|
الإسلاميون والعسكر فى تركيا.. صفحات من الماضي والحاضر بقلم/ إسلام الغمرى
تصاعدت في الآونة الأخيرة وتيرة المواجهة.. بين الحكومة التركية، ذات التوجه الإسلامي والجيش التركي والذي يوصف دائماً بأنه حامى حمى العلمانية.
وذلك على إثر القبض على البعض من كبار ضباط الجيش التركي السابقين بتهمة التآمر لقلب نظام الحكم.
كما أننا لا نستطيع أن نطرد عن أذهاننا وثوق الصلة بين التهم الموجهة إلى كبار الضباط السابقين وحكومة.. وذلك للتخلص من حكومة رجب طيب أردوغان .
وقد لوحظ مؤخراً تدهور العلاقات التركية – الإسرائيلية وذلك عبر العديد من المحطات:
مواقف أردوغان المشرفة المناصرة للقضية الفلسطينية.. والتي ظهرت بشكل جلي فترة الاعتداء الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة.
فخرجت المظاهرات العارمة التي اجتاحت المدن التركية المنددة بالعدوان.. بتصريح ضمني من الحكومة التركية.. والتي أبدت تعاطفا ًوانحيازا كبيرا ً للشعب الفلسطيني المظلوم.
الموقف القوى الذي وقفه أردوغان من بيريز فى قمة " دافوس" والتي جاءت رداً على الأكاذيب التي حاول بيريز ترويجها لتبرير المجازر الصهيونية في حق الآمنين في غزة .
ورئيس الدولة التركي عبد الله جول من مقابلة مجرم الحرب الإسرائيلي ووزير الدفاع إيهود باراك عند زيارته لتركيا مؤخرا ً.. بل لاحظنا التأكيد التركي الداعم لفك الحصار عن قطاع غزة المحاصر عندما شارك أكثر من خمسين برلماني تركي في قافلة شريان الحياة لكسر الحصار عن الشعب الفلسطيني المحاصر في غزة.
ثم انتهي المشهد برفض الجانب التركي إجراء مناورات مشتركة مع العدو الإسرائيلي.. والتي ظلت تمثل ثابتاً لا يتغير في العلاقات العسكرية المشتركة بين الجانبين .
كل هذا قابله انفتاح تركيا على الدول العربية والإسلامية.. خاصة مع الجارة سوريا والتي كانت تشهد علاقتهما فتورا في العلاقات منذ مدة طويلة.
هذا الانفتاح ظل علامة بارزة في انجازات حزب العدالة والتنمية.
لهذا كله أخذت النار تنبعث من تحت الرماد متمثلة في التصريحات الإسرائيلية المنتقدة للحكومة التركية ولسياستها.. وتحرك اللوبي الإسرائيلي في أمريكا من أجل استصدار قرارات ومواقف ضاغطة علي الجانب التركي كان أخرها ما تناقلته وكالات الأنباء بشأن توصيف أمريكا لما حدث في الماضي بين تركيا وأرمينيا بأنها إبادة جماعية ارتكبها الأتراك في حق الأرمن .
في وسط تلك الأجواء أخذت سياسة الشد والجذب تتصاعد بين المؤسسة العسكرية التركية والحكومة التركية.
الجيش التركي والانقلابات
يبلغ تعداد القوات المسلحة التركية 1.054.750 جندي .. فتكون تركيا بذلك ثاني أكبر قوة من حيث التعداد في حلف شمال الأطلسي بعد الولايات المتحدة الأمريكية.
وبعد دخول الجمهورية التركية في حلف الناتو في فبراير1952 اعتمدت برنامجاً لتحديث وتطوير الجيش.. وفي نهاية الثمانينات بدأت بتنفيذ مرحلة ثانية لتقوية وعصرنة مختلف قطاعات قواتها المسلحة.
ومنذ أن أسس كمال أتاتورك الجيش التركي عقب تأسيس الجمهورية العلمانية ظل الجيش التركي يملك مفاتيح الحياة السياسية بل والثقافية والفكرية.
وقد استطاع لسنوات طويلة أن يجعلها مغلقة على الفكر العلماني في أشد صوره تطرفاً واصطداماً بالدين الإسلامي الذي يدين به الشعب التركي ويستمد منه وجوده وديمومته.
وظل القاسم المشترك الذي يجمع الانقلابات السابقة استشعار الجيش بتعرض المبادئ العلمانية للخطر.
وكما يقول حسنى محلى في كلام مطول له:
أول الانقلابات وأكثرها دموية جرى في 27 مايو/ أيار 1960 .. عندما أطاح الجيش بحكومة عدنان مندريس بعدما وجهت له اتهامات بالسماح للقوى الدينية بالعمل بحرية كانت الحكومات العلمانية السابقة قد منعتها تماما ً.. ورغم أن مندريس لم يكن بالأصل إسلاميا فإن مجرد محاولته تخطي شكل العلمانية الذي شرعه أتاتورك كان كفيلا بمحاكمته وإعدامه مع ثلاثة من وزرائه بتهم غير جدية.
ولعلنا نلاحظ أن واشنطن لم تتدخل لإنقاذ مندريس رغم أنه كان قريبا ً منها وقدم لها وللغرب خدمات جليلة.. حيث تحولت تركيا في عهده إلى مخفر متقدم وإستراتيجي للحلف الأطلسي ضد الاتحاد السوفيتي والمد القومي العربي بقيادة عبد الناصر.
وجاء الانقلاب الثاني في مارس/ آذار 1971.. وهذه المرة لحماية الحسابات الأميركية حيث كانت البلاد تشهد صراعات دموية بين القوى اليسارية التي تصدت لها القوى اليمينية "الإسلامية والقومية" بدعم من الدولة المدعومة من واشنطن التي كانت تتخوف للتيار اليساري أن يتحول إلى قوة جدية في الشارع التركي.. خاصة بعد أن قام اليساريون الذين تدربوا في مخيمات المنظمات الفلسطينية في لبنان بعمليات مسلحة استهدفت القواعد الأميركية والعاملين فيها وقتلوا القنصل الإسرائيلي في إسطنبول.
وحدث الانقلاب الثالث في سبتمبر/ أيلول 1980.. وسط ظروف داخلية مماثلة لكن هذه المرة بأبعاد إقليمية.. حيث كانت تركيا تعيش ظروف التمرد الكردي في جنوب البلاد.
بالإضافة إلى صعود القوى اليسارية، في وقت شهد إقليميا تداعيات الثورة الإيرانية واندلاع الحرب العراقية- الإيرانية والاحتلال السوفيتي لأفغانستان، وكان كل ذلك يجري في غمرة الحديث عن نظرية الحزام الأخضر لبريجنسكي ضد الاتحاد السوفيتي.
كانت تركيا من أهم عناصر هذا الحزام الذي استهدف إحاطة جنوب الاتحاد السوفيتي بطوق من الدول ذات صبغة إسلامية.
حيث كان لانقلاب 1980 الذي أعلنت عنه واشنطن حتى قبل السماع عنه في أنقرة تأثير مهم وكبير في مجمل المعطيات السياسية.. حيث حكم قائد الانقلاب كنعان أيفرين البلاد لمدة سبع سنوات رئيسا ً للجمهورية بعد أن صاغ دستورا ً غريبا ً وعجيبا ً مازال الأتراك يعانون منه رغم تغيير العديد من بنوده ومواده باستثناء تلك التي تعترف لقادة الانقلاب بحصانة دستورية إلى الأبد.
وقد فشل جميع رؤساء الوزراء الذين حكموا البلاد بعد ذلك العام بمن فيهم الذين استهدفهم الانقلاب العسكري المذكور ومنهم سليمان ديميريل وبولنت أجاويد ونجم الدين أربكان من تغيير هذه المواد والمواد الأخرى المناقضة للديمقراطية وهو ما يؤكد "حالة الخوف النفسي" التي يعاني منها السياسيون الأتراك من جنرالات الجيش.
أما الانقلاب الرابع فجرى في فبراير/ شباط 1997.. وكان انقلابا" نظريا" اكتفى فيه الجيش بإخراج الدبابات إلى الشوارع في أنقرة ليضطر رئيس الوزراء نجم الدين أربكان إلى الاستقالة.. قبل أن يصل الجيش إلى مقر رئاسة الحكومة.
ولكن هل ما زال الطريق ممهدا – كما السابق – أمام جنرالات الجيش للقيام بحملات السطو على الحكم ؟
يقول جهاد فاضل :
"ولاشك أن الجيش لم يعد يجد أن الطريق إلى الانقلاب ممهدة اليوم كما كانت ممهدة أمامه في الماضي".
وقد أثبتت وقائع الأيام القليلة الماضية ما يؤكد ذلك.. فكبار الجنرالات العاملين في الجيش أو الذين أحيلوا قبل فترة إلى التقاعد، يُساقون سوقاً إلى العدالة بتهمة التآمر لقلب نظام الحكم دون أن يجدوا نصيراً من أحد.. لا من الجيش نفسه ولا من الشعب.
فقط هناك بعض الدموع القليلة من بقايا الأحزاب العلمانية الصغيرة التي لم تعد تؤثر في الحياة العامة ذلك التأثير الذي كان لها في الماضي.
ويبقى أن نقول:
إن هذه الدموع ما عادت لتستطيع تغيير الحقيقة التي تقول:
إن عجلة الزمن التي دارت للأمام من الصعوبة بمكان أن ترتد للخلف ثانية
عودة الى قضايا معاصرة
|