الأخت الفاضلة د/ شيماء..السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.. وتحية مباركة من عند الله .
أما بعد
فأنني أرحب بالأخت الفاضلة ضيفة عزيزة على الموقع.. شاكرة لها ثقتها الغالية.. راجية الله عز وجل أن نكون عند حسن ظنها بنا .. وأن يعيننا الله وإياها على الوصول بها إلى بر الأمان لحل ما تعانيه من مشاكل .
قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العظيم .. بسم الله الرحمن الرحيم ..
"وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لَّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَه ولا تَتَّخِذُوَاْ آيَاتِ اللّهِ هُزُواً وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ "
كما ورد عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) معنى الحديث الشريف الذي يضعف البعض سنده .. ولكني أرى معناه عظيما ً وجميلا ً " إن أبغض الحلال عند الله الطلاق ".
لقد أصبح الطلاق كالطوفان يهدد كل بيت.. بل إنه سبب كثير من الآفات الاجتماعية التي يتعرض لها المجتمع .
وتؤكد الدراسات النفسية والاجتماعية في العالم العربي إلى أن مخاطر الطلاق لا تقف عند المرأة والأطفال فحسب.. بل تشمل أيضا الرجل الذي يتخيل أحيانا أنه قد يسلم منها.
ويسبب الطلاق للمرأة صدمة نفسية ، وذلك لأن الطلاق مــن أصعـب المراحــل التـي قــد تواجهها المرأة.. لأنه يؤدى إلى هدم بنيان تكبدت في بنائه ما تكبدت.. وشيدت الآمال الغالية تتصور فيه هذا البيت الجميل .. وعاشت أحلاما تتخيل فيها الشكل النهائي لمملكتها المرتقبة .
وبرغم ذلك فإن الدراسات النفسية والاجتماعية تشير إلى أن النساء أكثر تحملا لصدمة الطلاق من الرجال .
أما الأطفال فهم ضحايا أبغض الحلال عند الله "الطلاق".. فقد سجلت الدراسة أن 98% من أطفال الأسر المفككة نتيجة حدوث الطلاق لا يستطيعون التركيز.. بل ومنهم من يفشل في إكمال دراسته بسبب ما تعانيه أسرته من تفكك .
غير أنه عند تفاقم المشاكل واستحالة العشرة ينسى بعض الأزواج أن الزواج من أمتن وأروع علاقات التعارف والتكامل بين أفراد المجتمع.. وهو العلاقة التي أقرتها الشرائع والأديان لتكون نموذجا للارتباط بين الرجل والمرأة.. فمن خلاله تتحقق السكينة والإيثار والمودة لكل أفراد الأسرة.
قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز :
" وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً" .
وقال نبي الرحمة (صلى الله عليه وسلم:" لم نر للمتحابين مثل النكاح ".. أي أن الزواج هو الوسيلة الوحيدة لارتباط المتحابين من الرجال والنساء .
ولما كانت العلاقة الزوجية من أسمى العلاقات الإنسانية.. فقد عزز الله سبحانه وتعالى قيام هذه العلاقة وجعل لقيامها ضوابط وأحكام.. وكذلك وضع أسس للتعامل داخل النظام الأسرى تضمن لهذا النظام النجاح والفلاح والتوفيق.. وذلك واضح بل جلي الوضوح في حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حيث قال مخاطبا كل من الزوج والزوجة:
"كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته" .
الرجل في بيته راع ومسئول عن رعيته .. والمرأة في بيت زوجها راعية ومسئولة عن رعيتها.
وكذلك أوصى الرسول (صلى الله عليه وسلم ) الأزواج على زوجاتهم حيث قال (صلى الله عليه وسلم ) في الحديث الشريف:
"اتقوا الله في النساء فإنهن عوان لا يملكن لأنفسهن شيئا.. وإن لهن عليكم حق ولكم عليهن حق " .
وقوله (صلى الله عليه وسلم):
" لو كنت آمرا أحد أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ، والذي نفس محمد بيده لا تؤدى المرأة حق ربها حتى تؤدى حق زوجها " .
وكما وصى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على حسن تعامل الزوج داخل الأسرة حيث قال:
" رفقا ًبالقوارير "
وأيضا فقد قال الحق سبحانه وتعالى في كتابه العزيز :
" وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً " .
أما عن طبيعة السلوك الذي يجب اتباعه إن استحالت العشرة بين الزوجين قال الله سبحانه :
" وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللّهُ وَاسِعاً حَكِيماً " .
الابنة الغالية:
ذكرت في رسالتك أنه عند انفصالكما ذكر زوجك أسباب يطول شرحها .. مع العلم أنك لم تذكري في رسالتك شيئا ً منها.. مما يجعلني لا أستطيع أن أضع يدي على نقط الخلاف بينكما لكي أحاول توجيهك من خلالها.
ولكن لا يفوتني أن أنوه هنا على عبارة من رسالتك وهى أن زوجك تركك وابنه الذي في الغالب لن يستطيع إنجاب طفل آخر غيره.. وإن دل ذلك على شيء فإنما قد تكون دلالته على استحالة العشرة بينكما.. وهى التي جعلته يضحى بفلذة كبده التي عانى الأمرين حتى رآها على أرض الواقع.. والتي قد لا يكون هناك أمل في إنجاب غيرها .
والآن وقد وصلنا لهذه الخطوة – الطلاق واستحالة العشرة – فإنه واجب علينا أن ننظر للأمور من زاوية أخرى.. نعم علينا الآن أن نتكلم في حقك وحق كفالة هذا الطفل الذي ليس له ذنب فيما حدث بينكما.
فهذا الطفل له على والده حق الإنفاق.. وليس أسهل من الوصول إليه شيء.. فكل ما في الأمر أنك سوف تتوجهين إلى محكمة الأسرة بشكواك ولسوف تسير الأمور بأسهل ما يكون.
فاليوم المحكمة وضعت حق الزوجة والطفل في مقدمة أي شيء.. وتقوم المحكمة بصرف نفقة الطفل عن طريق بنك ناصر وتحصل هذه المبالغ من الزوج بطريقتها.. المهم أنها كفلت حقك وحق طفلك.. وليس هناك أي مشكلة في هذا الأمر .
الابنة الحبيبة:
أرى أنك يجب عليك أن تحاولي استرجاع أب ابنك ولو عن طريق توسيط أحد أفراد أسرته ليحاول التوفيق بينكما مرة أخرى.. وإن استحالت عودته فحاولي أن تعيشي حياتك وتتذكري الآية الكريمة:
" وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللّهُ وَاسِعاً حَكِيماً " .
وكذلك قول الحق سبحانه في كتابه العزيز :
"وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ " .
أما عند اختيارك لشريك جديد في الحياة ..فيجب أن تختاري من يستطيع أن يكون زوجا ً رفيقا ً وأبا ً عطوفا ً أيضا .. حتى لا تفشلين مرة أخرى.
فاليوم أنت لا تختارين زوجا ً لك فقط .. ولكنك تختارين زوجا ً لك وأبا ً لابنك يتحمله ويرعاه ويسعى لإسعاده .. إنه يجب أن يكون رجلا ً بمعنى الكلمة .. يخاف الله في كل أموره حتى يستطيع أن يكفل ابن غيره ويعتبره ابنه.. ويساوى بينه وبين أولاده إن وهبه الله الأولاد .
الابنة الغالية :
ذكرت في رسالتك أنك قد استقلت من وزارة الصحة.. وأيضا ذكرت أنك على وشك الحصول على ماجستير النساء والتوليد.. لذا ليس هناك مشكلة فإنك يجب أن تعودي إلى حياتك الطبيعية .. نعم تعودي إلى ممارسة مهنتك التي تعد من المهن الهامة خاصة في هذا الزمان .. ولن أذكرك بأنه كم طفل يولد في الدقيقة .
لن أذكرك أيضا أنه في مصر الآن وفى كل شارع تجدين مستشفى خاص .. ناهيك عن عدد المستوصفات الأهلية التي توجد في كل حي .. وكلها تحتاج إلي طبيبة للنساء والتوليد.
لذا فإنني أنصحك أن تبدأي في ممارسة عملك حتى تخرجي مرة أخرى للحياة.. فالحياة لن تقف عند فشلك في زواجك .. ولن تقف عند هذا الفشل.
أخرجي للحياة ولا تجلسي وتبكى على اللبن المسكوب.. فالحياة لن تأتى إليك.. فاسع أنت إليها.. فربما صادفت أنت من تتفقين معه في الطباع ويحدث بينكما توافق وترتبطين مرة أخرى بحياة زوجية جديدة.
ويجب عليك أن تضعي نصب عينيك أسباب فشل زواجك الأول التي لم تذكريها في رسالتك.. وتحاولي الاستفادة من أخطائك.
وربما راجع زوجك نفسه في يوم من الأيام.. وعاد إليك وإلى طفله الوحيد.. ووجدك في حال أفضل مما تركك عليه .
أخيرا .. أدعو الله العلى القدير أن ييسر لك الخير حيث كان .. اللهم آمين .
الأحد الموافق /
11/5/1431هـ
25/4/2010م
|