجه البخاري).
وبهذا الاختيار القائم على الدين والخلق- من جانب الزوج والزوجة - يستقيم بناء الأسرة ويصبح مستعدا ً لمواجهة ما يواجهها من أعباء ومشاكل الدهر.
وإذا ما رجعنا لديننا الإسلامي السمح.. وجدنا من الدعائم ما يمكننا من المحافظة على هذا البناء الأسرى الذي يتكبد المقبل عليه ما يتكبده من معاناة ومشقة حتى يتم على أكمل وجه ممكن.. ولتحقيق السعادة المنشودة والاستقرار أمر الله سبحانه الأزواج بحسن العشرة في الآيات:
"وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً".
ولم تخل الأحاديث النبوية أيضا من الحث على حسن معاملة الزوج لأهله حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"خيركم.. خيركم لأهله.. وأنا خيركم لأهلي"
ويقول رسول الله- صلى الله عليه وسلم - أيضا:
"فاتقوا الله في النساء، فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئا ً، وإن لهن عليكم حق ولكم عليهن حقاً".
ولما كانت الأسرة لا تقوم قوامتها إلا على كلا شقيها – الرجل والمرأة - فلم تقتصر المسئولية على الرجل فقط.. ولكن تتحمل المرأة ما يخصها في هذه الشراكة الأسرية.. فقد أمر الإسلام الزوجات بحسن معاشرة أزواجهن أيضا ً، وربط الإسلام بين أداء المرأة لحق الله عليها وأدائها لحق زوجها.
فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "لو كنت آمرا أحدا ً أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها.. والذي نفس محمد بيده.. لا تؤدى المرأة حق ربها حتى تؤدى حق زوجها".
الأخت الكريمة:
إنني أشاطرك ألمك النفسي الذي عانيته بسبب هجر زوجك لك وأنت التي في بيته وتقيمين معه.
فأين هو من وصايا رسول الله (صلى الله عليه وسلم)؟!!
أين هو من قول رسول الله "رحمة بالقوارير.. أي النساء"؟!
وأين هو من الحق الذي أوصى به رسول الله للمرأة على زوجها ؟؟!
الأخت الكريمة:
الطلاق أمر يبغضه الله سبحانه وتعالى.. وقال رسول الحق (صلى الله عليه وسلم):
"إن أبغض الحلال عند الله الطلاق"
وأرى أنك باتصالك بزوجك قبل انتهاء العدة كما قلت في رسالتك.. ليس إلا محافظة منك على استمرار الحياة الزوجية بينكما.
الأخت الكريمة:
للحكم على وقوع هذا الطلاق من عدمه يجب أن نعود لسطور رسالتك ونقرأ: "وعندما علمت أنه على علاقة بأخرى قررت الطلاق.. لذلك ضغطت عليه بكل الوسائل لكي أحصل على الطلاق".. وأنت الآن تتساءلين عن وقوع هذا الطلاق من عدمه.. وأنا أقول لك أنت الوحيدة التي تستطيع الحكم على ذلك.
فأنت التي تعرفين الوسيلة التي سلكت لتصلى بها لهدفك.
وهل الوسائل التي لجأت إليها أغضبت زوجك لدرجة فقدان وعيه فكان ما لفظ به نحوك؟؟
سيدتي:
إن حكم الشرع في هذا الطلاق كما يلي:
أولا ً: كلمة طالق من الألفاظ التي يقع بها الطلاق وكون ذلك في ساعة غضب لا يعنى عدم الوقوع لأنه عادة ما يكون الطلاق في وقت الغضب.
يستثنى من وقوع الطلاق باللفظ إذا ما بلغ الغضب مبلغا ً يذهب فيه الوعي والإدراك بحيث لا يشعر الزوج باللفظ الخارج منه.
وبالنسبة لزوجك إذا كان في حال وعيه ولفظ هذا اللفظ فإنه واقع.. ولما كان منه أنه لم يراجعك حتى مرت مدة العدة فإنه لا يمكنه مراجعتك إلا بعقد ومهر جديدين.. لقوله تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ".
أما إذا ما لفظ الزوج باللفظ ثلاث مرات في نفس الجلسة.. فهذا بحكم طلقة واحدة.. وذلك لأن الطلاق المأمور به ما كان في استقبال العدة، أما الطلاق التابع لطلاق آخر من غير رجعة بينهما فليس مأمورا به.. كما جاء في الحديث
"كان الطلاق الثلاث على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبى بكر وسنتين من خلافة عمر.. طلاق الثلاث واحدة" أخرجه مسلم في الطلاق.
وحديث ابن عباس – رضي الله عنهما – في طلاق ركانة لزوجته ثلاثا في مجلس، وفيه قوله (صلى الله عليه وسلم): "فإنما تملك واحدة فراجعها إن شئت".
سيدتي:
أعود إليك مرة أخرى بعد أن أوضحت لك قدر الاستطاعة حكم الدين فيما حدث بينكما.. تاركة لك ولزوجك مواجهة بعضكما البعض لتحكما إن كان هناك ذلك الغضب الذي تحدثت عنه تعاليم ديننا أم لا.
ولتذهبا إلى أحد علماء الدين وتجلسا أمامه ذاكرين الواقعة التي حدثت بينكما حتى يستطيع أن يحكم في هذا الأمر بحكم الشرع.. بعيدا ً عن طيبة القلب وسماحة النفس التي استشعرتها من رسالتك.. بل وبعيدا ً عن مكر هذا الزوج الذي قد تكون هجرته تلك المرأة التي راح يعدو وراءها عاصيا ً الله.. وتاركا ً خلفه زوجة صابرة معذبة نتيجة هجرة وتجاهله لوجودها.
ولعل الشرع يحكم بكون هذا الطلاق واقعا ً، وذلك حين تستفتيان عالما موثوقا ً، وبذلك يكون على هذا الزوج - المخطئ في حقك - أقول يكون عليه إذا ما أراد العودة إلى إقامة بيتك مرة أخرى.. فليعقد من جديد ويدفع مهرا ً جديداً.. ويقف مع الخاطبين لك منتظرا ً موافقتك على البدء معه مرة أخرى أو رفضه باعتباره قد أجرم في حقك جرما لا يغفره عرف ولا دين بانقطاعه عنك مدة العامين التي ذكرتها في رسالتك.
وإحقاقا ً للحق أوصيك إذا ما وافق على بناء هذا البيت من جديد أن تحاولي الاستفادة من الأخطاء السابقة التي جعلت زوجك يبحث عن الراحة بعيدا ً عن عشكما.
وحتى إن كان العيب في زوجك فاعلمي أن الزوجة تستطيع بحبها وحنانها أن تحتوى زوجها بمشاكله وتعوضه عن أي شيء يتمناه.. ولكن ليس بتركه عامين كاملين بعيدا ً عنها وهو قريب منها.. ويعيش معها في نفس البيت كما فعلت أنت بتركه ولم تثر ثائرتك إلا عندما علمت بوجود الأخرى في حياته.
سيدتي:
قومي بالمحافظة على بيتك إذا ما استأنفت الحياة معه مرة أخرى وإذا ما تأكد لك ندم زوجك على ما بدر منه نحوك بهجرك كل هذه الفترة.. لعل الله تاب عليه من سلوكه في علاقته بالأخرى التي كانت سببا ً لهجره بيت الزوجية.. البيت الذي بناه على ما أمرنا الله به.. وراح يقيم معها علاقة بعيدة عن الشرع.
أخيرا ً
أدعو الله لك وللمسلمين والمسلمات أن يجنبهم الله فعل السوء
وأن يجنبنا جميعا ً ما يغضبه سبحانه
اللهم آمين |