ا لسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
وبعد ..
في البداية أود أن أشكر الأخت الكريمة شكراً جزيلاً على ثقتها بالموقع.. وأسأل الله العلي الكريم أن نكون دوما ً عند حسن ظن قرائنا الكرام.
وبعد..
فليست الأخوة والأبوة والأمومة وغيرها من العلاقات الإنسانية مجرد ألقاب تمنح.. وأوسمة تعطى.. وكلمات تردد.. ولكنها أحاسيس تتدفق.. ومشاعر تفور.. ومواقف من الحب والتضحية والإيثار تضرب بها الأمثال.
ولكن للأسف في هذه الأيام وجدنا كثيراً من تلك العلاقات قد تحولت في واقع حياتنا الصعب إلى مجرد ألقاب تشريفية.. وألفاظ خاوية من مضامينها.. وكلمات لا تذكر إلا في المناسبات والأعياد.. وربما لا تذكر حتى في هذه الأوقات.
رأينا في واقع اليوم من يأكل حق إخوته.. ويسلب نصيبهم في الميراث.. غير عابئ بتلك الرحم التي جمعتهم معاً واحتضنتهم سنوات طوال.
ورأينا من يمد يده على أمه أو أبيه لا بالضرب فحسب.. بل بالقتل وإزهاق الروح في بعض الأحيان.. غافلا ً عن حرمة الأبوين وفضلهما الذي لا ينكره إلا جاحد.
ورأينا من ينهش حق أولاد أخيه الأيتام بدلا من أن يكون لهم الأب والراعي بعد غياب والدهم.
رأينا أرحاما مقطعة.. وقرابات متباعدة .. وأسرا ً مفككة.. وعائلات متنافرة.. وأقارب ربما تمر عليهم السنون تلو السنون دون أن يلتقوا.. وربما التقى الأبناء بعد ذلك دون أن يعرف أحد منهم قريبه .
ورأينا وسمعنا الكثير والكثير من المآسي المعاصرة التي يشيب لها الولدان.. والتي لم يكن المرء يتخيل أن يسمع عنها في يوم من الأيام.
ولعلنا لا نجاوز الحقيقة حين نعترف بأن ضغوط الحياة المعاصرة قد ضربت كثيرا من العلاقات الأسرية والروابط العائلية في مقتل.. وتركت هوة واسعة حتى بين الإخوة الأشقاء في طرق المعيشة واتجاهات التفكير وأنماط السلوك.. مما أضفى روحا من الغربة بين أبناء الأسرة الواحدة والبيت الواحد .. ولعل في قصتك المحزنة خير مثال على ذلك .
الأخت الكريمة:
لقد عشت مع كلماتك التي تقطر ألما وحسرة على تصرفات أخيكِ معكِ ومع أبنائك.. وتمنيت أن يكون أخوكِ أول القارئين لرسالتك.. عله يعلم مدى خسارته الفادحة بسلوكه حيالك أنت وأبنائك.. وعله يراجع نفسه.. ويصل رحما قطعها قد تكون حجيجه أمام رب العالمين في موقف عصيب لا ينفع فيه أموال الدنيا وكنوزها.. وحينها لا ينفع الندم فقد فات أوان الإصلاح والمراجعة.
بل تمنيت أن يقرأ رسالتك الحزينة كل مسلم ومسلمة.. حتى يدرك الجميع خطورة قطع الأرحام.. وحتى يراجع نفسه كل أخ مقصر في حق أخوته.. وكل أب منهمك في تحصيل الدنيا.. ومشغول عن غرس قيم التواد والتراحم بين أبنائه لتكون الحصيلة في النهاية آلاما وأحزانا وقطيعة وتمزقا ً.
لقد أحسنت بفعلك حين كنت تشيدين لأخيك بناء عظيما من الاحترام والوفاء في أعماق أبنائك.. وتغرسين في قلوبهم حبه وتقديره في كل مناسبة رغم تقصيره في حقكم ما استطعت إلى ذلك سبيلا.. وهو ما يدل على نبل أخلاقك ومروءتك.
وليتنا نتخذ من ذلك الخلق ديدنا مع المقصرين في حقنا من أقرب الناس إلينا.. فلعلهم يثوبون إلى رشدهم يوما من الأيام فيجدون في نفوس أبنائنا حصيلة من الحب والتقدير تبعث الحياء في نفوسهم.. وتشجعهم على استدراك سابق تقصيرهم.
ولن يجدي نفعا أن نفضحهم أمام أبنائنا..أو نسلط الأضواء على تقصيرهم.. فلن تكون ثمرة ذلك إلا انكسار القلوب.. وترسيخ البغضاء والكراهية.. وقطع الطريق أمامهم إذا ما فكروا يوما من الأيام أن يصلحوا ما أفسدوه.
ولعل أباك رحمه الله يتحمل جزءً كبيرا ً من مسؤولية تقصير ابنه في حق أخواته البنات.. ونسأل الله أن يرحمه ويعفو عنه.
ولكن في هذه القصة جرس إنذار لكل أب وأم حتى يهتموا بغرس المودة والتراحم والترابط في نفوس الأبناء منذ الصغر.
وحتى يعلموا الذكور مسؤوليتهم تجاه أخواتهم من البنات.. فليس أشق على نفس الأخت المتزوجة من إهمال أخيها لها.. وتقصيره في حقها من الزيارة والسؤال لاسيما إذا كان هو الأخ الوحيد.. فالبنت تفتخر أمام زوجها وأهل زوجها بزيارة أخيها لها.. واهتمامه بها وبأبنائها.. وعلى العكس تشعر بالانكسار والألم حين لا يقوم الأخ بواجبه نحوها ونحو أبنائها .
ولكنني لا أشجع فيك أيضا تلك المثالية المفرطة.. والتي لمستها من خلال بعض كلماتك.. صحيح أن الميل نحو المثال .. والتطلع للنموذج الأسمى في المعاملات هو أمر محمود بكل حال.. بل هو واجب مطلوب.
بيد أن هناك فرقا ً كبيرا ً بين الأحلام والحقائق.. وبين ما يتمناه المرء وما يدركه.. والحياة تحتاج إلى تحقيق التوازن بين نداءات العاطفة وموازين العقل.
ويبدو لي أن بعض قراراتك التي اتخذتيها بشأن مشاركة أخيك بتلك الصورة كانت إلى العاطفة الجياشة أميل.. ولم تسبقها حسابات عقلية دقيقة.. واستشراف مستقبلي عميق.. والمرء لا يعلم الغيب.. ولا يمكنه التنبؤ بما سيحدث في غده.
ولكن عليه على الأقل أن يحسب لكل خطوة من خطواته حساباتها قدر استطاعته مستخيرا ومستشيرا.. ثم يعزم أمره متوكلا على الله .. ولا يضيره بعد الأخذ بالأسباب نتائج قراراته إيجابية كانت أو سلبية.. وأرجو أن تكوني قد فعلت ذلك قبل إقدامك على مشاركة أخيك.
ليس ثمة مانع من أن يحلم المرء بحياة مثالية خالية من الغل والحقد والحسد.. ومزدانة بحسن الخلق ورقي التعامل بين الناس وصفاء القلوب ونقاء السرائر.
فتلك المثالية هي الوقود الحقيقي لتغيير الواقع نحو الأفضل والأحسن.. وهي المحرك الذي يدفع الناس قدما لإصلاح نفوسهم وأحوالهم.. وبدونها ستظل المثل العليا ضربا من الخيال.. بل ينبغي أيضا أن يسعى المرء لتحقيق ذلك النموذج في الواقع الذي يحياه قدر استطاعته.
ولكن يبقى عليه ألا يغرق في المثالية حتى ينسى حقائق الواقع من حوله .. ولو مع أقرب الناس إليه.. فلا ينسى مثلا أننا بشر مهما سمت أخلاقنا وارتقت تعاملاتنا.. ولسنا من الملائكة.. وبالتالي فلنا أخطاؤنا ونزواتنا وحيود نفوسنا عن جادة الحق والصواب .. ولنا أطماعنا ومصالحنا الشخصية التي قد تعمينا عن التزام العدل وتدفعنا للتهاون في حقوق الآخرين تحت أي ذريعة من الذرائع .
كما أن لنا خلفياتنا التربوية التي نشأنا فيها .. والتي أورثت كلا منا صفات وعيوبا قد لا يستطيع التخلص منها إلا بجهد جهيد وإرادة قوية.
وكم كانت شريعة الإسلام عظيمة وواقعية حين حددت للناس حدودا وضوابط تنظم شؤون حياتهم وتضبط إيقاع معاملاتهم حتى في أبسط وأدق الأمور.. حماية لأنفسهم من أنفسهم .. ولم تترك ذلك لأخلاقهم وإيمانهم وتدينهم .. إذ يتفاوت الناس في ذلك كله تفاوتا كبيرا ً.
فأمرتهم مثلا بكتابة الديون وتوثيقها والإشهاد عليها صغيرا كان الدين أو كبيرا ً.. حفظا للحقوق وتطمينا ً للنفوس ومنعا للمشكلات.. وشريعة الإسلام زاخرة بمثل هذه الضوابط الواقعية التي تفي باحتياجات الخلق من صور المعاملات المختلفة.. مراعية في ذلك طبيعة النفوس البشرية وضعفها دون أن تخل في الوقت ذاته بتطلعات النفس نحو المثالية والنموذج الأسمى في التعاملات.
الأخت الكريمة:-
إذا كان والدك رحمه الله يتحمل قدرا من المسؤولية في تقصير أخيك نحوك ونحو أختك الأخرى .. فإن أخاك نفسه يتحمل نفس القدر من المسؤولية .. بل أكبر.. وليس ثمة عذر له في تقصيره تجاهكم .. لاسيما وقد فهمت من رسالتك أن حالته المادية ميسورة إلى حد كبير .. إذن فليس هناك ما يمنعه من صلتك .. وزيارتكم والاطمئنان على أحوالكم كل حين.. ولو في المناسبات.
إن أخاك يرتكب بتقصيره في حقكم وحق أولادكم خطئا كبيرا ً.. إذ أن قطع الرحم من أكبر الكبائر التي ابتلي بها كثير من المسلمين في هذه الأيام.. ولعل أخطر ما في عقوبة قطع الرحم أنها عقوبة معجلة في الدنيا غير عقوبة الآخرة.. فقاطع الرحم لا يهنأ بعيش.. ولا يشعر ببركة في ماله وولده .
كما أنه يفتقد أفضل ما يبقى للمرء بعد وفاته.. وهو الذكر الحسن.. وأخشى ما أخشاه على قاطع الرحم ألا يجد من يصل رحمه بعد أن يموت.. جزاء وفاقا ً من رب العالمين.. فيكون بذلك قد جلب لأبنائه وذويه عقوبة ما جنت يداه في حياته .
إنني أهيب بأخيك الفاضل.. وبكل أخ وأب وزوج قصر في حق صلة رحمه أن يراجع نفسه.. وأن يؤثر الباقية على الدنيا الفانية.. فكنوز الدنيا بأسرها لا تعدل ثواب دمعة يمسحها أخ عن أخيه.. أو بسمة رقيقة صافية يرسمها خال على وجوه أبناء أخته.. أو سرور يدخله أب على قلب بناته بزيارة قصيرة وهدية زهيدة الثمن.
إن الله عز وجل قد قرن قطع الأرحام بالإفساد في الأرض.. وذلك تبيانا لخطورة قطع الرحم، فقال سبحانه: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ* أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ).
ولعمري.. كفى بتلك الآية وما تضمنته من تهديد رهيب ووعيد مروع عبرة وذكرى لكل قاطع رحم.
لقد غاب مفهوم الإسلام الشامل عن بعض المسلمين اليوم.. فتصوروا أن الدين هو مجرد عبادات ومظاهر فحسب.. غافلين أو متغافلين عن حقيقة أن جانب المعاملات لا يقل شأنا في ديننا وشريعتنا عن جانب العبادات.. بل ربما يفوقه في بعض الأحيان .. فالله تعالى قد يغفر للعبد تقصيره في جنب الله .. ولكنه أبدا لا يغفر ظلم العبد لغيره.. أو اعتداءه على حرماته .. أو انتهاكه لحقوقه.. ومهما تقرب الإنسان إلى الله تعالى بالطاعات والقربات فلن ينفعه ذلك ما لم يحسن في معاملة الخلق.. ويتقي الله فيهم.
ولعلنا جميعا ً نعرف قصة تلك المرأة الصوامة القوامة التي كانت تصوم النهار وتقوم الليل.. ولكنها كانت تؤذي جيرانها.. فقال عنها الرسول (صلى الله عليه وسلم): (هي في النار).. وهو ما يوضح خطورة جانب المعاملات في حياة المسلم.
ولكن من المؤسف أن نرى في واقع اليوم انفصاما شديدا وهوة واسعة بين المعاملات والعبادات.. فلم يعد مستغربا ً مثلا أن ترى رب العمل وقد ازدان وجهه بزبيبة صلاة كبيرة.. بينما يتعسف مع عماله.. ينتقص حقوقهم ويؤخر رواتبهم .
أو تجد تاجرا يهرول إلى المسجد وقت الصلاة .. بينما بضاعته مغشوشة وأكثر حلفه بالأيمان الكاذبة ..
أو موظفا في إحدى المصالح الحكومية لا تفارق المسبحة يمناه.. بينما يسراه منهمكة في دس الرشاوى في جيبه.
وآخر يؤنبه ضميره حين تفوته الزكاة المفروضة.. بينما بعض أقاربه يتضورون جوعا ولا يجدون ما يسد رمقهم.
وغير تلك الصور التي تدل على فهم خاطئ لحقيقة الإسلام الشامل الكامل .. ولقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً) .. أي خذوا الإسلام بجميع شرائعه: أخلاقه وآدابه ، عباداته ومعاملاته.. هديه وقيمه.. مظهره وجوهره .
الأخت الكريمة ..
لا أدري حقيقة ما هو سر تأخر أخيك في كتابة حقك في المنزل الذي تشاركتما فيه.. وذلك رغم تأكيدك له مرارا وتكرارا أنك لن تكوني حجر عثرة في سبيل بيعه إذا ما قرر البيع.. ولكن على أية حال.. فقد تم لك ما أردت مؤخرا .. ومن الأفضل أن تطوى تلك الصفحة الماضية.. وأرى أن بيع هذا البيت وفض الشركة القائمة بينك وبين أخيك هو أسلم الحلول.
ولعل انفصالكما في مكان السكن والإقامة بعد ذلك يهيج مشاعر الأخوة الغائبة مرة أخرى .. ويزيد الحنين فتتحسن الأحوال شيئا فشيئا .. أو على الأقل يكون البعد النسبي فرصة لتناسي جراحات الماضي .. وبدء صفحة جديدة من العلاقة أتمنى ألا تنتظري فيها من أخيك الكثير من الود والتواصل حتى لا تصدمي إذا لم يتحقق ما توقعتيه.
فحافظي على الحد الأدنى من العلاقة الطيبة معه.. ولا تنسي أولا ً وأخيرا ً أنه أخوك وشريكك في رحم واحد.
وكما يقولون في المثل العامي:
(عمر الدم ما يبقى مية)
ولك في هذا الموقف درجات عليا من المروءة والفضل يمكنك أن تبلغيها إذا ما انتصرت على نفسك وتساميت على جراحات الماضي .. وأظنك قادرة على ذلك بعون الله عز وجل.
أسأل الله العلي القدير أن يؤلف بين قلوبنا ويحفظ أسرنا من التمزق في هذا الزمن الصعب. |